دفاع الشيخ عن عرضه
للكاتب الإنكليزي سيرجون وارد
للأستاذ محمد لطفي جمعة
جلس لورد آشلي أوف بلاكبوري كاسل وهيلدا بريكفيلد وارثة بارون أوف كليرمونت، ينظران إلى الشفق، وقد توارت الشمس بالحجاب، وقد هبط عليهما وحي الحب، وسرت فيهما نشوة الغرام، إذ رآهما الشفق ضجيعي لذة وصبوة، وكان لكل منهما ما ذكره بماضي مباهج الحياة. وكانا مجتمعين خلسة في غيبة والدها بارون أوف كليرمونت الذي كان يعارض في زواجها من حبيبها لورد آشلي، الشاب الذي قضى معظم شبابه في المغامرات والفروسية، ومناصرة الملك شارل على ويليام أوف أورانج، الذي غزا البلاد، واغتصب العرش والتاج. وإذ كانت الفتاة والفتى يرتشفان كأس السعادة في تلك الخلوة التي كانت حلمًا من الأحلام، فزعت واستيقظت من غفوة الهناء، على غير انتظار. وماذا رأت؟ ويا هول ما رأت! أي عينين هاتان البراقتان؟ هما حقًا عينا أبيها البارون الشيخ نصير ويليام أوف أورانج، وأحد أبطال الموقعة الحاسمة التي خضبت دماء هاستنجز بالدماء، وأقصت الملك الشرعي عن البلاد.
ثم صرخت اللادي الشابة ناهضة وخرَّت صارخة وقد تنازعها الحزن والفرح، وتوزعها الخوف والرجاء؛ وإنها على فرط حبها أباها لم تملك أن شعرت عند رؤيته بفزع ورعب منه وهو يراها بين ذراعي حبيبها الذي يبغضه ويمقته ويتربص به الدوائر، بعد أن أقصاها عنه وحرم عليها اللقاء، فثار لورد آشلي لصيحة حبيبته وأمسكها ساقطة ثم عمد إلى الجدار، فتناول حسامه بأسرع من اللمح ليحمل على الذي سبب كل ذلك الرعب. وكان البارون المسنُّ والشيخ الهم لا يزال صامتًا، فلما رأى الفتى يجرد حسامه ويستعد لنزاله ابتسم هازئًا وقال:
(إن بأدْنى مسمع مني ألوفًا يحملون البيض المشرفية، والسمر السمهرية، فضع سيفك يا فتى، ولا تكن غرًا أحمق!)
وتشبثت اللادي هيلدا بآشلي وصاحت: (إنه أبي.
فاركع له معي، لعله يغفر لنا ويصفح عنا - وكانت هذه علة رجائها - نعم! ما أراه إلا فاعلًا ذلك.
نعم سيغفر لنا ويصفح عنا. ) ثم استدارت نحو الشيخ النبيل وقالت له:
- (أبتاه! أخليق بك أن تجعل للخوف والشك في صدر ابنتك موضعًا ومجالًا؟ أخليق بك أن تدعَ الرعب يلاطم الأمل في فؤادي، وتترك الريب يزاحم الثقة في قلبي؟ أبتاه! اصنع بابنتك ما تشاء واعف عن هذا الغلام، فأنا التي أمَّنته وشجعته على هذا اللقاء!)
ولكن البارون الشيخ وقف ثابت الركن شامخ الأنف، أصيد مهيبًا، وقور الجانب، محصن النفس من كل ما عساه يهجم على القلب من دواعي الحنان وعوامل الرحمة. وكان عدا ذلك المظهر قوي الصوت، سديد النظر، ساكن الأوصال - وهي علائم ضمير ليس بالساكن ولا الهادئ - وكذلك جعل يرنو إلى ابنته ولا يجيبها، ثم التفت إلى آشلي وكان الدم في وجنة الفتى يذهب ويجيء، وقد قام متأهبًا للحملة على من عسى يلي دعوة الشيخ من خوله وجنوده وعسسه وأحراسه. وكانوا جميعًا أشداء ذوي بأس وأسر متين
وقال البارون كرة أخرى: ضع سيفك يا غلام، فقال الفتى: لا! مادام هذا الساعد مطلقًا! فابيضت وجنة الشيخ، لا رهبة ولا فزعًا، ثم استخرج من نطاقه مسدسًا فقال: (على رأسك إذن دمك!) ثم أقبل يتأمل الزناد فألفاه صالحًا حديث العهد بالقدح.
