ظهر الانسحاب الغربي من أفغانستان أشبه ما يكون بلص دهم بيتًا، وخرج حذرًا من أن يراه أحد أو يعلم عما فعله داخل المنزل، ربما الفارق الوحيد بين سارق البيت ومن سعى إلى سرقة وطن بحجم أفغانتسان، هو أن الأول قد يكون عثر على شيء في داخل البيت فسرقه، لكن الغربي لم يجن بعد 13 عامًا من الغزو والاحتلال لأفغانستان سوى قتلاه وجرحاه وذل في الدنيا ، فقد هرب الغزاة ليلًا بعيدًا عن الكاميرات لأنهم باختصار ليس لديهم ما يقولونه بشأن الأهداف التي وضعوها سببًا وذريعة لاحتلالهم إن كان على مستوى القضاء على القاعدة، أو على حاضنتهم الممثلة بحركة طالبان، فلا يشك خبير عاقل أن الوضع اليوم هو أسوأ على الأميركيين والغربيين من عشية التدخل الغربي عام 2001.
تعرّضت أفغانستان خلال القرنين الماضيين إلى أربع احتلالات ثلاثة منها بريطانية، اثنان وقعا في القرن التاسع عشر كانت الحرب البريطانية ـ الأفغانية الأولى بين 1839-1842، أما الثانية فقد وقعت بين 1878-1880، والثالثة كانت في القرن العشرين لم تطل طويلًا إذ بدأت في السادس من آيار/ مايو 1919 وانتهت في التاسع من اغسطس / آب من العام عينه.
لم يتعلم البريطانيون شيئًا من كل هذه الحروب، تمامًا كما لم يتعلم غيرهم منها حين غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان في 27-12 1979 ليستمر حتى 15-2-1989، وبعد عقدين تقريبًا من الكارثة السوفياتية في أفغانستان يعود التحالف الغربي هذه المرة تتقدمه أميركا وبريطانيا لتجريب حظه في أفغانستان في اكتوبر/ تشرين أول 2001، لتثبت مجددًا أن لا أفغانستان تغيرت في صمودها وهزيمتها للغزاة ولا أميركا وبريطانيا تغيرت في الإصرار على الخطأ وتجرع الهزيمة، لم تنفع المكابرة الطويلة الأجل منهم على البقاء في أفغانستان حتى قرروا أخيرًا بعد 13 عامًا الانسحاب، في أطول عملية تدخل واحتلال غربية لأفغانستان على مدى تاريخها.
مع كل انسحاب غربي لأي بلد كان يظهر فراغ لا بد من ملئه تكرر ذلك أيام الانسحاب السوفياتي من أفغانستان فاحتدمت المنافسة الاقليمية بين باكستان وإيران والهند وآسيا الوسطى على أفغانستان، وهو ما يتكرر اليوم، لكن لم يأخذ شكله المحدد الذي يفرض على القوى الاقليمية تحديد مواقفها وفرزها، تمامًا كما حصل في العراق حين استغلت إيران وصول حلفائها من الأقليات إلى السلطة فعززت حضورها العسكري والأمني وفضلًا عنه عززت أدوات قوتها الناعمة على مستوى سيطرة حلفائها من الشيعة الأفغان على وسائل الإعلام، ونشر الحوزات والمدارس الشيعية في كابول وغيرها، يُضاف إليه أدوات السلطة الخشنة حين لجأت إلى دعم مليشيات مسلحة شيعية، وأغرتهم بشراء الأراضي حول المنشآت الحساسة" مطارات، ثكنات عسكرية، طرق رئيسية، أماكن حيوية".
أفغانستان ليست العراق أو سوريا ، والتاريخ ينبئنا أن مواجهات دموية وقعت بين الأفغان والفرس قديمًا وبالتالي فشكيمة الأفغان وتمرسهم بالقتال ودولتهم المفتقرة للبنى الأمنية الاستخباراتية الطائفية العميقة بخلاف سوريا والعراق وربما لبنان، نقاط قوة للثوار الأفغان وهي قضايا ليست سهلة على إيران التعامل معها وتعويضها، أضف إلى ذلك وجود دولة عسكرية طموحة لها علاقاتها ومصالحها الحيوية في أفغانستان مثل باكستان تدعم حركة طالبان بطريقة أو بأخرى وهو ما يجعل طريق المخطط الإيراني صعبًا وقاسيًا.
