أرشيف المقالات

أميل القرن التاسع عشر

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
10الكاتب: محمد رشيد رضا __________ مقتطفات من الجرائد (مثال للفرق بين أمة تحيا وأخرى تموت) كتبنا منذ أيام بضعة سطور في محليات المؤيد اشتملت على مثال يوضح الفرق بين حالتي التعلم عند مسلمي ومسيحيي مصر، قياسًا على إحصاء مدارس وتلامذة الفريقين في مدينة أسيوط أكبر مدن الصعيد. والآن نريد أن نقدم مثالاً من هذا القبيل أكبر من ذلك، يوضح الفرق بين حالة الأمة المصرية بحذافيرها، وحالة أمة أخرى في ولاية ممتازة بين ولايات الدولة العلية، قد منحت منذ عشرين سنة الاستقلال الإداري الذي منحته مصر منذ ستين سنة وأكثر، ليرى القراء كيف تحيا أمة بإزاء أمة تموت. ونعني بتلك الولاية الشبيهة بولاية مصر في الامتيازات وإن كانت أحدث منها عهدًا في الاستقلال الإداري: ولاية بلغاريا التي تجدُّ السير في طريق الحضارة والترقي بواسطة تحصيل العلوم، وهي الواسطة الوحيدة التي بها حياة الأمم وسعادتها. ففي صوفيا (عاصمة بلغاريا) كلية جامعة مؤلفة من ثلاث مدارس عليا، إحداهن تاريخية فلسفية، والثانية طبيعية رياضية، والثالثة حقوقية. وفي الولاية 150 مدرسة للتعليم الثانوي (التجهيزى) منها 85 للطلاب الذكور و44 للبنات و14 للفريقين معًا، وست مدارس للمعلمين وواحدة حربية. وأما المدارس الابتدائية في الولاية فعددها 4481 مدرسة، تنقسم كما يأتي: 3079 مدرسة بلغارية أرثوذوكسية، و19 بلغارية كاثوليكية، و 8 بلغارية بروتستانية، و 25 بلغارية إسلامية، و1243 تركية، و16 تاتارية، و29 يونانية، و13 أرمنية، و27 إسرائيلية، و4 كاثوليكية، و3 فرنساوية، و2 رومانية، وواحدة ألمانية، وواحدة روسية. وتدفع الحكومة ثلثي نفقات 3079 مدرسة من هذه المدارس وهي المدارس البلغارية الأرثوذوكسية. أما الثلث الباقي من نفقات تلك المدارس الوطنية الملية فتقوم به مجالس البلديات في الولاية، وأما بقية المدارس التي للمسلمين وغيرهم من المذاهب الأخرى وعددها 1402 مدرسة، فعلى نفقة أصحابها ومؤسسيها. وميزانية المعارف العمومية في الحكومة البلغارية مقدرة بمبلغ 9188560 فرنكاً (عبارة عن 367542 جنيهًا إنكليزيًّا) . وبما أن عدد سكان هذه الإمارة حسب إحصاء سنة 1893 يبلغ 3309816 نسمة، فيكون مثل هذه الأمة عنوان أمة تسير في طريق الحياة الحقيقية بعد أن عرفت كيف تحيا وتسعد. وإذا ذكرنا تلقاء ما تقدم أن الأمة المصرية يبلغ عددها عشرة ملايين إلا ربعًا، أي نحو ثلاثة أمثال عدد بلغاريا إلا قليلاً، وأن كل ما فيها من المدارس التجهيزية اثنتان ونصف بدل 150، وأن كل ما تنفق الحكومة عليها نحو 115 ألف جنيه بما في ذلك ما تتناوله نظارة المعارف من ديوان الأوقاف وغلة أرض موقوفة، وأن أكثر هذه الميزانية ضائع على ثمن أدوات وكتب غير نافعة تستورد من أوروبا، ومرتبات باهظة لأساتذة أكثرهم يجهل ما هو منوط بتعليمه، وأن عدد المدارس صائر - فضلاً عن ذلك - من الكثرة إلى القلة - بينَّا كيف يكون تقهقر الأمم ومصيرها في خمود حركتها إلى الموت والفناء. ...
...
...
...
...
...
...
...
...
...
...
