أرشيف المقالات

المسرح والسينما

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 مسرحية (70سنة) للأستاذ علي متولي صلاح بدأ السباق يدق بين الفرقتين اللتين تنهضان بفن التمثيل في مصر، وأعني بهما (فرقة المسرح المصرح الحديث) و (الفرقة المصرية) في تقدم المسرحيات التي تتجاوب مع الموقف الوطني الجليل الرائع الذي تقفه البلاد هذه الأيام.
وتتفق مع ما يجري في النفوس ويسري في العروق من لهفة حارة تستبد بالمصريين إلى التحرير والجلاء الناجز ووحدة الوادي بلا إبطال ولا إهمال. أخذت الفرقتان تتسابقان في هذا، واغلب الظن أن ذلك التسابق سيستمر سجالا بينهما حتى تنجلي الغمة ويتحقق الرجاء، فلن تستطيع النفوس التي تتقد بالوطنية وتمتلئ بها أن نجد فضلة منها لقبول شيء دون ذلك!.

وكان فضل السبق في هذا المضمار للفرقة الأولى دون شك، فقد تركت ما كانت أعدته للموسم من مسرحيات أخرى وأسرعت تلتمس ما يؤدي المعاني الوطنية التي فارت بها مشاعر الناس وملكت عليهم أمرهم وسواء أوفقت في ذلك أم جانبها التوفيق فلن يسلبها هذا فضل السابقين الأولين من المجاهدين!.

قدمت - فيما قدمته - مسرحية تصور حادثة من حوادث التاريخ المصري الحديث، فقدمت الفرقة الثانية تصويراً للتاريخ المصري الحديث كله، وكأنها في ذلك تقول للفرقة أولى: أن كنت ريحا فقد لاقيت إعصاراً!! ونسيت الفرقة المصرية أن الأمر في المسرح ليس أمر زحمة في الحوادث، وليس أمر قدرة على حشد اكبر عدد منها، فذلك مطلب يسير هين، وهو - فوق ذلك - ليس من الفن المسرحي في شيء! فرب لمحة خاطفة يصورها المسرح فيحس تصويرها، أدل على المعنى وابعد في النفوس أثراً من احتشاد الحوادث وتعاقبها وكثرتها! قدمت هذه الفرقة مسرحية (70) فسردت فيها تاريخ الحركة الوطنية المصرية منذ سنة 1882من التاريخ الميلادي حتى يومنا هذا سردا متصلا متلاحقا انهرت معه أنفاس المؤلف وتكاثرت عليه الحوادث وتزاحمت من حوله الشخصيات، وكان هو حريصا على أن يعرض الحوادث والأشخاص جميعاً دون سهو أو نسيان - كما يقولون في عالم التجارة - فاصبح لا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع.
واستعان الله على هذا كله، ومزج المسرح بالسينما وبالكلام الطويل في الميكروفون، فجاءت المسرحية مسخا شائها عجيباً.
وأنا استغفر الله من تسميتها باسم (مسرحية) فلا أجد ما اسميها به غير ذلك مع علمي بأن ليس لها من هذا الاسم نصيب. نعم.
إنه ليس من الفن المسرحي في شيء أن تساق الحوادث سوقها كأنها مطي تحت بالسياط فلا يربط بينها رابط، ولا توحدها حادثة أساسية متصلة تجذب انتباه المشاهد، وتؤجج شوقه إلى نهايته وفك عقدتها، مما تحتمه شرائط المسرحية الصحيحة كما عرفت منذ التاريخ القديم.

