أرشيف المقالات

جلاء. . . وجلاء

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
8 صفحة من الكفاح المصري منذ 150 للأستاذ محمد محمود زيتون ابتليت كنانة الله في أرضه بالاحتلال الفرنسي، والأمراء المماليك يسومون أهلها سوء العذاب، وسلطان العثمانيين يتقلص ظله من حيث لا يشعرون.
ثم إن هذه الفترة قد سجلت صراعاً محتدماً بين إنجلترا وفرنسا من جانب، وبين تركيا والمماليك من جانب آخر. زعم نابليون أن مصر ستنقاد له بمجرد إذاعة المنشورات التي أعدها وهو لا يزال يمخر عباب البحر، ولم يكن يدري أن المصريين يستعدون للمقاومة الشعبية منذ ترامت إليهم أبناء تحرك سفن الحملة من جزيرة مالطة في طريقها إلى الإسكندرية. وفي الحق أن الحملة كان مقضياً عليها بالفشل، منذ ألقت مراسيها بالإسكندرية في 20 يوليو سنة 1798 لأن المتاعب التي ستواجهها ستزيد على الحصر.
وإذا كان في الإمكان ضرب عدو بآخر للتخلص منهما معاً مما لا يحتاج في العرف السياسي إلى غير الحنكة والدهاء، فإن اليقظة الشعبية كانت بمثابة الصخرة الغليظة في حلق الاحتلال. ومنذ الساعة الأولى بدأت قوات الاحتلال تطارد المماليك حتى تشتت شملهم في أقاصيالصعيد، وخذلوا الشعب الذي لم يريدا من الدفاع عن شرفه ولو لم يكن لديه من سلاح إلا الحجارة والقلاع وأبواب الحارات والسلاسل والمتاريس. وبينما كان الفرنسيون يتوغلون في البلاد كانت الأنباء تترامى شرقاً وغرباً.
أما تركيا فكانت مشغولة ببلواها عن بلوى غيرها؛ وحسبها قلاقلها الداخلية ومشاكلها الخارجية.
وعز على إنجلترا - وهي سيدة البحار وأم الاستعمار - أن تنافسها فرنسا في مصر وهي مفتاحها إذا هي أرادت الإبقاء على أكبر جوهرة في تاجها الإمبراطوري الذي لا تغيب عنه الشمس. ولم يكد شهر يمضى على المحتلين حتى كانوا مضرب المثل في الإجرام: سفكوا دماء الأبرياء، وأعدموا زعماء الوطن رميا بالرصاص، وملئوا السجون والمعتقلات بعلماء الدين، فما وقروا شيبتهم، ولا رحموا ضعفهم، ومضوا بعد ذلك إلى المدن والقرى ينهبون ويسلبون، وهتكوا الأعراض في غير رحمة، وانتهكوا حرمات بيوت الله والناس، وتجرد تماماً من العاطفة الإنسانية أو ما يشبهها، وتفننوا في التنكيل بالشعب من كل لون.
فأحرقوا الدور بعد انتهاب ما فيها، وأشعلوا النيران في محاصيل الفلاحين، وبعثروا أقواتهم واستاقوا مواشيهم، وأثقلوا كواهلهم بالضرائب والغرامات والفروض، فلم ير المواطنون يدا من الهجرة على غير هدى تاركين ديارهم خرابا يبابا ليس بها ديار ولا نافخ نار.
وأما الذين لم يهاجروا فقد أرغمتهم السلطة الغاشمة على دفع الغرامة عنهم وعن جيرانهم المهاجرين. وفي أول أغسطس أوقع الأسطول الإنجليزي بالأسطول الفرنسي هزيمة منكرة في مياه أبو قير، وعلى أثرها غير نابليون سياسته العنيفة فأقام الحفلات بمناسبة المولد النبوي تمليقاً للعاطفة الدينية عند المسلمين وهم السواد الأعظم، ومع ذلك فإنه ما وجد منهم غير الإعراض التام.
