أرشيف المقالات

أبو الثناء الألوسي الكبير

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
8 (بمناسبة مرور مائة عام على وفاته) للأستاذ محمود العبطة - 2 - أ - مولد الألوسي الكبير: ولد السيد محمود عبد الله الألوسي في بغداد في منتصف شعبان من عام 1217هـ (1802م) في دار أبيه بجانب الكرخ، ووالده السيد عبد الله بن محمود، والقارئ - ولا شك - قد عرف نسب العائلة الألوسية ولماذا انتسبت إلى ألوس وتضارب الأقوال في ذلك، فلا نعود إليه ولا نكرر القول فيه، أما أمه فهي - كما قلنا - صالحة بنت الشيخ حسين العشاري من بيت علم وحسب ونسب.
وسمي (محموداً) إحياء لاسم جده محمود بن درويش، وعادة إحياء الأسماء عادة مستحبة عند العراقيين، وعلى الأخص البغاددة منهم، ولا تزال هذه العادة محترمة حتى الآن في البيوتات العريقة في العراق، ولقب بعد مولده (بشهاب الدين) كما كني (بأبي الثناء) وهذه كتلك عادة أخرى لكل مولود جديد في بيوتات العلم والأدب في بغداد. وقد نظم أحد الشعراء الذي لم أقع على أسمه وتاريخ وفاته ببيتين من الشعر على طريقة الحساب الشعري فقال: لقد أشرق البدر السماوي مذ بدا ...
سنا نوره عن مشرق لاح بالجود به كمل الدين الحنيف مؤرخ ...
(تكملت الدنيا بميلاد محمود) ب - دراسته: فتح الألوسي عينيه في بيته، وآثار النجابة والألمعية تلوح في حركاته وسكناته، وبعد أن نما وترعرع ووعى ما حوله وما يحيط به، درس مبادئ الخط، وحفظ القرآن في بيته وعلى يد أمه وأبيه.
.
وعلى يد أبيه الذي هو رئيس المدرسين في بغداد درس (الأجرومية) في مبادئ النحو العربي، ثم درس ألفية (ابن مالك) في النحو أيضاً، تناول بعدها كتب الفقه فقرأ (غاية الاختصار) في فقه الإمام الشافعي إمام العائلة التقليدي (فالمنظومة الرحبية) ف الفرائض كما قرأ مقدمات الفقه الحنفي.
ولم يبلغ الربيع العاشر من عمره الزاهر حتى أحاط علماً بالنحو والفقه والمنطق والعلوم الأخرى.
لقد تشبع فتانا الألوسي في باكورة عمره من منهل العلم.
إن روحه في هيام دائم مهما بلغ تحصيله العلمي.

وعلى هذا القياس فقد تتلمذ على جلة علماء البلد كعلي السويدي ومحمد أمين الحلي وخالد النقشبندي وعبد العزيز الشواف وعلي المزوري العماري وحصل على الإجازة العالمية من رئيس محدثي الشام في عصره عبد الرحمن الكزبري ومن مفتي بيروت عبد اللطيف فتح الله. إن الألوسي - كما نرى - تتلمذ على جلة علماء بلده بغداد، وحصل على الإجازة بالعلم من علماء سورية ولبنان.
.
وقد عثرت على أوراق مخطوطة كتبها الألوسي المترجم له، ونقلها عنه أحد الألوسيين الآخرين، وهذه الأوراق تلقى ضوءاً نفاذاً على هذه الفترة من حياة الألوسي، إذ قال في بعض منها يصف حاله حين تحصيله العلمي، ويذكر فيها وفاة أمه وحنو والده عليه: (وقد ماتت أمي قبله، عليه الرحمة، بعدة سنين، فازداد حنوه علي بعدها، بيد أنه لضيق ذات يده لم يوسع أكمامي، ولم يجعلني أباهي بأثوابي أبناء أخوالي وأعمامي.
.
ومما اتفق أن بعث ثياب الشتاء لشراء قرطاس، وطالعت على نور القمر حيث أعوزني نبراس، وكم قاسيت من شدائد، تذيب لا در درها الجلامد.) من هذه السطور نلمح الألوسي الفتى الذي فقد أمه فوجد أباه أماً له وأباً في حنوه ورعايته وحدبه؛ بيد أن فقر أبيه منعه من التنعم في شبابه باللباس واللذات، شأنه شأن الشباب في كل جيل.
وفي الفقرات الأخيرة من هذه السطور، حيث يبيع الألوسي الشاب ثياب الشتاء ليشتري بثمنها أوراقاً يستعين بها في دراسته وشؤونه العلمية ويدرس على ضوء القمر، ما يقرأه في النهار على شيوخه.

