للأستاذ محمد أحمد الغمراوي
كتب الكاتبون قديمًا وحديثًا في إعجاز القرآن، ولكن ليس كمثل الأمثلة العملية الواقعية بيان لذلك الإعجاز. ومن أحدث هذه الأمثلة وأغربها ما وقع من الدكتور زكي مبارك أو (الكاتب المجهول كما يسمي نفسه في العدد 351 من الرسالة
والدكتور زكي مبارك كبير الإعجاب بنفسه يظن أنه أحاط بالأدب العربي من أطرافه: أطراف النثر وأطراف الشعر، فلم يدع لكاتب ولا لشاعر شأوًا معه. تعرف ذلك في دعاواه الطويلة العريضة التي ينثرها يمينًا وشمالًا بغير حساب فيما يكتب من مقال، وما يؤلف من كتاب، كأنما أراد أن يكون المقل المنجسم لقانون التعويض النفسي في الأدب، فهو يعوض نفسه عما فاته من ثناء الناس بالمبالغة في الثناء على نفسه، وهذا شيء لم يكن يفهم لولا أن إعجاب الدكتور بنفسه انقلب فيه غرورًا، وأن الغرور بلغ منه حدًا جعله يتطاول إلى مقام القرآن الكريم، يشكك في إعجازه تارة، ويكاد يصرح أنه من كلام البشر تارة أخرى، ويدعو إن بتلميح وإن بتصريح إلى تناول القرآن بالنقد، كأنما يظن أن ذلك في مقدوره لولا أن المسلمين لم يستعدوا بعد لتلقي كل ما عند الدكتور
وسولت له نفسه أن يكتب مقاله (أعوذ برب الفلق من شر ما خلق)، ولأمر ما رأى أن يوقعه بغير اسمه
ولكنه نسى نفسه حين أمن أن يعرف قومي بها عوراء مخزية حين كتب: (أما بعد، فأنا لا أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، وإنما أعوذ برب الفلق من خير ما خلق، وهو الجمال). لعلك لو فتشت عن قلبه حين كتب هذا لوجدته مسرورًا به، يرى أنه جاء بطريف وهذا خذلان الله لكل من يلحد في آياته: يخفى عنه الغلطة المنكرة لا تخفى على العامة من الناس.
والغلطة المنكرة هي جهله أن كلمة (شر) في الآية الكريمة اسم لا أفعل تفضيل، وأن الفرق بين معنى الآية كما فهمها وبين معناها كما أنزلت كالفرق بين الجماد والحي، والإعجاز وغير الإعجاز
وإذا أدرك زكي مبارك غلطته فحاول أن ينكر أن (شر) في جملته أفعل تفضيل كذبته كلمة (خير) في نفس الجملة، إذ لا شك مطلقًا في إن (خير) في جملته تلك أفعل تفضيل جاء في مقابلة (شر) أفعل التفضيل الآخر في أول الجملة
إن كلمة شر إذا كانت اسمًا مضافًا إلى ما الموصولة، كما هي في الواقع في قوله تعالى (من شر ما خلق) في السورة الكريمة المعروفة، شملت كل شر لكل مخلوق، فلاستعاذة بالله من شر ما خلق على هذا الوجه هي استعاذة تامة كاملة لم تدع موضعًا لاستدراك مستدرك ولا للعب لاعب. فإذا أراد مغرور أن يلعب باللفظ تظرفًا واستطرافًا سقط سقطة الدكتور زكي مبارك. قد يكون الجمال خير ما خلق الله وقد لا يكون، لكن إذا كان للجمال شر يخشى ويستعاذ بالله منه فقد دخل في الشر المطلق شر كل مخلوق خلقة الله، وهو ما أمر الله الإنسان بالاستعاذة منه برب الفلق، فلا داعي هناك قط إلى تعوذ جديد من الجمال أو من غير الجمال