(المؤيد) ... *** (محاولة قتل الملوك منذ خمسين عامًا) في شهر يونيو عام 1848 حاول شقي قتل البرنس دي بروس في لندن، وذلك قبل أن يتولى عرش الإمبراطورية الألمانية. وفي سنة 1849 حاول هاملتون قتل الملكة فيكتوريا، وفي شهر مايو عام 1850 ضرب رجل اسمه روبرت بهات الملكة فيكتوريا بعصاه وهي خارجة من قصر الدوق دي كمبردج. وفى 22 مايو عام 1851 حاول فوضوى قتل فردريك غليوم في واتذر. وفي 2 فبراير عام 1852 طعن رجل اسمه مارتين مارتينوس الملكة إيزابل وهي تصلي في كاتدرائية مدريد. وفي عام 1852 حاول ضابط إنكليزى قتل الملكة فيكتوريا، وفي تلك السنة دبرت مكيدة لقتل الإمبراطور نابليون الثالث وهو ذاهب إلى مرسيليا. وفي 13 فبراير عام 1853 طعن خياط نمساوي اسمه لابريت الإمبراطور فرنسوا جوزيف بمُدية وهو سائر في فيينا. وفي تلك السنة حاول طلياني قتل الملك فيكتور عمانوئيل والد الملك أمبرتو، وحاول فوضوي قتل الإمبراطور نابليون الثالث تجاه الأوبرا. وفي 27 مارس عام 1853 حاول رجل قتل الملك شارل الثالث في بارم. وفي شهر أبريل عام 1855 أطلق ثوروي مسدسه على نابليون الثالث وهو خارج للنزهة في شان اليزه. وفي 8 سبتمبر عام 1856 حاول فوضوي قتل نابليون في بللامار. وفي 28 مايو عام 1856 قبض البوليس على رجل يتحفز لطعن الملكة إيزابل. وفي 8 ديسمبر عام 1857 طعن جندي الملك فردينند ملك نابل بحربة بندقيته. وفي 4 يونيو عام 1858 حاول أورشيني قتل نابليون. وفي شهر يوليو عام 1861 أطلق أحد طلبة العلم في باد عيارين ناريين على ملك بروسيا غليوم ولم يصبه. وفي عام 1862 أطلق طالب عيارًا ناريًّا على ملك اليونان فأخطأه. وفي 24 ديسمبر عام 1863 حاول رجل قتل نابليون الثالث. وفي 6 أبريل عام 1866 حاول رجل اسمه كارا كوزوف قتل القيصر إسكندر في بطرسبرج، وفي شهر يونيو من السنة ذاتها أطلق برزووسكي عيارًا ناريًّا على القيصر في باريز فأخطأه. وفي سنة 1868 قُتل البرنس ميشال ولي عهد الصرب. وفي سنة 1869 حاول شقي قتل الخديوي. وفي سنة 1869 حاول شقي قتل نابليون وهو خارج للنزهة في غابة بولونيا. وعام 1869 حاول فوضوي قتل الملكة فيكتوريا. وفي عام 1871 كيد الشر للملك أميديه صاحب أسبانيا. وفي 11 مايو عام 1888 أراد المسمى هوديل قتل الإمبراطور غليوم الأول، وفي 2 يونيو من السنة ذاتها أطلق بيلنغ عيارين ناريين على الإمبراطور غليوم فأصابه. وفي 25 أكتوبر عام 1878 أطلق مونكازي على ملك أسبانيا مسدسه. وفي 17 نوفمبر عام 1878 استل باسانتلي مُدْيته وأغار على الملك همبرتو ليطعنه. وفي 14 أبريل عام 1889 هجم سولوييف على إسكندر الثالث ليقتله، وفي اليوم ذاته أغار شاب على البرنس ميلان (الملك ميلان) ليقتله. وفي ديسمبر عام 1889 تآمر النهلستيون على نسف قطار القيصر. وفي 30 ديسمبر عام 1879 حاول فرنسيسكو أوتيرو قتل ملك أسبانيا والملكة قرينته. وفي 17 فبراير عام 1880 أُلهب الديناميت في قصر القيصر في بطرسبرج وفي 13 مارس من عام 1880 طُعن القيصر إسكندر الثاني فتوفي على إثر جراحه. وفي 2 يوليو عام 1881 أطلق رجل اسمه غيتو عيارين ناريين على الجنرال غارفيليد رئيس جمهورية الولايات المتحدة، فأصابه وتوفي الجنرال من جراحه. وفي شهر مارس عام 1882 أطلق رودريك عياراً ناريًّا على الملكة فيكتوريا فلم يصبها. وفي 24 يونيو عام 1894 قتل كازيريو المسيو سادي كارنو رئيس جمهورية فرنسا في ليون. وفي أبريل عام 1897 هوجم الملك همبرتو. وفي 8 أغسطس عام 1897 قتل المسيو كانوفاس. وفي 10 سبتمبر الجاري عام 1898 قتلت إمبراطورة النمسا في جنفا، فتكون هذه الإمبراطورة هي الملكة الوحيدة التي فتكت بها يد الفوضوية؛ لأنها لم تكن تصدق بأن شقيًّا كقاتلها ينظر إليها بسوء، وهي أم كل فقير وأخت كل فاعل وعامل. ...