من هذه السطور تعلم درجة فقر هذه العائلة الكريمة التي اتخذت سبيل العلم رسالتها في الحياة، كما نرى أن الإرادة القوية والصبر على احتمال المكاره، والحيلة في الخروج من المآزق، طرق مستقيمة في الوصول إلى المطالب والغايات، وهذه قد سار فيها الألوسي فكان فيها الأمثولة والقدوة.
والأستاذ الأخير الذي تتلمذ عليه أبوالثناء وأرتشف من مناهل علمه وفضله هو الشيخ علي علاء الدين الموصلي الذي مكث يتتلمذ عليه أربع عشرة سنة كان له فيها خير معين على تفهم دقائق العلوم المنقول منها والمعقول.
وأستاذه الشيخ الموصلي كان حاد الذكاء، حاد المزاج معاً، ولهذا نرى قلة من طلبة العلم من تقرب إليه ودرس عليه، وعبقرية التلميذ النجيب تلاقت مع عبقرية الأستاذ القدير، إذ أن عقول العباقرة تلتقي على ما يقول الفرنسيون، فأمسى مقام الشيخ علي في تقويم مواهب الألوسي وصقل ملكاته كمقام أبيه السيد عبد الله، أستاذه الأول ومعلمه في بيته.
والألوسي يذكره بالخير ويشيد بفضله ويترحم عليه، كما أنه أرخ حياته في المقامة الثانية من (مقامات الألوسي) وأرخها أيضاً في (غرائب الاغتراب) وفي غيرهما من مؤلفاته المختلفة.
.
ودرس الألوسي على الشيخ المذكور في المدرسة الخاتونية الواقعة في باب (الشيخ) من رصافة بغداد. جـ - وظائفه العلمية: لعل أول وظيفة نالها أبو الثناء أثناء تتلمذه على أساتيذ زمانه وعلماء عصره، أنه ألف رسالة في أحد العلوم لداود باشا الدالي وقد أعجبته كل الإعجاب فوظف له في كل يوم درهمين من وقف جامع (محمد الفضل) وهذه الوظيفة الأولى قد أعانته أثناء تحصيله العلمي في عيشه، والقارئ يعلم درجة حاجته وفاقته، أصبح بعدها أو أثناءها محافظاً لمكتبة مدرسة الشهيد (علي باشا) التي كان أبوه أحد أساتذتها ثم أصبح مدرساً في بيت خاله الحاج عبد الفتاح الراوي في جانب الكرخ وبعد أن نال الإجازة في التدريس من أستاذه علاء الدين في المدرسة الخاتونية في باب الشيخ أقامت السيدة (عاتكة) من محسنات زمانها مأدبة حافلة حضرها جلة علماء بغداد وفضلائها، وأعيانها وكان من جملة الحاضرين رئيس صنف التجار نعمان الباجه جي البغدادي، الذي لمح ألمعية الألوسي فأراد أن يخلد اسمه فاقترح على الشيخ علاء الدين أن يكون تلميذه الألوسي مدرساً في مدرسة جامع الباجه جي في محلة (سبع البكار) في الرصافة فأشار الأستاذ على التلميذ الذي صار أستاذاً، أن يدرس في المدرسة المذكورة فأنصاع له وجلب تلامذته من مدرسته التي كانت في بيت خاله، وعمره إذ ذاك عشرون سنة.

وقد رأى التلاميذ عجباً في مدرسة الباجه جي إذ الراحة متوفرة والمكان واسع، والتقدير موجود، فذاق الألوسي أول أفاويق السعادة ونال شيئاً مما كان يطمح له ويأمل، ولكن القدر كان له في حرب دائم متواصل إذ نظم أحد التلامذة أبياتاً من الشعر وصف فيها المدرسة الجديدة وأناقتها وقارن بينها وبين مدرسة الراوي، فوجد حساد الألوسي منفذاً للافتراء، وأنه سب خاله الحاج عبد الفتاح فشاغب عليه الحساد، وأرادوا أن يخرجوه من مدرسة الباجه جي بحجة السب! ولما لم ينالوا ما أرادوا استعانوا بمفتي الحنفية ومفتي الشافعية لغاياتهم هذه، كما استعانوا بمحمد الكركولي أحد المتنفذين ببغداد، وذهبوا هم وأنصارهم إلى الوالي داود فتكلم نيابة عن الجمع الحاشد الكركوكي المشهور بابن النائب الذي يضمر للألوسي الحسد والعداء، فحاك وأصحابه دسيسة جديدة وهي أن أبا الثناء قد سب الإمام أبن حجر أثناء وعظه في جامع القمرية في الكرخ، فلم تنطل الفرية على الوالي الداهية، فأجابهم بما أسكنهم وأخزاهم! وهنا أنقل للقارئ جواب الوالي لابن النائب الكركوكي، ولكن على لسان المدعي عليه، أو المتهم في لغة القانون وهو هنا الألوسي محمود إذ نقل الجواب بإنشائه البليغ الرائع فقال (إن ابن الألوسي شافعي المذهب، فيبعد من طريق العقل أن يسب ذلك العلامة وهو بين أئمة مذهبه المشار إليه بأكف الفضل، وأعجب من ذلك وأعظم، تأخير شكوى هذا الذنب الواقع في رمضان إلى المحرم، فما أظن ذلك إلا افتراء، أصر على إنشائه قهرمان الحسد، وكم جمع الحسد جيوش البغي على المحسود وحشد، فبالله تعالى عليكم إلا ما تركتم هذا الرجل وحاله، وأرى الأحرى بكم أن تصالحوه وخاله.

