أرشيف المقالات

تحريم الانتحار

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2تحريم الانتحار
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.   أما بعد: فإن الشريعة الإسلامية حريصة على حياة الإنسان، ولذلك شدَّدت العقوبة على الذي يقتل إنسانًا آخرَ دون وجه حقٍّ، وأيضًا حرَّمت الشريعة الإسلامية على المسلم أن يقتل نفسه، فأقول وبالله تعالى التوفيق: روى البخاري عن جندب بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزِع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده، فما رقَأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادَرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة؛ (البخاري، حديث: 3463).   معاني الكلمات: فجزِع: لم يصبر. حزَّ يده: قطَعها. فما رقَأ: لم ينقطع. بادَرني عبدي: استعجلني.   الشرح: قوله: (فجزع)؛ أي: خرج عن حيِّز الصبر.   قوله: (فما رقَأ الدم)؛ أي ما سكن الدم ولم ينقطع حتى مات؛ (مرقاة المفاتيح ـ شرح مشكاة المصابيح ـ علي الهروي ـ جـ 6صـ 2263).   قوله: (بادَرني عبدي بنفسه): هو كناية عن استعجال المذكور الموت.   قوله: (حرَّمت عليه الجنة): جارٍ مجرى التعليل للعقوبة؛ لأنه لَمَّا استعجل الموت بتعاطي سببِه من إنفاذ مقاتله، فجعل له فيه اختيارًا عصى الله به، فناسب أن يعاقبه، ودل ذلك على أنه حزَّها لإرادة الموت لا لقصد المداواة التي يغلب على الظن الانتفاع بها؛ (فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني ـ جـ 6 صـ 500).   ويتساءل البعض: هل قوله: (حرَّمت عليه الجنة) يقتضي تخليد المسلم الموحد في النار؟ والرد أن هذا الخلود ليس مستمرًّا وأبديًّا، ومما ذكره ابن حجر في شرحه للحديث: "المراد أن الجنة حُرِّمت عليه في وقت ما، فيَحرُم على مَن قتَل نفسَه من الموحدين أن يدخل الجنة ابتداءً مع السابقين الأولين"؛ (فتح الباري، لابن حجر العسقلاني، جـ 6 صـ 500).   فوائد الحديث: (1) تحريم قتل النفس سواء كانت نفس القاتل أم غيره، وقتل الغير يؤخذ تحريمه من هذا الحديث بطريق الأَولى. (2) وجوب الوقوف عند حقوق الله ورحمته بخلقه؛ حيث حرَّم عليهم قتل نفوسهم، وأن الأنفس ملكُ الله تعالى. (3) جواز التحديث عن الأمم الماضية. (4) فضيلة الصبر على البلاء وترك التضجر من الآلام؛ لئلا يُفضي إلى أشدِّ منها. (5) تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النفس؛ (فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني ـ جـ 6 ـ صـ 500).   أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا - أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]؛ كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم الكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

المرئيات-١