وليس من الفن المسرحي في شيء أن يرى المشاهد حوادث التاريخ تترى كأنها موكب من مواكب الاستعراض لا اكبر ولا أقل! ويراها المشاهد مرة على صورة مسرحية متحركة ينهض بها ممثلون يتحركون على الخشبة ويلعبون أدوارهم أمام الناس، ثم مرة ثانية على شريط سينمائي يعرض أمام انتظارهم لتكمل به الحوادث، ثم مرة ثالثة يسمع الميكرفون وهو يتمتم ما عجز التمثيل والسينما معا عن أن ينهضا به من الحوادث التي ينوء بها العصبة أولو القوة، فيصل ما يوشك أن ينقطع على المشاهدين من الحوادث المتلاحقة!! ونسى المؤلف الفاضل أن لكل واحد من هذه العناصر الثلاثة غرضا خاصا به واتجاها يتفرد به دون العناصرين الآخرين، ويختلف فيه عنهما اختلافا بينا، وأن الجمع بين هذه العناصر الثلاثة في صعيد واحد إنما هو استغاثة واستعانة من المسرحية الضعيفة التي عجزت عن القيام بمهمتها منفردة مستقلة معتمدة على نفسها فأخذت تطلب النجدة من هنا وهناك!! ولعل المؤلف الفاضل يعلم أن محاولات قامت في أوربا للجميع بين الفن المسرحي والفن السينمائي معا على خشبة المسرح تمكينا له من أيراد عدد اكبر واضخم من المناظر، وتقريبا له من القدرة الكبيرة التي تتمتع بها السينما دونه، وأن تحويرات وتعديلات أدخلت على تركيب المسارح لتمكينها من ذلك أيضاً، ولكن ذلك جمعية باء بالفشل وخلص المسرح للتركيز في الأسلوب والحوار، وللإيحاء والخيال البديع، والإشارة دون الإفصاح الواضح.
وخلص المسرح إلى قيم ومعالم ليس للسينما - وهي واقعية النزعة - أن تجارية فيها. وتفرد المسرح بالأجمال وترك الحواشي وما إلى ذلك مما يجعل كلا من الفن المسرحي والفن السينمائي يختلفان فيما بينهما تمام الاختلاف، واصبح الرأي السائد الآن في احدث المذاهب أن الجميع بينهما إنما هو جمع بين الأضداد والمتناقضات.
. ولا ادري ما تهدف إليه هذه المسرحية وهي لم تزد على سرد التاريخ سردا خاليا من أي اثر للفن أو أي تجنيح للواقع؟؟ اللهم أن كانت تهدف إلى مجرد ذكر التاريخ الواقع المبذول بين أيدي الناس ففي الكتب المدرسية التي يقرؤها التلاميذ ما يربى عليها وما يفوقها دقة وأمانة وتفصيلا! وأن كانت تهدف إلى استثارة الناس بعرض التاريخ الذي يعرفونه عليهم فإن ملاك أمر في ذلك للفن قدمنا أنها خلت منه خلوا تاما! وأن كانت تهدف إلى أن تشارك في تقدم ما يتفق والشعور الوطني الحاضر على أية صورة - فيجب أن تعلم أن عليها أن تفعل ذلك في حدود المراسم والفن المسرحي الذي تتسم به وتقوم عليه.
. هذا - واجب أن اهمس في إذن المؤلف الفاضل بهذه الملاحظات اليسير ابتغاء أن يتدبرها: - 1 - لماذا أغرم المؤلف بإبراز وفاة الكثير من أبطال المسرحية أمام الناس حتى جعل من المسرحية جنازات متلاحقة مع أن وفاتهم جميعاً لم تكن تحمل معنى خاصا، فكلهم مات على فراشه وكان في حياتهم الكثيرة من المواقف الوطنية، اللهم إلا إذا كان المؤلف قد أراد بإبراز موت السابق ترشيحا لحياة اللاحق، وهكذا دواليك! فالموت - هو الخيط وهو الرابطة التي تربط أجزاء المسرحية!؟ 2 - كيف يستسيغ المؤلف أن يبعث الوطنية في نفس ابنة الباشا المقيمة معه في منفاه بإهدائها كتابا عن (جاك دارك) ثم يزيد فيشرح قصتها، وهي - كما يرى القارئ - استعارة غير مستحسنة من البطولة الأجنبية؟ وهل خلا التاريخ المصري أو التاريخ العربي من كل صور البطولة في النساء والرجال جميعا حتى يضطر المؤلف إلى استيراد بطولة من الخارج؟؟. 3 - كيف يتفق أن يخطئ محمود سامي البارودي - وهو أحمد علام - في نطق أبيات قام هو بتأليفه! فيقول مثلا (أجفئ وأجتنب) بيننا الثاني للمعلوم والصواب أن ينطقه مبنيا للمجهول؟ ويقول (النشب) بكسر الشين والصواب بفتحها وتلك أخطاء لا تجوز على التلاميذ المبتدئين بله محمود سامي البارودي!!. 4 - كيف يتف أن يرشح مصطفى - وهو يحتضر - محمد فريد للزعامة بعده ويوصى إخوانه وزملاءه بذلك علانية، ثميستدعيه ويجلسه أمامه مجلس التلميذ ويلقي عليه سيلا من الأسئلة عن وطنيته وهدفه ومبدئه وشعاره وعما هو الاحتلال! وغير ذلك من الأسئلة التي لا نراها تلقي إلا على تلاميذ المدارس حتى حسبناه سيستطرد إلى سؤاله عن اسمه وأسم أبيه وسنه وعنوانه وما إلى ذلك! وهي إلى ذلك أسئلة وأجوبة لا تنطوي على معنى غير مفهوم لعامة الناس ولا تزيد على معلوماتهم العادية، وهي إلى ذلك أيضاً تلقي على زعيم أعلن ترشيحه للزعامة!. 5 - لماذا - وقد كان كل غرض المسرحية استيعاب الحوادث جميعا - أقول لماذا أغفلت الكثير من الحوادث الكبيرة كيوم13 نوفمبر وهو الشرارة الكبرى التي انبعثت عنها نيران الجهاد والكفاح؟ وأغفلت الكثير من الزعماء الذين كان لهم تأثير كبير في مجرى الحوادث بمصر مثل: عدلي يكن وعبد الخالق ثروت ومحمد وإسماعيل صدقي وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وسواهم؟ اللهم إلا إذا أريد بذلك مما لأة الحكومة القائمة وهو أمر إن جاز في عالم السياسة فلا يجوز في عالم الفن. 6 - يعلم المؤلف أن المسرح للناس جميعا فكيف يجبر استعمال اللغة الإنجليزية في بعض المواقف وهو يدري أن بعض الناس يجهلها؟ وإذا كنا نعيب اللغة العربية نفسها على المسرح إذا جنحت إلى المبالغة في الفصاحة والجزالة لأن المشاهد العادي يعيا بفهمها فكيف نسمع للغة الإنجليزية بالظهور فوق المسرح؟ إلا إذا كان ذلك تمشيا مع المسرفة التي التزمها المؤلف في المسرحية جميعا، ناسيا أن المسرح ليس (الواقع) ولكنه كما قال الأستاذ زكي طليمات بحق في كلمته الجامعة (استثارة الواقع)!! علي متولي صلاح

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير