أرشيف المقالات

الإحسان إلى النصارى في عيدهم بين الحق والتضليل

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
2الإحسان إلى النصارى في عيدهم بين الحق والتضليل
الحمد لله رب العالمين وكفى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد: هذا بيان للمسلمين حول أقوال من فرَّطوا، بحُسن نيةٍ أو بقصدٍ، فقالوا: إن تهنئة النصارى في أعيادهم الدينية وليست الدنيوية تجوز، وإن في مشاركتهم فيما يسمى بعيد مولد المسيح عليه السلام، أو ما يُسمى عندهم بعيد الكريسماس، نوع من الإحسان.   وسنرد على هذه الشبهة بالأدلة، ونُبين حقيقة الإحسان المقصود بالأدلة الشرعية، ولكن قبل ذلك؛ ليدرك المسلمون أنه ما من نبي أو رسول إلا قال على لسانه كما يخبرنا القرآن: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 59]، والقرآن صريح بكفر النصارى لشركهم وضلالهم في آيات كثيرة؛ منها: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 17]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ [البينة: 6]، وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ [المائدة: 73]، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 30، 31]، وثبت عن النبي بما لا يدع مجالًا للشك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار)؛ رواه مسلم في صحيحه.   وليس بعد قول الله ورسوله - وهو الحق - إلا الضلالُ؛ قال العلامة ابن العثيمين في شرح رياض الصالحين بعد أن ذكر الحديث (1 /350): ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة، كلهم من أصحاب النار؛ لأن هذه شهادة النبي عليه الصلاة والسلام، والجنة حرام عليهم؛ لأنهم كفرة أعداء لله تعالى ولرُسله عليهم الصلاة والسلام، أعداء لإبراهيم، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ انتهى.   حقيقة عيد الكريسماس: إن مدخلنا في بيان أصل عيد الكريسماس لأهله، فهم أدرى بحقيقته التي لا يدركها عامة الناس منهم، أما نحن فتعلم أن التحريف والتبديل والضلال في دينهم ظاهرٌ عيانًا، وكفى بالقرآن شاهدًا لحقيقة دينهم وشركهم وضلالهم.   وذكر "هربرت أرمسترونج " في كتيب صغير الحجم كتبه، عدد صفحاته لا يتعدى خمس عشرة صفحة عنوانه: (الحقيقة المجردة عن عيد الميلاد)، والصادر عن كنيسة (جميع أنحاء العالم) الأمريكية، قال في الصفحة الثامنة منه ما نصه: إن كلمة "عيد الميلاد" لم ترد لا في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ولم تنقل عن الحواريين، وإنما تسربت إلى النصرانية من الوثنية؛ انتهى.   أما دائرة المعارف البريطانية، فهي تقول في طبعة 1946م: "ولم يوجد - أي عيد الميلاد المزعوم - لا المسيح ولا الحواريون، ولا نص من الكتاب المقدس، بل أُخذ - فيما بعد - عن الوثنية"؛ انتهى.
ومن ثم فلا عجب أن الأنباء نقلت خبرًا أن البابا قال: الاحتفال بعيد الميلاد "جاهلية"، وأنه صورة زائفة تصور حكاية خرافية مائعة، لا وجود لها فى الإنجيل، على حد تعبيره، وإن ثبت عنه قول ذلك، فقد شهد شاهد من أهلها، وليت المبيحين يعقلون دينهم مثله فيما أباحوه للعامة من أعياد مبتدعة في الدين؛ كعيد الأم والحب، وغيرهما، مخالفين أمرَ نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونهيه وتحذيره من البدع ومحدثات الأمور في دين الله تعالى الذي تم واكتمل بالقرآن والسنة، فقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].   فهل يعقل بعد ذلك أن يحتفل معهم المسلمون بهذا العيد، وهم يعتقدون أن الله قد وُلِد في هذا اليوم والعياذ بالله من هذا الكفر؟! يقول ابن قيِّم الجوزية رحمه الله: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق، مثل: أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تَهْنَأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام، ونحوه .