فانظر الآن إلى ما يطرأ على المعنى من التغيير والتضييق والنقض بجعل (شر) أفعل تفضيل كما فهم صاحب النثر الفني. لقد انفتح له بذلك من ناحية باب الاستدراك فقال إنه لا يتعود من شر ما خلق الله ولكن من خير ما خلق وهو الجمال. ومن ناحية أخرى صارت الاستعاذة على هذا الوجه مقصورة على شر أكثر خلق الله شرًا، وتركت ما عدا ذلك من شر كثير حرًا طليقًا يصيب من الإنسان ما شاء. فِأي استعاذة هذه التي تترك المتعوذ عرضة لأكثر الشر في جملته، أو لشر كثير على أقل تقدير؟ فلو كان هذا المعنى مقصودًا في كلام أديب لكان معيبًا عند أهل البلاغة، ومع ذلك فهذا هو ما فهمه من كلام الله الدكتور زكي مبارك المستأثر ببلاغة النثر والشعر الحائز لدكتوراه الأدب العربي من باريس بكتابه النثر الفني الذي زعم فيه أن القرآن من كلام البشر ودعا فيه إلى نقد القرآن
فكان الله سبحانه أراد أن يضرب مثلًا لخلقه من إعجاز كلامه على يد شاك يظن أنه ملك ناصية الكلام، فقيض الدكتور زكي مبارك، لا ليبدل لفظًا من لفظ ليكون لفظ القرآن هو الأفصح والأبلغ، ولكن لينقل لفظًا تعينه من وجه إلى وجه، من الاسمية إلى الوصفية، ولا يكون هذا اللفظ إلا أبسط كلمة في أبسط آية يفهمها حتى عوام المسلمين في أنحاء الأرض، ليجئ المعنى تافهًا بعد مروره في ذهن الدكتور؛ وليتبين للناس مقل من هزة القرآن وإعجازه؛ وأن صاحب النثر الفني لا يفقه فرق ما بين الإعجاز وعير الإعجاز، وأنه ليس من القرآن الكريم في حقيقة ولا مجاز.
محمد أحمد الغمراوي
للأستاذ محمد أحمد الغمراوي
كتب الكاتبون قديمًا وحديثًا في إعجاز القرآن، ولكن ليس كمثل الأمثلة العملية الواقعية بيان لذلك الإعجاز. ومن أحدث هذه الأمثلة وأغربها ما وقع من الدكتور زكي مبارك أو (الكاتب المجهول كما يسمي نفسه في العدد 351 من الرسالة
والدكتور زكي مبارك كبير الإعجاب بنفسه يظن أنه أحاط بالأدب العربي من أطرافه: أطراف النثر وأطراف الشعر، فلم يدع لكاتب ولا لشاعر شأوًا معه. تعرف ذلك في دعاواه الطويلة العريضة التي ينثرها يمينًا وشمالًا بغير حساب فيما يكتب من مقال، وما يؤلف من كتاب، كأنما أراد أن يكون المقل المنجسم لقانون التعويض النفسي في الأدب، فهو يعوض نفسه عما فاته من ثناء الناس بالمبالغة في الثناء على نفسه، وهذا شيء لم يكن يفهم لولا أن إعجاب الدكتور بنفسه انقلب فيه غرورًا، وأن الغرور بلغ منه حدًا جعله يتطاول إلى مقام القرآن الكريم، يشكك في إعجازه تارة، ويكاد يصرح أنه من كلام البشر تارة أخرى، ويدعو إن بتلميح وإن بتصريح إلى تناول القرآن بالنقد، كأنما يظن أن ذلك في مقدوره لولا أن المسلمين لم يستعدوا بعد لتلقي كل ما عند الدكتور
وسولت له نفسه أن يكتب مقاله (أعوذ برب الفلق من شر ما خلق)، ولأمر ما رأى أن يوقعه بغير اسمه
ولكنه نسى نفسه حين أمن أن يعرف قومي بها عوراء مخزية حين كتب: (أما بعد، فأنا لا أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، وإنما أعوذ برب الفلق من خير ما خلق، وهو الجمال). لعلك لو فتشت عن قلبه حين كتب هذا لوجدته مسرورًا به، يرى أنه جاء بطريف وهذا خذلان الله لكل من يلحد في آياته: يخفى عنه الغلطة المنكرة لا تخفى على العامة من الناس.