سعى الإيرانيون منذ فترة إلى إقامة علاقات مع حركة طالبان أفغانستان، لكن الأخيرة رفضت العرض، أولا للتباين العقدي والمذهبي بينهما، وثانيًا لأن طالبان تدرك حساسية أتباعها وحساسية بنيتها الفكرية والعلمائية والمشيخية من قضية التقارب مع إيران، يُزاد عليه خسارتها المحتملة لباكستان كحليف، فلا يمكن أن تكون مع إيران وأنت في باكستان، خصوصًا وأن المزاج البشتوني الذي يمثل الحاضنة الاجتماعية الأولى والأخيرة لحركة طالبان أفغانستان لا يهضم مثل هذا التقارب.
عليه فإن إيران ستواجه جبهة شرسة وخطيرة ومتعددة الأبعاد في أفغانستان وقد يفجر أمامها برميل بارود من الحقد السني إن كان على مستوى أفغانستان أو باكستان وكذلك البلوش المجاورين لها، ولذا لا يُستبعد أن تسعى إيران إلى تبريد جبهات مثل سوريا والعراق عبر هُدن محلية لتسكين ألمها، أو عبر مشروع محاربة ما يوصف بالإرهاب فيها لتتفرغ لللقمة الأفغانية الكبيرة على حلق طهران، وهو مشروع تشاطرها فيه بالتأكيد الدول الغربية المنسحبة من أفغانستان، والتي ترى فيها خير من يواصل مهمتها في أفغانستان بكبح حركة طالبان، تمامًا كما نجحت برأيهم في العراق ما بعد الانسحاب الغربي منه، وربما هذا أحد تفسيرات تأجيل المفاوضات النووية بين الطرفين.
حركة طالبان أفغانستان ليست حريصة على الصدام مع إيران، ولكنها بكل تأكيد ستصطدم يومًا ما فمصالح إيران تتناقض تمامًا مع أي نجاحات عسكرية طالبانية في أفغانستان، ووجود عدو طالباني أفغاني على الحدود الإيرانية يُحرك أشجانًا تاريخية لدى طهران بوجود الغزنويين الجدد على حدودها الأفغانية والسلاجقة الجدد على حدودها في تركيا والعراق ومن خلفهم الشام .
أحمد موفق زيدان
ظهر الانسحاب الغربي من أفغانستان أشبه ما يكون بلص دهم بيتًا، وخرج حذرًا من أن يراه أحد أو يعلم عما فعله داخل المنزل، ربما الفارق الوحيد بين سارق البيت ومن سعى إلى سرقة وطن بحجم أفغانتسان، هو أن الأول قد يكون عثر على شيء في داخل البيت فسرقه، لكن الغربي لم يجن بعد 13 عامًا من الغزو والاحتلال لأفغانستان سوى قتلاه وجرحاه وذل في الدنيا ، فقد هرب الغزاة ليلًا بعيدًا عن الكاميرات لأنهم باختصار ليس لديهم ما يقولونه بشأن الأهداف التي وضعوها سببًا وذريعة لاحتلالهم إن كان على مستوى القضاء على القاعدة، أو على حاضنتهم الممثلة بحركة طالبان، فلا يشك خبير عاقل أن الوضع اليوم هو أسوأ على الأميركيين والغربيين من عشية التدخل الغربي عام 2001. تعرّضت أفغانستان خلال القرنين الماضيين إلى أربع احتلالات ثلاثة منها بريطانية، اثنان وقعا في القرن التاسع عشر كانت الحرب البريطانية ـ الأفغانية الأولى بين 1839-1842، أما الثانية فقد وقعت بين 1878-1880، والثالثة كانت في القرن العشرين لم تطل طويلًا إذ بدأت في السادس من آيار/ مايو 1919 وانتهت في التاسع من اغسطس / آب من العام عينه. لم يتعلم البريطانيون شيئًا من كل هذه الحروب، تمامًا كما لم يتعلم غيرهم منها حين غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان في 27-12 1979 ليستمر حتى 15-2-1989، وبعد عقدين تقريبًا من الكارثة السوفياتية في أفغانستان يعود التحالف الغربي هذه المرة تتقدمه أميركا وبريطانيا لتجريب حظه في أفغانستان في اكتوبر/ تشرين أول 2001، لتثبت مجددًا أن لا أفغانستان تغيرت في صمودها وهزيمتها للغزاة ولا أميركا وبريطانيا تغيرت في الإصرار على الخطأ وتجرع الهزيمة، لم تنفع المكابرة الطويلة الأجل منهم على البقاء في أفغانستان حتى قرروا أخيرًا بعد 13 عامًا الانسحاب، في أطول عملية تدخل واحتلال غربية لأفغانستان على مدى تاريخها. مع كل انسحاب غربي لأي بلد كان يظهر فراغ لا بد من ملئه تكرر ذلك أيام الانسحاب السوفياتي من أفغانستان فاحتدمت المنافسة الاقليمية بين باكستان وإيران والهند وآسيا الوسطى على أفغانستان، وهو ما يتكرر اليوم، لكن لم يأخذ شكله المحدد الذي يفرض على القوى الاقليمية تحديد مواقفها وفرزها، تمامًا كما حصل في العراق حين استغلت إيران وصول حلفائها من الأقليات إلى السلطة فعززت حضورها العسكري والأمني وفضلًا عنه عززت أدوات قوتها الناعمة على مستوى سيطرة حلفائها من الشيعة الأفغان على وسائل الإعلام، ونشر الحوزات والمدارس الشيعية في كابول وغيرها، يُضاف إليه أدوات السلطة الخشنة حين لجأت إلى دعم مليشيات مسلحة شيعية، وأغرتهم بشراء الأراضي حول المنشآت الحساسة" مطارات، ثكنات عسكرية، طرق رئيسية، أماكن حيوية". أفغانستان ليست العراق أو سوريا ، والتاريخ ينبئنا أن مواجهات دموية وقعت بين الأفغان والفرس قديمًا وبالتالي فشكيمة الأفغان وتمرسهم بالقتال ودولتهم المفتقرة للبنى الأمنية الاستخباراتية الطائفية العميقة بخلاف سوريا والعراق وربما لبنان، نقاط قوة للثوار الأفغان وهي قضايا ليست سهلة على إيران التعامل معها وتعويضها، أضف إلى ذلك وجود دولة عسكرية طموحة لها علاقاتها ومصالحها الحيوية في أفغانستان مثل باكستان تدعم حركة طالبان بطريقة أو بأخرى وهو ما يجعل طريق المخطط الإيراني صعبًا وقاسيًا. سعى الإيرانيون منذ فترة إلى إقامة علاقات مع حركة طالبان أفغانستان، لكن الأخيرة رفضت العرض، أولا للتباين العقدي والمذهبي بينهما، وثانيًا لأن طالبان تدرك حساسية أتباعها وحساسية بنيتها الفكرية والعلمائية والمشيخية من قضية التقارب مع إيران، يُزاد عليه خسارتها المحتملة لباكستان كحليف، فلا يمكن أن تكون مع إيران وأنت في باكستان، خصوصًا وأن المزاج البشتوني الذي يمثل الحاضنة الاجتماعية الأولى والأخيرة لحركة طالبان أفغانستان لا يهضم مثل هذا التقارب. عليه فإن إيران ستواجه جبهة شرسة وخطيرة ومتعددة الأبعاد في أفغانستان وقد يفجر أمامها برميل بارود من الحقد السني إن كان على مستوى أفغانستان أو باكستان وكذلك البلوش المجاورين لها، ولذا لا يُستبعد أن تسعى إيران إلى تبريد جبهات مثل سوريا والعراق عبر هُدن محلية لتسكين ألمها، أو عبر مشروع محاربة ما يوصف بالإرهاب فيها لتتفرغ لللقمة الأفغانية الكبيرة على حلق طهران، وهو مشروع تشاطرها فيه بالتأكيد الدول الغربية المنسحبة من أفغانستان، والتي ترى فيها خير من يواصل مهمتها في أفغانستان بكبح حركة طالبان، تمامًا كما نجحت برأيهم في العراق ما بعد الانسحاب الغربي منه، وربما هذا أحد تفسيرات تأجيل المفاوضات النووية بين الطرفين. حركة طالبان أفغانستان ليست حريصة على الصدام مع إيران، ولكنها بكل تأكيد ستصطدم يومًا ما فمصالح إيران تتناقض تمامًا مع أي نجاحات عسكرية طالبانية في أفغانستان، ووجود عدو طالباني أفغاني على الحدود الإيرانية يُحرك أشجانًا تاريخية لدى طهران بوجود الغزنويين الجدد على حدودها الأفغانية والسلاجقة الجدد على حدودها في تركيا والعراق ومن خلفهم الشام . أحمد موفق زيدان