وكثير ممن لا قدر للدين عنده، يقع في ذلك ولا يدري قُبح ما فعل، فمن هنَّأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر، فقد تعرض لمقتِ الله وسخطه)
؛ انظر: أحكام أهل الذمة: 1 /441-442.   فمشاركة النصارى أعيادَهم وتهنئتهم، إقرارٌ لهم بضلالهم وكفرهم، ومن صور الاحتفال التي يفعلها للأسف بعض المسلمين قليلي العلم والفقه في زمن الغربة وضياع الهوية، سواء بشكل مباشر، أو عن طريق وسائل النشر الحديثة؛ كالصحف والمجلات والتلفاز، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأهمها الفيس بوك، وكذلك أجهزة الجوال، وغير ذلك، مع تبادل الهدايا، خصوصًا ما احتوى منها على رمزيات العيد الخاص بالنصاري؛ كمنظر لبابا نويل، أو شجرة الميلاد، فكل ذلك مشاركة لهم، وثبت النهي عن ذلك في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"؛ رواه أبو داود، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح؛ برقم (3401).   الإحسان للنصارى في عيدهم وحقيقته: أن أهم شبهات المبيحين لتهنئة النصارى في عيدهم ومشاركتهم، أن ذلك من الإحسان، وهي شبهة واهية، ونحن نرد على هذه الشبهة لإقناع من يريد الحق الصراح في هذه المسالة التي تتكرر كل عام، والرد على هذه الشبهة سهل ويسير.   ♦ فهل من العدل والإحسان أن نقول: إن لله وُلِد وهو يقول لنا في كتابه الكريم الذي لا يخلو منه بيت مسلم: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4].   وهل من العدل والإحسان أن يقال عند بعضهم عيسى عليه السلام: رب، أو إله مع الله، حاشا لله، وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.   وقد ذكر القرآن براءة عيسى وأمه مما نُسِب إليهما، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 116، 117].   ليت من يبيحون الإحسان في الدين يفرِّقون بين المحبة الدنيوية والمحبة الإيمانية، ولا بأس من بيانها ليعقلها من هداه الله.
ونقول: ينبغي عند العقلاء عدم الخلط بين معاملتهم بالإحسان، وبين التودد إليهم على حساب عقيدتنا وديننا، فتكون معاملتهم بالخير في الدنيا، وقد نكتفي هنا بما أثبته الله تعالى من حبِّ النبي صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب مع كفره، فقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56].   ولا يخفى أن تلك المحبة محبة (طبيعية) لقرابته، وكما أجاز الله نكاح الكتابية، وهذا لا ريب ينبت المحبة بين الزوجين؛ كما قال تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، وسيأتي تفصيلها وبيانها.
فتلك المحبة الدنيوية وهي غريزية؛ كمحبة الطعام والشراب والملبس، وغير ذلك، وهي قد تكون إما لقرابة أو نسَبٍ، أو مصاهرة، أو صلة وإحسان؛ كما يقال، أو نحو ذلك، مع بقاء البراءة من دينه، وما فيه من شرك وكفر كما لا يخفى.   وحذَّر الله عباده المؤمنين من أن يقدموا هذه المحبة الطبيعية والأهواء النفسية - على المحبة الإيمانية، والأوامر الشرعية، فقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 23، 24].   وبعد ما ذكرناه هل من العدل والإحسان القدح في دعوة نبينا وغيره من أنبياء الله ورسله الذين شرَّفهم الله تعالى واصطفاهم بالرسالة والنبوة، وكان جوهر دعوتهم توحيد الله في ربوبيته وألوهيته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]؟.   وكذلك تضحيات الصحابة بالمال والأهل والنفس، وغير ذلك، وأتباع أنبياء الله ورسله في كل عصر ومصر على مرِّ تاريخ وعصور البشرية لنشر التوحيد بين خلق الله وعباده.   ثم أين هؤلاء ممن يبيح الشرك والكفر ولو بالتهنئة أو المشاركة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 84، 85].   ليت المبيحين لتهنئة النصارى ومشاركتهم أعيادهم الدينية، يفهمون العدل والإحسان بما دلت عليه الشريعة الخاتمة، وليس بهوى النفس وبيع الدين بالدنيا.   إننا نفهم الإحسان بالرحمة والعطف على فقرائهم ومساكينهم، وعدم إهانتهم وتركهم على دينهم، وإن رفضوا الدعوة كبرًا وعلوًّا، فهم وشأنهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256].   ♦ ولنفهم العدل والإحسان في برهم لصلة رحمٍ؛ كبرِّ الوالدين لو ظلوا على الكفر والشرك؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15].