والغلطة المنكرة هي جهله أن كلمة (شر) في الآية الكريمة اسم لا أفعل تفضيل، وأن الفرق بين معنى الآية كما فهمها وبين معناها كما أنزلت كالفرق بين الجماد والحي، والإعجاز وغير الإعجاز
وإذا أدرك زكي مبارك غلطته فحاول أن ينكر أن (شر) في جملته أفعل تفضيل كذبته كلمة (خير) في نفس الجملة، إذ لا شك مطلقًا في إن (خير) في جملته تلك أفعل تفضيل جاء في مقابلة (شر) أفعل التفضيل الآخر في أول الجملة
إن كلمة شر إذا كانت اسمًا مضافًا إلى ما الموصولة، كما هي في الواقع في قوله تعالى (من شر ما خلق) في السورة الكريمة المعروفة، شملت كل شر لكل مخلوق، فلاستعاذة بالله من شر ما خلق على هذا الوجه هي استعاذة تامة كاملة لم تدع موضعًا لاستدراك مستدرك ولا للعب لاعب. فإذا أراد مغرور أن يلعب باللفظ تظرفًا واستطرافًا سقط سقطة الدكتور زكي مبارك. قد يكون الجمال خير ما خلق الله وقد لا يكون، لكن إذا كان للجمال شر يخشى ويستعاذ بالله منه فقد دخل في الشر المطلق شر كل مخلوق خلقة الله، وهو ما أمر الله الإنسان بالاستعاذة منه برب الفلق، فلا داعي هناك قط إلى تعوذ جديد من الجمال أو من غير الجمال
فانظر الآن إلى ما يطرأ على المعنى من التغيير والتضييق والنقض بجعل (شر) أفعل تفضيل كما فهم صاحب النثر الفني. لقد انفتح له بذلك من ناحية باب الاستدراك فقال إنه لا يتعود من شر ما خلق الله ولكن من خير ما خلق وهو الجمال. ومن ناحية أخرى صارت الاستعاذة على هذا الوجه مقصورة على شر أكثر خلق الله شرًا، وتركت ما عدا ذلك من شر كثير حرًا طليقًا يصيب من الإنسان ما شاء. فِأي استعاذة هذه التي تترك المتعوذ عرضة لأكثر الشر في جملته، أو لشر كثير على أقل تقدير؟ فلو كان هذا المعنى مقصودًا في كلام أديب لكان معيبًا عند أهل البلاغة، ومع ذلك فهذا هو ما فهمه من كلام الله الدكتور زكي مبارك المستأثر ببلاغة النثر والشعر الحائز لدكتوراه الأدب العربي من باريس بكتابه النثر الفني الذي زعم فيه أن القرآن من كلام البشر ودعا فيه إلى نقد القرآن
فكان الله سبحانه أراد أن يضرب مثلًا لخلقه من إعجاز كلامه على يد شاك يظن أنه ملك ناصية الكلام، فقيض الدكتور زكي مبارك، لا ليبدل لفظًا من لفظ ليكون لفظ القرآن هو الأفصح والأبلغ، ولكن لينقل لفظًا تعينه من وجه إلى وجه، من الاسمية إلى الوصفية، ولا يكون هذا اللفظ إلا أبسط كلمة في أبسط آية يفهمها حتى عوام المسلمين في أنحاء الأرض، ليجئ المعنى تافهًا بعد مروره في ذهن الدكتور؛ وليتبين للناس مقل من هزة القرآن وإعجازه؛ وأن صاحب النثر الفني لا يفقه فرق ما بين الإعجاز وعير الإعجاز، وأنه ليس من القرآن الكريم في حقيقة ولا مجاز.
محمد أحمد الغمراوي