حتى إذا جاء يوم 22 سبتمبر وحلت الذكرى الأولى لعيد الجمهورية الفرنسية، دعا نابليون علماء مصر وأعيانها إلى حفل كبير بالأزبكية توسطه عمود ضخم يرمز إلى شجرة الحرية التي يزعمون أن الثورة الفرنسية قد تمخضت عنها، وما أرى المصريون فيها إلا رمزاً على الاستعباد فسموها (خازوق الاحتلال). اغتاظ نابليون من هذا الموقف السلبي، وأسرها في نفسه وعاودته غريزة الذئب الغادر، فقسا ليزدجروا، وزاد تنكيلا ليرجعوا، وأصدر بذلك أوامره المشددة إلى حكام الأقاليم، كتب إلى قومندان المنوفية يقول (يجب أن تعاملوا الترك (الأهالي) بمنتهى القسوة، وإني هنا (في القاهرة) أقتل كل يوم ثلاثة وآمر بأن يطاف برءوسهم في شوارع القاهرة.
وهذه هي الطريقة الوحيدة لإخضاع هؤلاء الناس، وعليكم أن توجهوا عنايتكم لتجريد الشعب قاطبة من السلاح)
. وكتب إلى الجنرال مينو قومندان رشيد بأنه يأمر بقتل خمسة أو ستة يومياً ثم يقول له (لقد كنا نتفادى التعرض لهم حتى نزيل عن سمعتنا وصمة الإرهاب تلك التهمة التي كانت تسبقنا إلى أذهان الناس) وصدق المثل: رمتني بدائها وانسلت، ولكن هيهات هيهات أن ينفذ شعاع من رحمة إلى قلوب المتوحشين الذين جاءوا من أوربا الجائعة ليشبعوا جوعتهم من دماء الوادعين في بلادهم. وإذ ذاك كانت (لجنة الثورة) تنعقد بالجامع الأزهر، وقد استنفذ والحكماء كل السبل لحقن الدماء واستتباب الأمن؛ فكان لابد أن تنفجر مراجل الصدور بهذه المظالم الفادحة والمجازر البشرية. وفي 21 أكتوبر انطلقت الأنفاس المحبوسة، واندفعت القاهرة اندفاع الصاعقة، ولم يعد بالديار داع أو مجيب.
وتجسمت ثورة القاهرة سخطاً وحنقاً على الغاصبين، واغتيل القائد الفرنسي (ديبوي) واحتمى الثوار بالأزهر بعد أن أقاموا جميع الاستحكامات على المنافذ المؤدية إليه. وذهل الفرنسيون أمام هذه اللعنة المنصبة عليهم من كل جانب، فأصدر الجنرال بون أمر في 23 أكتوبر (يهدم الجامع الأزهر ليلا إذا أمكن، وترفع الحواجز والبوابات التي كانت تسد الشوارع). وأطلق الفرنسيون مدافعهم الثقيلة على الثوار، فكانت ضحايا المصريين أكثر من أربعة آلاف حسب تقدير الجنرال (بليار).
ولنترك للجبرتي مؤرخ العصر يصف لنا هذا المشد الأليم إذ يقول (ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر، وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة، والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف، وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها.
.)
. وفي هذه الغمرة يفتح نابليون صدره العريض لإحدى نوافذ قصر الألفي وما يلبث أن يعود إلى مكتبه فيصدر الأمر الكريم (.
.
يقطع رءوس جميع المسجونين الذين أخذوا ومعهم الأسلحة، وعليكم إرسال الجثث في هذه الليلة إلى شاطئ النيل فيما بين بولاق ومصر القديمة وإغراقها في النهر)
. ولم يكن خافيا على فطنة العلماء أن للمماليك يدا في تحريض الأهالي ضد الفرنسيين مما زاد النار اشتعالا، فأذاعوا البينات في الناس بغية التزام السكينة والتذرع بالصبر (فلا تعلقوا آمالكم بإبراهيم ومراد، وارجعوا إلى مالك الملك وخالق العباد؛ وذهب وفد العلماء إلى نابليون يتشفعون في جلاء خيوله عن الأزهر، فأجابهم إلى طلبهم.