وكما ثبت عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، عندما جاءتها أمها قيلة بنت الحارث من بني مخزوم - وقيل: قتيلة - وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: قدِمتْ عليَّ أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ ومعنى راغبة: يعني ترغب في الصلة، ولهذا سألت قالت: أفأصل أمي؟ قال: (نعم، صِلي أمك)؛ متفق عليه،وفي بعض الروايات: أنها قدمت ومعها هدايا من زبيب وسمن، ونحو هذا، فامتنعت ابنتها أسماء من إدخالها في بيتها، ومن قبول هديتها، خشية أن يكون ذلك من موالاة المشركين.   ♦ وكذلك نفهم العدل والإحسان بالزوجة إن كانت كتابية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21].   ولكن قطعًا لا يفهم من الآية أن المودة والرحمة بمشاركها أو تهنئتها بما هي عليه من ضلال وشرك، بل بإعانتها على فَهْم حقيقة التوحيد الخالص، وإقناعها بقوامته ومحبته وإحسانه، ورحمته معها بنفي الشريك والولد؛ لأن الحق كل الحق في التوحيد، وليس بعد الحق إلا الضلال.   ومن الإحسان والعدل والمحبة الدنيوية للزوجة الكتابية - أن يظل على المودة والرحمة معها، والرفق بها، ومعاشرتها بالمعروف والإنفاق عليها، وكما لا يخفى الزوجة مأمورة بطاعته، وله الحق في منعها من إعلان المنكر في المنزل؛ كنصب التماثيل والصلبان، وكل مظاهر الشرك، فعبادتها مع نفسها حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويضع الزوج المسلم دومًا - طالَما أوقع نفسه في مسؤولية زوجة مشركة برضاه واختياره - نُصب عينيه قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]، ومسؤوليته أمام الله الذي خصه بالقوامة والإنفاق.   وجاء في المغني لابن قدامة رحمه الله (1/ 21 - عشرة النساء): وإن كانت الزوجة ذميَّة، فله منعها من الخروج إلى الكنيسة؛ لأن ذلك ليس بطاعة.   ♦ ومن العدل والإحسان والرحمة كما لا يخفى - ومنعًا للتطويل في المقالة - عيادتهم ومساعدتهم، بل البيع والشراء معهم، وقبول الهدية طالَما لا يحرمها ديننا، وكل ذلك ثابت بالأدلة في السنة الصحيحة، وأقوال وأفعال نبينا الرحمة المهداة، وليس بحرام، خصوصًا إن كانوا ذوي رحمٍ وصلة، ومن النصارى المسالمين لنا، ولكن ينبغي التفريق بين المحبة الدنيوية والمحبة الإيمانية، فهو الدليل على صلابة المسلم وصدق توحيده لله تعالى، ولو كانوا من أقرب الناس إليه.   وقد قال تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: 8، 9].   ونكتفي بما ذكرنا، فإن كان صوابًا فمن الله وتوفيقه، وإن كان خطأً، فمن نفسي والشيطان، والله سبحانه ورسوله بريئان من ذلك، والحمد لله رب العالمين.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