...
...
...
...
...
...
...
...
...
(الأخبار) *** (حرية الأديان في الدولة العلية) جاء في جريدة محمدان الهندية ما ترجمته: حصلت مشاحنة في سالونيك بأراضي الدولة العلية بين جماعة من اليهود الأسبانيين وبين جماعة من البرغال، فأتى الأتراك في الحال إلى محل الواقعة وانتصروا لليهود، حيث كان الحق في جانبهم، وهذه المشاغبة كانت ناشئة من أحقاد سيئة بين الفريقين من زمن مديد.
وقد نُشرت هذه الحادثة على إثر ذلك في أعمدة جريدة (جويش كرونكل) وليس من الضروري أن نأتي على نصها، لكنه يهمنا أن نقتطف منها ما له علاقة بالدولة العلية من حيث الأديان وهو: (لا يوجد بلد واحد في أوروبا على وجه الإجمال يتمتع فيه اليهود بنعمة الحرية الدينية التامة كما يتمتعون بها في أرض الدولة العلية، ولا يمكن أن يجدوا من الارتياح وحسن المعاشرة كما يجدون في ظل الحكومة العثمانية، فحكومة السلطان - والحق يقال - ساهرة على راحتهم، ولديهم الأدلة القاطعة على ذلك، خصوصاً أيام الحرب العثمانية اليونانية الأخيرة) اهـ.
نقلاً عن (جويش كرونكل) الرائد الإسرائيلي الصادر في 10 يونيو سنة 1898. *** (إنكلترا وفرنسا في السودان) أرسل سعادة السردار بعد فتح أم درمان والاستيلاء على الخرطوم سرية بحرية مؤلفة من المدفعيات النيلية التي لديه، وأمَّر عليها هنتر باشا وسيرها في النيل الأزرق لاحتلال القضارف وقتال أحمد الفضيل. وسار السردار نفسه بسرية مؤلفة من فرقة (أورطة) سودانية ومائة جندي إنكليزي، والمدفعية التي خصصها لذلك لأجل الاستيلاء على فشوده وإخراج مرشان الفرنسوي وسريته منها. أما السرية الأولى فقد استولت على القضارف، وهي بلاد خصبة بالقرب من بلاد الحبشة، وكان أشيع أن الأحباش احتلوها مدعين أنها لهم، ولذلك كان السردار أصدر أمره لبرسونز باشا محافظ سواكن بأن يرسل حامية كسلا لمساعدة السرية والقضارف في جنوبي كسلا، وقد حصل بين المصريين والدراويش معركة قتل فيها من الأولين أحد عشر جنديًّا وجرح اثنان وثمانون، وقتل من الآخرين خمسمائة درويش. وأما السردار وسريته فقد وصلوا إلى فشودة، وطلب من مرشان الفرنسوي أن يأتي القطر المصري - قيل: أو أم درمان - فأجابه بأنه احتل فشوده باسم الحكومة الفرنساوية فلا يغادرها إلا بأمر منها.
فأنشأ السردار في الحال موقعًا عسكريًّا في جانب فشودة، ورفع عليه الرايتين الإنكليزية والمصرية ورجع أدراجه، وظهر للناس أن إرجاف الجرائد الإنكليزية وزعمها بأن السردار يخرج مرشان من فشوده طوعاً أو كرهاً من تغريرها وإيهامها المعهود مثله من الإنكليز، ثم إنهم يفعلون ذلك مع المستضعفين. تخفق الآن في جو فشودة ثلاث رايات: راية شرعية وهي المصرية العثمانية وأخريان طامعتان وهما: الفرنساوية والإنكليزية، واجتماعهما هو الذي فتح باب المسألة السودانية، بل والمصرية، كما صرحت بمقتضي ذلك الجرائد الفرنساوية من قبل، فإن تم الفلج لبريطانيا وألقيت إليها مقاليد مصر والسودان وأقرت على السيادة على وادي النيل كله، تتحقق أماني سسل رود، وتعلو إنكلترا على أوروبا كلها علوًّا كبيرًا، يصح أن يقال فيه: لبريطانيا العظمى الحياة السعيدة والعز والرفعة ولأوروبا الصغرى الغباوة والبلادة، ولفرنسا الحقيرة الجهل والحمق والطيش والتعصب الأعمى، ولتركيا المظلومة السقوط من عداد الدول، بل ما هو أعظم، والعياذ بالله تعالى. __________

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