ثم أحصى المحرضين على الثورة من العلماء فسرعان ما ألقى القبض عليهم، وعجلان ما حوكموا سرا وأعدموا رميا بالرصاص.
وضاعف الفرنسيون من تحصين القاهرة وإقامة المعاقل في أهم شوارعها استعدادا لكل ما عساه يجد من أحدث. ومن وسائل الاحتياطات التي اتخذها نابليون أن أرسل المحصلين لجباية الغرامات من الأهلين، وهم الذين كادوا يهلكون جوعا وعريا أن هام أكثرهم على وجوههم في القرى، وبعد أن أصبحت البيوت لا عائل لها يدبر أمرها، تلك البيوت التي اقتلع المهندسون الفرنسيون أبوابها وأبواب الحارات التي تضمها ونبشوا القبور ونقضوا البيوت ليتخذوا من الحجارة والأخشاب تحصينات للقلعة، مما كان سببا قويا لاستفزاز الأهالي، وانقضاضهم على كل من يلقونه في وجوههم فكانت الضحايا من المهندسين فوق الحصر. وسرت الثورة في كل مكان سريان الغار في الهشيم حتى عمت الدلتا والصعيد.
فاتسع الخرق على الراقع، وضاق بونابرت ذرعا العدو الذي ما من صداقته بد، والذي استعصى على الترويض، والذي أنزل برجاله هذه الخسائر وهو الذي لا مدفع معه ولا رصاص. واعتزم نابليون أن يخضد شوكة المصرين ويزعزع يقينهم بالكفاح المرير في سبيل الحرية والاستقلال، فأنفذ حمله الشام التي لم تأت بالثمرة المشتهاة، فلا هو فتح الشام ولا هو أذل مصر. فاشتعلت الثورة من جديد في الشرقية بينما كان جيشه يرتد مهزوما أمام عكا الحصينة ومعه الجرحى والقتلى ممن لا عداد لهم. واضطربت الأحوال في فرنسا حينذاك، فاستطاعت حكومة الدكتور قائد الحملة علة مصر، ولكن الأسطول الإنجليزي المتربص لفرنسيين في البحر حال دون وصول الرسالة إلى مصر.
ومع ذلك تمكن الماكر الداهية من الإفلات فغادر الإسكندرية في ليلة 23 أغسطس بعد أن أناب عنه كليبر وزوده بالتعليمات الكافية، يضمن ثقة الشعب المصري)
ورأى نابليون قبل مغادرته مصر أن تركيا قد بدأت تحالف الإنجليز ضد فرنسا على حساب مصر، ففوض كليبر في عقد الصلح مع تركيا ولو كان ثمن ذلك جلاء الفرنسيين عن مصر نهائيا. أحاطت المشاكل بكليبر من كل جانب، فالفرنسيين قد انهارت روحهم المعنوية، وتفشت الأمراض فيهم، وقضت الثورات على مهندسيهم، ونهب الثورات آلانهم الفنية النادرة، ولم يسلم القواد أنفسهم من الإصابات والجروح حنى نابليون نفسه، ونقص الإيراد وضعف الإنتاج وتراكمت الإتاوات والغرامات وتربص الإنجليزي والترك للفرنسيين على الشواطئ، وقطع الحصار البحري على الحملة الإرهابية كل سبيل، وكتب المسيو بوسليج في تقريره إلى حكومة الدير كتوار يقول (.
.
إن اختلاف العادات - وأهم منه اختلاف اللغة وخاصة اختلاف الدين - كل ذلك من العقبات التي لا يمكن تذليلها والتي تحول دون؟ إيجاد صلات الود بيننا وبين المصريين.
