تفسير محاسن التأويل من التفاسير التي كتبت في العصر الحديث؛ فقد كتبه الشيخ القاسمي في عصر بَعُدَ فيه المسلمون عن كتاب ربهم، وتمسكوا بمبادئ وأفكار بعيدة كل البعد عن دينهم، فكان غرض القاسمي من وضع تفسيره العودة بالناس إلى المعين الصافي الذي انتهل منه الصحابة ، وسلف الأمة.
وضع الشيخ القاسمي مقدمة لتفسيره قصد منها أن تكون مفتاحًا لقارئ تفسيره، ودليلًا للسالك فيه، وقد ضمنها مسائل وقضايا اشتملت على علم جم، ومعرفة واسعة، فكانت من الأهمية بمكان، وقد قال عنها المؤلف نفسه: "وهي قواعد فائقة، وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه، ومسلكًا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه"، ومن القواعد التي قررها في هذه المقدمة قوله: "قاعدة في معرفة صحيح التفسير ، وأصح التفاسير عند الاختلاف". وقوله: "قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد"، وقد احتوت المقدمة فوق ذلك بعض آراء القاسمي التي تعد مفتاحًا ومؤشرًا لآرائه المبثوثة في ثنايا تفسيره. وختم مقدمته ببيان شرف التفسير.
منهج القاسمي في تفسيره: يمكن لقارئ تفسير القاسمي أن يحدد معالم منهجه في تفسيره وفق المنحى التالي: - ذكر المناسبات بين الآيات، ويعتمد في هذا المنحى على كتاب (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) للبقاعي. - الحديث عن بعض علوم القرآن الكريم ، كالمكي والمدني، وعد الآيات لكل سورة، وسبب تسميتها، وإن كان لها أسماء أخر، ويتحدث عن الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول.
- يتعرض للقراءات القرآنية الواردة في الآية، بيد أنه ليس له منهج واضح في هذا الصدد، فيذكر القراءة أحيانًا من غير أن يذكر إن كانت قراءة متواترة أو شاذة، ويذكر القراءة أحيانًا ويوجهها، ويمر عليها أحيانًا من غير توجيه. - يبين عند تفسيره للآية معاني المفردات، ويتعرض بإيجاز للقضايا النحوية ذات الصلة بالآية، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الكلمات، فيذكر وجوه الإعراب فيها.
- يتعرض عند تفسيره لبعض الآيات للنواحي البلاغية، كالسر في استعمال لفظ قرآني ما، أو السر في تقديم لفظ وتأخير آخر، ويرد على ما يوهم ظاهره التكرار، كما يذكر بعض اللطائف لبعض الآيات، والأسرار الخفية الكامنة ورائها، ويعتمد في هذا المنحى بشكل أساس على تفسير (الكشاف) للزمخشري، وتفسير (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) لأبي السعود.
- يُجري أحيانًا مقارنة بين بعض التعبيرات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد، كما كالمقارنة بين قوله تعالى: {...وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا...}[البقرة:35]، وقوله سبحانه: {...فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا...}[الأعراف:19].
- يذهب القاسمي إلى أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم يتمثل في جانب الفصاحة والبلاغة، وينضم إليه وجوه أخر: منها إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر، ومنها كونه لا يمله السمع مهما تكرر، ومنها جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم، ومنها إنباؤه عن الوقائع الماضية، وأحوال الأمم.
- يعتمد القاسمي في تفسيره منهج التفسير بالمأثور، فيفسر القرآن بالقرآن، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبما ورد من آثار الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين. - يُعنى بذكر بعض حوادث السيرة النبوية عند تفسيره لبعض الآيات.
- يتعرض لبعض الإشكالات التي ترد على ظاهر اللفظ والنظم القرآني، ويورد اعتراضات قد ترد على الآية، ويرد عليها معتمدًا في ذلك أسلوب الفنقلة (فإن قيل:...، قلت:...)، والاعتراضات التي يوردها قد تكون نقلًا، وقد تكون من عنده.
- ينبه على بعض الأمور الدقيقة، واللطيفة التي تشتمل عليها الآية، ويذكر ذلك تحت عنوان: (فائدة، أو فوائد، لطيفة، أو لطائف، تنبيه، أو تنبيهات). - يُلاحظ على القاسمي اهتمامه بالمسائل العلمية، وبالآيات ذات المضامين العلمية، بيد أنه لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات علمية، ويظهر اهتمامه في هذا المنحى من خلال نقله عن بعض علماء الفلك. لكنه قد يورد أقوالًا لبعض المتقدمين، لا تتفق وحقائق العلم ، ويوردها دون تعليق أو تعقيب.
