أرشيف المقالات

في بلاد الأحرار

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للكاتب التركي الأستاذ أغا أغلو أحمد بقلم الأستاذ أحمد مصطفى الخطيب عندما استتب الأمر في تركية، وشرع في تنفيذ إصلاحاته العظيمة، ألف البروفيسور الكاتب التركي المعروف أغا أغلو أحمد، وأحد زملاء أتاتورك في الجهاد ضد الاستبداد كتابه الموسوم (في بلاد الأحرار) ليكون نهجا واضحا للذين الإصلاح عملا، والحرية خلقا، ومكافحة الطغيان طبيعة.
.
وقد كتبه بأسلوبه البليغ الساحر في شكل قصة شائقة خالية من الغموض والتعقيد، يستطيع أن يفهمها بكل سهولة ويسر، المتعلم مهما كانت ثقافته، ويستنير ويتعظ بها قادة الحكم ومحترفو السياسة مهما كانت نزواتهم وشهواتهم. وقد خطر لي أن أنقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية وأن أنشره في شكل مقالات متسلسلة أولا، ثم في هيئة كتاب مستقل ثانيا. وإني أعتقد أن الفرصة قد سنحت لإخراج هذا الكتاب القيم على أي صورة.

فثمة طاغ جبار يطرد من أرض الكنانة إلى غير عوده.
.
وقائد بار شجاع يتولى قيادة الأمة المصرية إلى حيث الشرف والعزة والكرامة والعدل.

وشعب أبي متحرر أنقذ نفسه بنفسه من عهد فاجر جائر، يريد سلوك خير الطرق وأفضلها للوصول إلى أهدافه ومثله العليا.
.
أفلا يجب أن يكون لكتاب (في بلاد الأحرار) مكان على صفحات الرسالة الزاهرة لينير الطريق، ويرشد الضال، ويوقظ الهمم، ويضع الأسس ويصف الداء ثم الدواء. أ.
م.
الخطيب كنت أسيراً فشئت أن أكون حرا كنت أسيراً، فشئت أن أكون حرا، وحطمت سلاسلي، وثقبت جدار الحصن.
.
فنفذت إلى الأرض الفضاء.
وهناك تنفست الصعداء. امتد أمامي براح شاسع.
.
ولم أكن عارفا إلى أين أتجه؟ ولا ماذا أعمل؟ خطوت بضع خطوات وأنا متردد محجم.
.
فوجدتني على مفرق طريقين.
.
فقرأت هذه الكتابة القائمة على رأس عمود هنا: الطريق المؤدي إلى اليسار طريق الحرية الطريق المؤدي إلى اليمين طريق العبودية التزمت جانب اليسار، وسرت على قدمي حتى الصباح.
.
وعند انبثاق الفجر وجدت نفسي أمام قلعة.
.
وهناك قرأت لوحا كتبت عليه بأحرف ذهبية هذه العبارة: (بلاد الأحرار) قلت: هذه ضالتي التي نشدتها ثم هممت بالدخول.
.
قطع الحراس السبيل.

وسألوني: - من أنت؟.
.
ومن أين قدمت؟.
.
وإلى أين تقصد؟ فقلت: - كنت أسيراً.
.
فحطمت سلاسلي وحضرت ههنا.
.
أريد أن أكون حرا.
. رمقني الحراس بنظرات الفحص والتأمل.
.
كانت آثار السلاسل في عنقي، ومعالم القيود في يدي ظاهرة جلية. - أجل!.
.
يلوح لنا أنك قد حطمت قيود الأسر.
.
ولكن يا ترى.
.
هل اقتلعت قيودك الباطنية أيضا، وقذفت بها؟ قلت: - لم أفهم ماذا عنيتم! - إذن أجب عن هذه الأسئلة: 1 - هل أنت مسيطر على نفسك؟ 2 - أتحب الصدق؟ 3 - أتستطيع تحمل الحقيقة؟ 4 - هل أنت ذو كبرياء؟ اتضح لي أنهم يمتحنونني قبل إفراجهم عن الطريق لدخولي فأحبت عن كل هذه الأسئلة (نعم) انحنى الحراس أمامي احتراما لي، وفتحوا لي باب القلعة ثم رافقني أحدهم إلى الداخل. كانت المدينة قد استيقظت، والحوانيت والأسواق قد نشطت وكان الجميع دائبين في أعمالهم. إنها أول مرة في حياتي، كنت أرى فيها مدينة جميلة عليها سيما العمران كهذه.
.
فالسعادة والهناء تقرأهما في وجوه الأهليين أينما حللت، وحيثما ذهبت.
وكان الذين يلقونها في الطرق يبتسمون في وجوهنا ويهشون لنا ويرتاحون. وأخيرا انتهى بنا المطاف عندما وقفنا أمام باب دار كبيرة طرق الحارس الباب، فجاء شيخ طاعن في السن. قال الحارس مشيراً إلي - وطني جديد! حياني الشيخ باحترام ودعاني إلى الدخول ثم قادني إلى غرفة فسيحة وقال: هذا الموضع لكم بكل ما فيه وقبل أن أفيق من الذهول الذي انتابني؛ أضاف الشيخ إلى كلامه قائلا: سيحضر أستاذنا بعد قليل لمقابلتكم.
خذوا قسطكم من الراحة الآن. وإذ غادر الشيخ الغرفة جاءني رجل تبدو عليه إمارات الفتوة وأحضر لي طعاما وشاربا وبعد لأي حضر الأساتذة أيضا.
.
وذهبوا إلى غرفة أخرى؛ وهناك سألوني من أنا؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا قدمت هذا المكان.
فأجبتهم هكذا: (.
.
أرومتي أصيلة.
.
بلادي نجيبة، ودمي طاهر نقي.
.
كان موطني قديماً هضاب آسية الوسطى العالية.
.
ثم ثار الدم في عروق أجدادي وهاج.
.
فتغلغلوا في الشرق والغرب، والشمال والجنوب.، واجتاحوا الممالك، وشادوا الدول، وأنشئوا الحضارات.
. كان زعماؤنا قبلا يعيشون عيشة ساذجة، يشاركون الشعب في سرائه وضرائه؛ يحترمون العهود والمواثيق، يطيعون الحق ومجالس الشورى.
.
وكانت قادة الحكم، ورؤساء القبائل وملوك البلاد لا يخشون شيئا في سبيل الذود كرامة الحق، وقولة الصدق، والتنكيل بالطغاة، ومنع الاستبداد.
. وطوال استمرار الحال على هذا المنوال كانت بلادي قوية، ومهيبة، مرفوعة الكلمة بين الممالك.
.
إلى أن جاء يوم فسدت فيه دماؤنا، وشرعنا نقلد البلاد المستعبدة في تقاليدها ومواطن ذلها.
.
فتلاشت مجالس الشورى، واختل النظام، وانتصر الاستبداد، وصار شعبي السيد الآمر عبداً رقيقاً.
ومنذ ذلك الحين انطفأت نارنا الواهجه، واضمحل صيتنا الذائع، وتلاشى صوتنا المدوي.
. حتى يوم أراد فيه خاقاننا السافل أن يبيعنا للأغراب.
.
وعندئذ بلغ السيل الزبى، وطفحت الكأس خرج من صفوفنا شخص ذو شعور ذهبي، وسحنة رجليه ونظرة هي نظرة الأسد بعينها.
. فإذا هو الذائد عن حمى بلاده، والضنين بوطنه، ورسول ربه الكريم.
. قال أقوالا بعثت بالحمى الدافقة إلى القلوب الجامدة، وبالحياة إلى العروق الميتة، عمل أعمالا دهش منها القاصي والداني.
.
طرد الأغراب من المواطن وأسقط الخاقان من عرشه.
.
وهو الب منهمك في لم شعث أمته حول راية الحرية الخافقة.
. إنني كنت حينذاك من أسرى الخاقان في سجنه.
.
وبينما أنا أتقلب على أشواك اليأس والقنوط، إذا بصوت رجل آخر يطرق سمعي.
. دبت في الحياة فجأة، فحطمت سلاسلي، وأحدثت فجوة في الجدار، وجئت إلى هذه الديار في طريقي إلى الحرية التي أنشدها. أصغى إلي الأساتذة باعتناء واهتمام شديدين.

ثم قال أحدهم: - أجل! أجل! إننا كذلك نعرف ذلك البطل ونحبه حبا جما، ونحن إنما نعمل هنا وفقاً لمبادئه وفكرته.
. ثم أضاف إلى كلامه قائلاً: - هل عقدت النية على أن تكون حرا؟ - نعم! - هل فكرت في الأمر جيداً!.
.
أعزمت على ذلك عزماً نهائيا؟.
.
ثم هل تعلم مبلغ صعوبة الحرية على الإنسان؟ أجل!.
.
أعرف كل ذلك، وعزمي في هذا الشأن لا يتزحزح! - إذن ثمة شروط يجب أن تطلع عليها، وتعمل بمقتضاها.
.
وهذه الشروط مدرجة في سفر خاص بها.
اقرأ وفكر مليا.
.
وسنأتي لمقابلتك ثانية بعد بضعة أيام.
. ثم غادر الأساتذة المكان.
. يتبع أحمد مصطفى الخطيب

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١