فإني أظن أن يأتي على الرجل زمان، يشار إليه بين علماء الإسلام بالبنان.
وبعد أن أطفأت هذه الفتنة التي واجهها الألوسي بصبر وثبات، والتي انتهت بحرمانه من التدريس في مدرسة الباجه جي، كان أنصار الألوسي يعملون على إيجاد وظيفة تليق بمكانة أبي الثناء وفضله.
وأخيراً وجدوا ضالتهم بمساعي الزعيم الشعبي (عبد الغني جميل زاده) رئيس الحزب الذي يضم أحرار البلد أمثال السيد الألوسي، فتم على يد الزعيم عبد الغني إزالة ما وقع سابقاً ثم عين بمساعدة أنصاره مدرساً وواعظاً وخطيباً في جامع أمين الباجه جي شقيق نعمان رئيس صنف التجار، الواقع في محلة رأس القرية.

وبقي يدرس ويربي الجيل الجديد تربية العالم الخبير القدير، ولاقت دروسه قبولاً واستحساناً من تلامذته ومريديه، وكانت بغداد في أواخر عهد داود تضم نهضة أدبية يرعاها القصر ويحميها السلطان.
ولم يكن الألوسي مع قيامه التام بشؤون التدريس والخطابة والوعظ والإرشاد بالرجل القانع القعددة شأن أكثر المعممين ورجال الدين في عهده بل كان على العكس رجلاً طلاعة يستمع لتيار الرأي العام، ويستجيب لداعي القضايا العامة، وكان أكثرية البغاددة يناصرون داود باشا في الانفصال عن قاعدة الخلافة والاستقلال بالعراق عن الدولة العثمانية، والألوسي كان من دعاة هذه الفكرة ودليل ذلك حبسه بأمر الوالي الجديد علي رضا في سجن نقيب الأشراف. د - تصدره للافتاء: بقي الألوسي بسجن النقيب يتجرع الغصص ويتحمل النكبات منتظراً الفرج من الله مترقباً أفاعيل القدر.