- منهج القاسمي في المسائل العقدية منهج سلفي، فهو حريص على تقرير عقيدة السلف في الاعتقاد، والدعوة إليها من خلال تفسيره. ويظهر ذلك جليًا في موضوع آيات الصفات، يقول في هذا الصدد: "أعدل المذاهب مذهب السلف؛ فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه".
- يرد القاسمي على مخالفي مذهب السلف في الاعتقاد أو العمل، فيرد على المعتزلة، والشيعة، والقدرية، وأهل الكتاب، وأصحاب البدع ، وهو في رده على هذه الفرق المختلفة والمخالفة يعتمد النقل غالبًا عن المتقدمين، وخاصة ابن تيمية ، وقد يكون رده ابتداء منه.
- يستنبط من آيات الأحكام أحكامًا شرعية، متوسعًا أحيانًا، ومختصرًا أخرى، وهو يفعل هذا من غير تعرض لمذاهب الفقهاء الأربعة إلا في أحوال نادرة، وجلُّ اعتماده في هذا المنحى على ما يقرره ابن القيم ، وشيخه ابن تيمية رحمهما الله.
- يعتمد القاسمي في تفسيره على النقل من كتب كثيرة، وعلى النقل من التوراة والإنجيل، وهو في هذا المسلك يتعقب أحيانًا ما ينقله بالقبول أو عدمه، وأكثر المواضع التي ينقلها، ينقلها من غير تعقيب، ومع أنه ينقل من التوراة والإنجيل إلا أن له موقفًا جيدًا من القضايا التي خاض فيها بعض المفسرين، فيرد بعض الإسرائيليات التي ذكروها في تفاسيرهم، كما فعل في قصة الشجرة التي أكل منها آدم عليها السلام، حيث قال في هذا الصدد: "لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة؛ إذ لا حاجة إليه؛ لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودًا، لا يجب بيانه".
أسلوب القاسمي في تفسيره: نظرًا لاعتماد القاسمي على النقولات الكثيرة من كتب لمؤلفين اختلفت أساليبهم جزالة وسهولة؛ فهو ينقل عن الطبري، والرازي، والزمخشري، وأبي السعود، وابن تيمية، وغيرهم من العلماء الأثبات، ومن ثم نجد في (تفسيره) ما هو سهل الأسلوب ميسر الفهم، ونجد فيه أيضًا ما هو صعب الأسلوب عسير الفهم.
وعلى الجملة، يمكن القول: إن ما عبر به القاسمي بأسلوبه الخاص فهو سهل واضح قريب الفهم، ولو قارنا ما كتبه القاسمي بأسلوبه مع ما نقله عن المتقدمين، فستكون نسبة ما عبر عنه بأسلوبه قليلة.
ملاحظات على تفسير (محاسن التأويل): كما هو شأن كل عمل بشري لا يخلو من قصور ونقاط ضعف، وما كتبه القاسمي في تفسيره لا يخرج عن هذه القاعدة، فالقارئ لتفسيره يقف على الملاحظات التالية: 1- كثرة النقول عن العلماء الأثبات، ونقله لم يكن دعمًا لرأي يراه، بل جعل النقل هو صلب الكتاب، وهو في عمله هذا ينقل كثيرًا من العبارات التي لا علاقة لها بالتفسير البتة، ولو اقتصر في نقله على ما له علاقة بالآية موضع التفسير لكان عمله أقوم منهجًا، وأهدى سبيلًا.
2- لم يكن للقاسمي منهج واضح في أثناء ذكره للقراءات القرآنية؛ فهو لا يعرض لجميع القراءات الواردة في كلمات القرآن، بل يعرض لبعضها، ويغفل عن بعضها الآخر، ولا يلتزم ذكر المتواتر من القراءات، بل يذكر المتواتر والشاذ، وتارة ينسب القراءة لقرائها، وتارة لا ينسبها، بل يكتفي بالقول: "وقُرئ"، وهذا يوقع القارئ في لبس وتشويش، والقراءة الشاذة يذكر أحيانًا شذوذها، وأحيانًا أخرى لا يذكر ذلك، وقد ينقل عن بعض المفسرين ترجيحهم لبعض القراءات دون تعقيب، بل ينقل عن الزمخشري تضعيفه لقراءة متواترة دون أن يعقب على ذلك، كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ..}[محمد:22]، فقد نقل قول الزمخشري: "وقرئ {عَسَيْتُمْ} بكسر السين، وهي ضعيفة"، نقلها من غير تعقيب، وهي قراءة متواترة، ومما يؤخذ عليه في هذا الصدد أيضًا أنه لا يلتزم منهجًا محددًا في توجيهه للقراءات القرآنية، فهو غالبًا يوجه تلك القراءات، وأحيانًا يمر عليها مرور الكرام من غير توجيه.
3- يستطرد في ذكر موضوعات لا علاقة لها بتفسير الآيات، فمثلًا كثيرًا ما يورد أحاديث نبوية لا صلة لها بموضوع الآية موضع التفسير. 4- نقله عن التوراة والإنجيل من غير وضع ضوابط معينة، وشرائط محددة لهذا النقل. 5- يفسر بعض الآيات التي تحمل مضمونًا علميًا ببعض النظريات العلمية، التي لم تثبت صحتها بعد، وليس يخفى أن تفسير الآيات اعتمادًا على نظريات قابلة للخطأ والصواب، ليس بالنظر السديد؛ لأنه يؤدي إلى الشك في كلام الله إذا تبين خطأ النظرية التي فسرت بها الآية، ومن ثم فإن ما نقله القاسمي عن بعض علماء الفلك ينبغي التنبه إليه، والتنبيه عليه، وبيان عدم صحته، حتى لا يغتر به أحد.
6- توسع القاسمي في بعض الأحكام الشرعية التي كان ينبغي أن لا تذكر إلا بالإشارة إلى بطلانها، وتنبيه الناس عليها، فضلًا عن التوسع فيها، ومحاولة بيان أن لها وجهًا مقبولًا، وقد رفضها العلماء الأثبات، ولم تلق قبولًا عندهم، كحديثه عن الاختلاف في حكم الزواج بما زاد على الأربع.
على أن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية هذا التفسير في المكتبة الإسلامية، ولا تنفي في الوقت نفسه وجود كثير من الفوائد فيه؛ فإذا كان القاسمي رحمه الله قد جانبه الحق في تقريره لبعض القضايا، فقد وُفِّق في تقرير العديد من القضايا.
يبقى أن نشير إلى أن هذا التفسير صدرت طبعته الأولى سنة (1376هـ-1957م) في سبعة عشر مجلدًا، بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وصدرت منه طبعة أخيرة في تسعة مجلدات عن دار الكتب العلمية سنة (1418هـ)، بتحقيق الأستاذ محمد باسل عيون السود.
تفسير محاسن التأويل من التفاسير التي كتبت في العصر الحديث؛ فقد كتبه الشيخ القاسمي في عصر بَعُدَ فيه المسلمون عن كتاب ربهم، وتمسكوا بمبادئ وأفكار بعيدة كل البعد عن دينهم، فكان غرض القاسمي من وضع تفسيره العودة بالناس إلى المعين الصافي الذي انتهل منه الصحابة ، وسلف الأمة. وضع الشيخ القاسمي مقدمة لتفسيره قصد منها أن تكون مفتاحًا لقارئ تفسيره، ودليلًا للسالك فيه، وقد ضمنها مسائل وقضايا اشتملت على علم جم، ومعرفة واسعة، فكانت من الأهمية بمكان، وقد قال عنها المؤلف نفسه: "وهي قواعد فائقة، وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه، ومسلكًا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه"، ومن القواعد التي قررها في هذه المقدمة قوله: "قاعدة في معرفة صحيح التفسير ، وأصح التفاسير عند الاختلاف". وقوله: "قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد"، وقد احتوت المقدمة فوق ذلك بعض آراء القاسمي التي تعد مفتاحًا ومؤشرًا لآرائه المبثوثة في ثنايا تفسيره. وختم مقدمته ببيان شرف التفسير. منهج القاسمي في تفسيره: يمكن لقارئ تفسير القاسمي أن يحدد معالم منهجه في تفسيره وفق المنحى التالي: - ذكر المناسبات بين الآيات، ويعتمد في هذا المنحى على كتاب (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) للبقاعي. - الحديث عن بعض علوم القرآن الكريم ، كالمكي والمدني، وعد الآيات لكل سورة، وسبب تسميتها، وإن كان لها أسماء أخر، ويتحدث عن الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول. - يتعرض للقراءات القرآنية الواردة في الآية، بيد أنه ليس له منهج واضح في هذا الصدد، فيذكر القراءة أحيانًا من غير أن يذكر إن كانت قراءة متواترة أو شاذة، ويذكر القراءة أحيانًا ويوجهها، ويمر عليها أحيانًا من غير توجيه. - يبين عند تفسيره للآية معاني المفردات، ويتعرض بإيجاز للقضايا النحوية ذات الصلة بالآية، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الكلمات، فيذكر وجوه الإعراب فيها. - يتعرض عند تفسيره لبعض الآيات للنواحي البلاغية، كالسر في استعمال لفظ قرآني ما، أو السر في تقديم لفظ وتأخير آخر، ويرد على ما يوهم ظاهره التكرار، كما يذكر بعض اللطائف لبعض الآيات، والأسرار الخفية الكامنة ورائها، ويعتمد في هذا المنحى بشكل أساس على تفسير (الكشاف) للزمخشري، وتفسير (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) لأبي السعود. - يُجري أحيانًا مقارنة بين بعض التعبيرات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد، كما كالمقارنة بين قوله تعالى: { ...وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا... } [البقرة:35]، وقوله سبحانه: { ...فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا... } [الأعراف:19]. - يذهب القاسمي إلى أن وجه الإعجاز في القرآن الكريم يتمثل في جانب الفصاحة والبلاغة، وينضم إليه وجوه أخر: منها إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر، ومنها كونه لا يمله السمع مهما تكرر، ومنها جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم، ومنها إنباؤه عن الوقائع الماضية، وأحوال الأمم. - يعتمد القاسمي في تفسيره منهج التفسير بالمأثور، فيفسر القرآن بالقرآن، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبما ورد من آثار الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين. - يُعنى بذكر بعض حوادث السيرة النبوية عند تفسيره لبعض الآيات. - يتعرض لبعض الإشكالات التي ترد على ظاهر اللفظ والنظم القرآني، ويورد اعتراضات قد ترد على الآية، ويرد عليها معتمدًا في ذلك أسلوب الفنقلة (فإن قيل:...، قلت:...)، والاعتراضات التي يوردها قد تكون نقلًا، وقد تكون من عنده. - ينبه على بعض الأمور الدقيقة، واللطيفة التي تشتمل عليها الآية، ويذكر ذلك تحت عنوان: (فائدة، أو فوائد، لطيفة، أو لطائف، تنبيه، أو تنبيهات). - يُلاحظ على القاسمي اهتمامه بالمسائل العلمية، وبالآيات ذات المضامين العلمية، بيد أنه لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات علمية، ويظهر اهتمامه في هذا المنحى من خلال نقله عن بعض علماء الفلك. لكنه قد يورد أقوالًا لبعض المتقدمين، لا تتفق وحقائق العلم ، ويوردها دون تعليق أو تعقيب. - منهج القاسمي في المسائل العقدية منهج سلفي، فهو حريص على تقرير عقيدة السلف في الاعتقاد، والدعوة إليها من خلال تفسيره. ويظهر ذلك جليًا في موضوع آيات الصفات، يقول في هذا الصدد: "أعدل المذاهب مذهب السلف؛ فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه". - يرد القاسمي على مخالفي مذهب السلف في الاعتقاد أو العمل، فيرد على المعتزلة، والشيعة، والقدرية، وأهل الكتاب، وأصحاب البدع ، وهو في رده على هذه الفرق المختلفة والمخالفة يعتمد النقل غالبًا عن المتقدمين، وخاصة ابن تيمية ، وقد يكون رده ابتداء منه. - يستنبط من آيات الأحكام أحكامًا شرعية، متوسعًا أحيانًا، ومختصرًا أخرى، وهو يفعل هذا من غير تعرض لمذاهب الفقهاء الأربعة إلا في أحوال نادرة، وجلُّ اعتماده في هذا المنحى على ما يقرره ابن القيم ، وشيخه ابن تيمية رحمهما الله. - يعتمد القاسمي في تفسيره على النقل من كتب كثيرة، وعلى النقل من التوراة والإنجيل، وهو في هذا المسلك يتعقب أحيانًا ما ينقله بالقبول أو عدمه، وأكثر المواضع التي ينقلها، ينقلها من غير تعقيب، ومع أنه ينقل من التوراة والإنجيل إلا أن له موقفًا جيدًا من القضايا التي خاض فيها بعض المفسرين، فيرد بعض الإسرائيليات التي ذكروها في تفاسيرهم، كما فعل في قصة الشجرة التي أكل منها آدم عليها السلام، حيث قال في هذا الصدد: "لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة؛ إذ لا حاجة إليه؛ لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودًا، لا يجب بيانه". أسلوب القاسمي في تفسيره: نظرًا لاعتماد القاسمي على النقولات الكثيرة من كتب لمؤلفين اختلفت أساليبهم جزالة وسهولة؛ فهو ينقل عن الطبري، والرازي، والزمخشري، وأبي السعود، وابن تيمية، وغيرهم من العلماء الأثبات، ومن ثم نجد في (تفسيره) ما هو سهل الأسلوب ميسر الفهم، ونجد فيه أيضًا ما هو صعب الأسلوب عسير الفهم. وعلى الجملة، يمكن القول: إن ما عبر به القاسمي بأسلوبه الخاص فهو سهل واضح قريب الفهم، ولو قارنا ما كتبه القاسمي بأسلوبه مع ما نقله عن المتقدمين، فستكون نسبة ما عبر عنه بأسلوبه قليلة. ملاحظات على تفسير (محاسن التأويل): كما هو شأن كل عمل بشري لا يخلو من قصور ونقاط ضعف، وما كتبه القاسمي في تفسيره لا يخرج عن هذه القاعدة، فالقارئ لتفسيره يقف على الملاحظات التالية: 1- كثرة النقول عن العلماء الأثبات، ونقله لم يكن دعمًا لرأي يراه، بل جعل النقل هو صلب الكتاب، وهو في عمله هذا ينقل كثيرًا من العبارات التي لا علاقة لها بالتفسير البتة، ولو اقتصر في نقله على ما له علاقة بالآية موضع التفسير لكان عمله أقوم منهجًا، وأهدى سبيلًا. 2- لم يكن للقاسمي منهج واضح في أثناء ذكره للقراءات القرآنية؛ فهو لا يعرض لجميع القراءات الواردة في كلمات القرآن، بل يعرض لبعضها، ويغفل عن بعضها الآخر، ولا يلتزم ذكر المتواتر من القراءات، بل يذكر المتواتر والشاذ، وتارة ينسب القراءة لقرائها، وتارة لا ينسبها، بل يكتفي بالقول: "وقُرئ"، وهذا يوقع القارئ في لبس وتشويش، والقراءة الشاذة يذكر أحيانًا شذوذها، وأحيانًا أخرى لا يذكر ذلك، وقد ينقل عن بعض المفسرين ترجيحهم لبعض القراءات دون تعقيب، بل ينقل عن الزمخشري تضعيفه لقراءة متواترة دون أن يعقب على ذلك، كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.. } [محمد:22]، فقد نقل قول الزمخشري: "وقرئ { عَسَيْتُمْ } بكسر السين، وهي ضعيفة"، نقلها من غير تعقيب، وهي قراءة متواترة، ومما يؤخذ عليه في هذا الصدد أيضًا أنه لا يلتزم منهجًا محددًا في توجيهه للقراءات القرآنية، فهو غالبًا يوجه تلك القراءات، وأحيانًا يمر عليها مرور الكرام من غير توجيه. 3- يستطرد في ذكر موضوعات لا علاقة لها بتفسير الآيات، فمثلًا كثيرًا ما يورد أحاديث نبوية لا صلة لها بموضوع الآية موضع التفسير. 4- نقله عن التوراة والإنجيل من غير وضع ضوابط معينة، وشرائط محددة لهذا النقل. 5- يفسر بعض الآيات التي تحمل مضمونًا علميًا ببعض النظريات العلمية، التي لم تثبت صحتها بعد، وليس يخفى أن تفسير الآيات اعتمادًا على نظريات قابلة للخطأ والصواب، ليس بالنظر السديد؛ لأنه يؤدي إلى الشك في كلام الله إذا تبين خطأ النظرية التي فسرت بها الآية، ومن ثم فإن ما نقله القاسمي عن بعض علماء الفلك ينبغي التنبه إليه، والتنبيه عليه، وبيان عدم صحته، حتى لا يغتر به أحد. 6- توسع القاسمي في بعض الأحكام الشرعية التي كان ينبغي أن لا تذكر إلا بالإشارة إلى بطلانها، وتنبيه الناس عليها، فضلًا عن التوسع فيها، ومحاولة بيان أن لها وجهًا مقبولًا، وقد رفضها العلماء الأثبات، ولم تلق قبولًا عندهم، كحديثه عن الاختلاف في حكم الزواج بما زاد على الأربع. على أن هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية هذا التفسير في المكتبة الإسلامية، ولا تنفي في الوقت نفسه وجود كثير من الفوائد فيه؛ فإذا كان القاسمي رحمه الله قد جانبه الحق في تقريره لبعض القضايا، فقد وُفِّق في تقرير العديد من القضايا. يبقى أن نشير إلى أن هذا التفسير صدرت طبعته الأولى سنة (1376هـ-1957م) في سبعة عشر مجلدًا، بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وصدرت منه طبعة أخيرة في تسعة مجلدات عن دار الكتب العلمية سنة (1418هـ)، بتحقيق الأستاذ محمد باسل عيون السود.