إنهم يمقتون حكم المماليك، ويرهبون نير الآستانة، ولا يحبون حكمها، ولكنهم لا يطيقون حكمنا ولا يصبرون عليه إلا بأمل التخلص منه)
. وظل كليبر يماطل في الجلاء كلما تغلب على المحاولات البحرية العثمانية التي دأبت على مناوشته على شواطئ مصر، فلما تمت معاهدة العريش المعروفة في24 يناير سنة 1800 بين فرنسا وتركيا قبل القائد الفرنسي الجلاء عن رغبة منه حد قوله في (وضع حد لسفك الدماء، وإنها النزاع القائم بين الجمهورية الفرنسية والباب العالي). وفي غضون الأشهر الثلاثة المقررة للجلاء نزلت القوات التركية تدريجيا بالأراضي المصرية وأمعنت تعسفات غاشمة من التهب والسلب والإرهاب وابتزاز الأموال بحجة الحاجة إلى مصاريف إبعاد الفرنسيين، فجمعوا الغلال، واحتكروا المؤونة وشاركوا المواطنين في الحرف ونافسوا في أرزاقهم مما أثار السخط العام على الأتراك والفرنسيين من قبلهم. وتأججت نيران الثورة من جديد لعدم اعتراف إنجلترا بمعاهدة العريش تلك، وألبث المصريين على كليبر، فلم يجد بدا من التفريق بين فلول المماليك وبين المصريين من جهة وبين هؤلاء وبين العثمانيين من جهة أخرى، فاتفق مع مراد بك على أن يطلق يده في الصعيد نظير دفاعية وأموال وغلال.
فلما شبت ثورة القاهرة في 20 مارس سنة 1800 أشار مراد بك على كليبر بإضرام النار في العاصمة. وبعد شهر من هذا التاريخ استطاع كليبر أن يخمد الثورة، ويطرد العثمانيين، فوطد مركزه، وأبعد من حسابه فكرة الجلاء.
فلما فاوضه الإنجليز والعثمانيون في تنفيذ معاهدة العريش أبى ولج في الطغيان، حتى لقي حتفه بطعنة من خنجر سليمان الحلبي في 14 يونيو وخلفه مينو الذي ورث عن سلفه أفدح الأعباء قائد متخاذل مثل مينو. أتقن مينو دوره الاستعماري أيما إتقان، فأعلن إسلامه ونزوج أرملة مسلمة من رشيد، وخالط الناس في المساجد والحافل، وأظهر الورع حتى صلى معهم التراويح، وتظاهر بمقته لكليبر حتى لقد سمى ابنة باسم قاتل خصمه، ولكنه ما لبثأن قلب للمصرين ظهر المجن، وبرح خفاؤه، حين اتهم الأزهر بتدبير اغتيال سلفة فأمر بتفتيش وإرهاب علمائه، وحاول أن يقف على شيء يدل طائل، واقترح العلماء غلق الأندر بدلا من أن تشن عليه الحملات الإرهابية وحقنا لدماء المواطنين، وإبراء لذمتهم من دم كليبر. ومع ذلك ظل مينو سادرا في غلوائه وغطرسته، فلم يكف عن سياسة سابقة.
ومما زاد في تعزبز مركزه تلك العدة التي أنفذها إليه نابيلون من فرنسا، واستطاع أن يهربا فأفلتت من الرقابة الإنجليزية المنبثة في أرجاء البحر.
غير أن الأمل لم يطل مداه حينما ترادفت قوات الإنجليز والأتراك على مصر عند كانوب في الأسبوع الأخير من مارس، وسقطت المن المصرية صرعى احتلال جديد بينما كان الطاعون لا يزال يفتك بالمواطنين والأجانب فتكا ذريعا. نكص الفرنسيون على أعقابهم إلى القاهرة وطلبوا المدد من حليفهم مراد بك فعالجه الطاعون في سوهاج وهو في الطريق إليهم، فأدركوا حرج موقفهم، في جلاء الفرنسيين أنفسهم، ولقي ذلك هوى.
وفعلا عقد بليار اتفاقية الجلاء في 27 يونيو دون علم مينو، ولم تستطع المعدات الجديدة أن تصل إلى مصر فعادت أدراجها إلى طولون.
