أرشيف المقالات

خاتمة السنة الثانية للمنار

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
10الكاتب: محمد رشيد رضا __________ الهدايا والتقاريظ (ديوان حافظ) نوَّهنا بهذا الديوان من قبل ونشرنا مقدمته، وقد تم طبعه مشكولاً مفسرًا ما يحتاج منه إلى الشرح بقلم جامعه الشاعر الأديب محمد بك هلال، ورأينا في باب شكوى الزمان منه صورة مكتوب للناظم كان أرسله من السودان إلى فضيلة مفتي الديار المصرية يدل على رسوخ عرقه وطول باعه في الأدب، وكان يومئذ بين المدافع والقواضب، ومقارعة الجيوش والكتائب، لا بين الدفاتر والمكاتب، فرأينا أن ننشره لما فيه من الإبداع والدلالة على أن الناظم شاعر في منظومه ومنثوره وفقًا لمذهبه في المقدمة، قال جامع الديوان: (وكتب من السودان الكتاب الآتي إلى واحد العلماء في مصر، وإمام فلاسفة هذا العصر، نادرة الفلك ومعجزة الزمان الأستاذ الأكبر فضيلة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وقد أثبتناه هنا وإن لم يكن ثم محل للنثر (كذا) لاشتماله على كثير من القريض نضن بضياعه: كتابي إلى سيدي وأنا من وعده بين الجنة والسلسبيل، ومن تيهي به فوق النثرة والإكليل، وقد تعجلت السرور، وتسلفت الحبور، وقطعت ما بيني وبين النوائب: وبشرت أهلي بالذي قد سمعته ...
فما محنتي إلا ليالٍ قلائل وقلت لهم للشيخ فينا مشيئة ...
فليس لنا من دهرنا ما ننازل وجمعت فيه بين ثقة الزبيدي بالصمصامة [1] والحارث بالنعامة [2] فلم أقل ما قال الهزلي [3] لصاحبه حين نسي وعده، وحجب رفده: يا دار عاتكة التي أتغزل بل أناديه نداء الأخيذة في عمورية، شجاع الدولة العباسية، وأمد صوتي بذكر إحسانه، مد المؤذن صوته في أذانه، وأعتمد عليه في البعد والقرب، اعتماد الملاح على نجمه القطب. وقال أصيحابي وقد هالني النوى ...
وهالهم أمري متى أنت قافل فقلت إذا شاء الإمام فأوبتي ...
قريب وربعي بالسعادة آهل وها أنا ذا متماسك حتى تنحسر هذه الغمرة، وينطوي أجل تلك الفترة، وينظر إليَّ سيدي نظرة ترفعني من ذات الصدع، إلى ذات الرجع [4] ، وتردني إلى وكري الذي فيه درجت ردّ الشمس قطرة المزن إلى أصلها [5] ، ورد الوفي الأمانات إلى أهلها: فإن شاء فالقرب الذي قد رجوته ...
وإن شاء فالعز الذي أنا آمل وإلا فإني قاف رؤبة لم أزل ...
بقيد النوى حتى تغول الغوائل [6] فلقد حللت السودان حلول الكليم في التابوت، والمغاضب في جوف الحوت، بين الضيق والشدة، والوحشة والوحدة، لا بل حلول الوزير في تنور العذاب [7] ، والكافر في موقف يوم الحساب، بين نارين: نار القيظ ونار الغيظ. فناديت باسم الشيخ والقيظ جمره ...
يذيب دماغ الضب والعقل ذاهل فصرت كأني بين روض ومنهل ...
تدب الصبا فيه وتشدو البلابل واليوم أكتب إليه وقد قعدت همة النجمين [8] ، وقصرت يد الجديدين، عن إزالة ما في نفس ذلك الجبار العنيد، فلقد نما ضب ضِغنه عليّ، وبدرت بوادر السوء منه إليّ، فأصبحت كما سر العدو وساء الحميم، وآلامي كأنها جلود أهل الجحيم، كلما نضج منها أديم تجدد أديم، وأمسيت ملك آمالي إلى الزوال، أسرع من الشهاب في السماء ودولة صبري إلى الاضمحلال، أحث من حباب الماء [9] ، فنظرت في وجوه تلك العباد، وإني لفارس العين والفؤاد، فلم تقف فراستي على غير بابك. وإني أهديك سلامًا لو امتزج بالسحاب، واختلط منه باللعاب، لأصبحت تتهادى بقطره الأكاسرة، وأمست تدَّخر منه الرهبان في الأديرة، ولأغنى ذات الحجاب، عن الغالية والملاب [10] . ولا بدع إذا جاد السيد بالرد [11] فقد يُرى وجه المليك في المرآة، وخيال القمر في الأضاة [12] ، وإن حال حائل دون أمنية هذا السائل، فهو لا يذم يومك، ولا ييأس من غدك، فأنت خير ما تكون حين لا تظن نفس بنفس خيرًا والسلام)
اهـ. هذا وليس الديوان على أسلوب واحد؛ فإن فيه ما جاء على طريقة المعري فيلسوف الشعراء كبعض الحكم والرثاء والشكوى، وفيه ما يحاكي أسلوب أبي نواس كبعض الخمريات، ومن هذا الشعر ما لا يود مثلنا من رجال الدين نشره، وإن كان لا يكاد يخلو كتاب من كتب الأدب ودواوين الشعر العربية عن مثله كالقصيدة التي نظمها عن لسان الشيخ الصوفي في معشوقه شكيب، وثمن الديوان عشرة قروش أميرية، فليبادر إليه مريده؛ فإنه لا يلبث أن ينفد. *** (لغة الجرائد) كتب العالم اللغوي المشهور الشيخ إبراهيم اليازجي في مجلة الضياء مقالات في انتقاد لغة الجرائد، بيَّن فيها ما شاع استعماله بين كتَّابها، بل أكثر كتَّاب العصر من الأغلاط في مفردات اللغة وتراكيبها، وقد عُني الأديب الفاضل مصطفى أفندي توفيق بجمع هذه المقالات وطبعها، وقد زاد على ما كُتب في الضياء كثيرًا من الكلمات والجمل المنتقدة، وجعل ثمن المجموعة ثلاثة غروش أميرية، وهو ثمن قليل لكتاب نجزم بعظيم فائدته، وإن لم تتيسر لنا مطالعته لما لنا من الثقة بمؤلفه. __________ (1) الزبيدي: هو عمرو بن معد يكرب الشجاع الشهير في الجاهلية والإسلام، والصمصامة: سيفه المشهور. (2) الحارث: هو الحارث بن عباد من شيوخ العرب، والنعامة: فرسه، وكان مشهورًا. (3) الهزلي: هو نديم الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي، وكان لا يكلمه إلا جوابًا هيبة وإجلالاً، واتفق أن وعده بوعد وتثاقل في الوفاء؛ حتى خرج إلى الحج وكان الهزلي في حاشيته فمرا يومًا بدار عاتكة بنت عوف في مكة، فقال الهزلي للمنصور: يا أمير المؤمنين هذه دار عاتكة التي يقول فيها الشاعر: (يا دار عاتكة التي أتغزل) فعجب المنصور كيف بدأه الهزلي بالكلام، وعلم أن في ذلك نكتة فلما عادا إلى بغداد قرأ القصيدة حتى انتهى إلى قوله: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ...
مذق اللسان يقول ما لا يفعل ففطن لإشارته الخفية، وذكر وعده فقام بوفائه لساعته. (4) يريد ترفعني من الأرض إلى السماء أخذًا من قوله تعالى: [وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ] (الطارق: 11-12) والرجع: المطر سمي به لأن الله تعالى يرجعه وقتًا فوقتًا، أو لأنه يرجع إليها بالتبخر بعد أن ينزل منها، قال البيضاوي وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب، والصدع: الشق، تنشق الأرض بالنبات وبالعيون تتفجر منها. (5) يشير بهذه الجملة إلى التعليل الثاني السابق لتسمية المطر بالرجع. (6) رؤبة: هو الراجز العربي الشهير، وكان أكثر أراجيزه على روي القاف الساكنة، فضرب بها المثل في السكون قال المعري: ما لي غدوت كقاف رؤبة قيدت ...
في الدهر لم يقدر له إجراؤها. (7) الوزير: هو محمد بن الزيات وزير مروان الحمار آخر بني أمية، اتخذ الوزير تنور العذاب لتعذيب من يؤمر بإعدامه، فكان هو أول من عُذِّب فيه بأمر مروان وقصته مشهورة. (8) النجمان: هما المشترى والزهرة كانوا يعتقدون أن لهما تأثيرًا في التأليف بين القلوب، ذكره شارح الديوان. (9) فسر الشارح (أحث) بأسرع، والمعروف في معاجم اللغة أن حثه على الشيء بمعنى حضه عليه ولا يصح هنا. (10) الغالية: أخلاط من الطيب، والملاب - بالفتح - العطر السائل، فارسي الأصل. (11) يريد رد الجواب وإطلاقه بهذا المعنى من عرف المصريين. (12) الأضاة - بالفتح - غدير الماء، وضُبط في الأصل بالضم، وجعل على الألف عالمة المد، وهو غلط بالطبع ولم يفسره الشارح.

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