وتم له ما أراد إذا طلب منه محمود النقيب رئيس النقباء الوعظ في جامع الشيخ عبد القادر الجيلي القريب من دور نقباء بغداد وكأنه وضعه بسجن ثان قريب من السجن الأول، فقبل الألوسي الطلب وأجاب النقيب بما أراد، وإن كانت العيون يحصون عليه أنفاسه، ويعدون عليه حركاته، ووعظ في جامع الجبلي أكبر جوامع بغداد وأشهرها، فسار اسمه وذاع صيته وقصده القاصي والداني من الأهلين والموظفين والعسكريين والعلماء، ليستمعوا إلى مجلس وعظه ويستفيدوا من حسن محاضرته فطرقت أذن الوالي علي رضا المشهور بحريته الفكرية وحبه العلماء شهرته واسمه، فقصد جامع الجبلي وذلك في أواخر رمضان ليشاهد هذه الأعجوبة الذي تم سجنه على يده فخلب لبه وأسر سمعه فرضى عنه وصالحه وأمر أحد خاصته المدعو (عبد الرحمن الأعظمي) أن يجلب الألوسي معه إلى قصره - قصر الوالي - في اليوم الثاني من عيد الفطر.
وعند حضوره في اليوم الموعود قربه إلى مجلسه وحادثه بأرق الحديث وطلب منه التردد إلى قصره مرتين في الأسبوع، فكان الألوسي يزور الوالي الذي أعجب به كل الإعجاب وأعاد إليه وظائفه التي اغتصبت منه فألف له الألوسي رسالة جيدة أثبتت أن الألوسي من فلاسفة الحكم ومن ذوي الرأي في السياسة، فأجازا الوالي أبا الثناء بتولية أوقاف مدرسة جامع مرجان وتولية هذا الجامع مشروطة لأعلم أهل البلد وذلك في 17 محرم سنة 1249 ونال قبل التولية خطبة الجمعة والعيدين في جامع الجبلي، وبعد أن نال التولية أخذ يفر إلى جو الرفعة والكرامة - كما قال حفيده محمود شكري الألوسي - وفتحت له باب الأمل التي داعبها منذ كان يافعاً فنال رتبة علمية لها مغزاها العالي في ذلك الوقت وتلك الرتبة العلمية هي (تدريس الأستانة) التي صدرت بمرسوم سلطاني ولم تقف رتبه العلمية عند هذا الحد العظيم، بل نال أقصى ما يناله رجل العلم من الرتب العالية؛ إذ أن صديقه الشاعر العمري وصديق آخر بشراه أن الوالي علي رضا سينصبه مفتياً للمذهب الحنفي، وكان سروره عظيماً جداً إذ لبس بزة الإفتاء في 16 ذي القعدة سنة 1250 وبعد ما شاع لهذا الخبر الذي فرح به أنصاره واستاء له أعداؤه وحساده، هنأ الشعراء والأدباء والعلماء الذين شغفوا بالألوسي الكبير حباً وولاء.
وها نحن ننقل أبياتاً من قصيدتين لشاعري العراق في ذلك الحين وهما عبد الباقي العمري وعبد الغفار الأخرس يؤرخان الإفتاء ويمدحان المفتي.
وقال الأول: كالبدر طلعته والبحر راحته ...
والعزم والحزم مثل النار والجبل لو شاء باحث أهل العلم قاطبة ...
عن المذاهب والأديان والملل يا من به لاذت الفتوى فسجلها ...
وصانها عن جميع الزيغ والزلل من عين كل عدو يا مؤرخة ...
(محمود) قد يحرس الفتوى بعين (علي) وفي عجز البيت الأخير الذي أرخ سنة الفتوى تورية لطيفة باسمي الوالي والمفتي.
وقال الأخرس البغدادي: إن الشريعة فيك لابس تاجها ...
قوم وحامل سيفها صنديد وتتوف في كل العلوم فأرخوا ...
(نوفت بالإفتاء يا محمود) والألوسي الكبير بعد أن نال هذه الرتب العالية التي لا تصلح إلا له، وليس يصلح إلا لها - كما قال أبو العتاهية الشاعر وردت أسئلة علمية دقيقة من علماء فارس وفطاحل إيران، إلى علماء بغداد يطلبون إجابتها وحل غوامضها، فأجاب عليها شهاب الدين مفتي بغداد، جوابا شافياً مقنعاً أسكت السائلين والمتحدين برسالة علمية جليلة، وبعد أن ذهب رسول علماء فارس جاءت الألوسي الكبير رسالة تهنئة مشفوعة بوسام سلطاني (نشان افتخار) من (استنبول) فزين صدر الألوسي بالوسام، أو أزدان الوسام بصدر الألوسي. تقلد الألوسي رتبة الإفتاء، ونال الرتب العلمية العالية، وهو لم يتجاوز الثلاثين ربيعاً إلا قليلاً، فكانت صفحة جديدة من حياته تطفح بالهناء والسعادة، نالها الألوسي الكبير - وهو الأهل لها - بصبره ومصابرته وقابليته العلمية.
وفي هذه الفترة من حياة الألوسي اشترى داراً فخمة في أشهر محلات بغداد (محلة العاقولية) كما جلب له الخدم والحاشية، على الأصول المتبعة في عصره.
والألوسي مع ما نال من اسم وثراء ومكانة اجتماعية، لم ينس إخوانه وأبناءه رجال العلم وطلبته، بل على العكس ازدادت رعايته لهم، وعنايته بهم، إذ خصص قسماً من داره الكبيرة للطلبة الغرباء يقدم لهم فيه الغذاء والكتب والخدمات الأخرى مجاناً ومن جيبه الخاص فأمست داره مدرسة هو عميدها وبيته بنايتها كما أمست بغية لطلبة العلم من سائر أنحاء العراق والأقطار الإسلامية وقد بلغت دروسه أربعة وعشرين درساً في اليوم وكانت داره العامرة مجمعاً علمياً وندوة للشعر، يحضرها العمري وعبد الغني والأخرس وأحمد عزت والتميمي والواعظ وغيرهم وغيرهم، من جلة القوم وأعيان البلد.
.
وفي أواخر فترة الإفتاء بدأ بتأليف تفسيره الخالد (روح المعان) وكان هذا سبباً لأن تصبح دروسه في اليوم ثلاثة عشر درساً، وبقى يفتي ويدرس ويؤلف مدة زادت على ثلاث عشرة سنة. للكلام صلة محمود العبطة

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١