وكادت تنتهي الخمسون يوما المحددة للجلاء برا وبحرا، ولكن الفرنسيين أخذوا يماطلون حتى حاصرهم الإنجليز حصارا كاد يؤدي بهم، فعقد مينو مجلسا عسكريا من رجاله، فأجمعوا الرأي على الجلاء. وهنا أملي الإنجليز شروطا أقسى من ذي قبل حتى لقد أوجبت على العلماء الفرنسيين أن يسلموا بحوثهم وأدواتهم وحتمت عيهم هذه الشروط أن يتم الجلاء في مدى عشرة أيام، وأن يسلموا سفنهم بما عليها من عتاد، وبمن عيها من جنود.
وبدأ الفرنسيون يسلمون القلاع والذخائر في 2 سبتمبر، غير أن العلماء تذمرهم لحرمانهم من ثمرات فرائهم، وفاضوا هتشنسون في ذلك فأبى عليهم حمل الآثار المصرية معهم، وسمح لهم بما دون ذلك. وفي هذه الأثناء كان قد انتهى من مفاوضة مع إنجلترا بما يسمى (مقدمات لندن) في أول أكتوبر سنة 1801 وبمقتضاها يكون الاتفاق على جلاء الطرفين معا عن مصر. ولم تكد شمس يوم 18 أكتوبر تغرب حتى كانت قوات الاحتلال الفرنسي - وعدتها وقتئذ ثلاثة عشر ألفا - قد أخذت طريقها في البحر تجرر أذيال الخيبة، وفي مؤخرتها عبد الله جاك مينو.
وبذلك اليوم انطوت صفحة من تاريخ مصر لطخها الاستعمار بالظلم والإرهاب.
وأثقل المحتلون فيها كاهل مصر بالسخط والتذمر على أوربا الغادرة. وظن الإنجليز أن الجو قد خلالهم فأفسحوا صدرهم للمماليك ليضربوا بهم الأتراك عن يمين والمصرين عن شمال.
وظلموا يتلكئون في الجلاء حتى استعجلهم نابليون فتركوا البلاد لأهلها في 16 مارس سنة 1830، ومعهم صنيعهم محمد بك الألفي، وبين يديه البقية مما نهبه من الصعيد، وقد طوى جوانحه على أمل أن يعيده السادة الإنجليز قريبا جدا ليكون ملك المنتظر. وهكذا قضت مصر هذه الحقبة من تاريخ تحت كابوس الاحتلال الفرنسي ذاقت في خلالها ما بعدها من مرارة.
وحسبها أنها اعتمدت على إرادة شعبها الأبي الحر فواجهت الظلم المسلح وهي عزلاء من كل سلاح، اللهم إلا الأيمان بالحق المغتصب، والكفاح في سبيل الشرف الرفيع.
ولم يعرف التاريخ أمة غير مصر تداعت عليها القوة الغاشمة مجتمعة فكافحها جميعاً في آن واحد غير معتمدة إلا على الأيمان والوحدة والمصابرة، وبذلك قضت على إنجلترا وفرنسا وتركيا والمماليك والطاعون جميعاً. وما كان المصريون لينسوا منذ اللحظة الأولى للاحتلال الفرنسي مبلغ ما تنطوى عليه عبارة نابليون في منشورة الأول من مغالطة وقحة إذ يقول أن (الديوان) المشكل إنما يقصد به (تدبير الأمور والنظر في راحة الرعية وإجراء الشريعة). كما أنهم لم ينسوا كيف نابليون حرم العمال المصريين من العمل في المصانع التي شيدها في مصر ظل الاحتلال حتى لا يطمعوا لذة العيش، وحتى لا يتعلموا صناعة جديدة تعود اقتصادياً على البلاد بالنفع العميم، ولكنه الاحتلال وكفى. وحسب المصريين أنهم تعلموا منذ 150 سنة أن كفاح الشعوب إنما هو سبيل حريتها واستقلالها، وأن (الطرق السليمة المشروعة) أصبحت غير ذات موضوع.
وصدق نبي الجهاد (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا). محمد محمود زيتون

شارك الخبر

المرئيات-١