وبعد ذلك أقبل يُهيئه للرمية القاضية.
وكان لتلك التهيئة صليل يخشى وقعه في الأذن وهو نذير الردى. تهيأ الشيخ للإطلاق، ولو أطلق لوقف شيئين معًا: حياة اللورد الشاب عاشق كريمته، وبراعة المؤرخ، كاتب هذه الأسطر، ولختم شيئين معًا: عمر الفتى وقصتنا التاريخية، ولكن هيلدا وهي أشد من أبيها عنادًا وأنفذ صرامةً وأصعب شكيمة، ألقت بنفسها دون الغلام وصاحت:
(إذن إلى كبدي فلتسددن سهمك أو قذيفتك النارية، فتلتقي جذوتان!. فإنها خطيئتي لا خطيئته، وما كان مجيئه هذا القصر عمدًا، وإنما طوح به إليه القدر، بعد المعركة التي خرجت منها ظافرًا، وأوردته صروف الزمان. وقد أعطيته ذمتي وعهدي، وما كنت قط للعهد بخافرة ولا للوعد بمخلفة. وإني لأحبه فوق ذلك، وأفديه بنفسي وأقيه بمهجتي.
إنني يا والدي أعرف صرامتك، وأردت أن أعرفك صرامة ابنتك، وإن وراثتنا لا تكذب، والدم الذي يجري في عروقك وعروقي لا يخون!)
لقد كانت الفتاة منذ لحظة كلها رحمة ورقة ولين وطفولة بريئة ونعومة طاهرة، ساجية الطرف، خافقة الأحشاء، فإذا هي كلها جرأة وإقدام، راسخة الوطأة، سامية النظر، كأنها قدت من الصخر الأصم أو هي الطود الأشم!
وكانت هيلدا بريكفيلد بارونس أوف كليرمونت مديدة القامة، فأتلعت وتطاولت تعاليًا وخيلاء.
وصادمت لحاظ أبيها من لحظاتها بما هو أشد وأقسى، ولكنها لم تمد يدًا لمنع الشيخ مما ظل يحاول، لأنها لم تخف عادية الردى، كأنها ترتاح لطارق الموت وتهش للأجل المتاح، وجعل الوالد ومن ولد يتبادلان النظر. فما كان أعجب قرب الشبه بينهما، يا لهما من أسد وفلذة كبده!
وتوقف البارون برهة، ثم رد سلاحه إلى نطاقه، ولكنه وقف يقذفها بنظراته كأنما يريد أن يفضي ببصره إلى مخبآت ضميرها ثم قال:
ما أنا من أراد بهذا الغلام سوءًا، وما أنا من جلب ما قد ترينه الآن من الشر والأذى، وقد يندر من يصاب بمثل ما نالني من انتهاك الحرمة والغدر فلا يسفك دمًا ولا يزهق نفسًا
بيد أني سأفعل الواجب وإن أخللت أنت به وأشأت أداءه. فليلقين حسامه وإلا ورأس أمك لأدعن رأسه على هذه الأرض تثب وتتدحرج وتصبغ الصخر باللون القرمزي
ثم رفع البارون بوقه إلى فمه فنفخ فيه، وإذا ببوق يجيبه من خارج القصر ودخل عشرون رجلًا مدججًا يعدون مسرعين على رأسهم قائد وصاح البارون (اقبضوا على الغلام أو اذبحوه. واجتذب الشيخ الفتاة إليه بأسرع من لمح البصر وحال الجند بينها وبين حبيبها فجاهدت عبثًا أن تتملص من قبضة أبيها. وكيف وقد كان التفاف ذراعيه حولها كالتفافة الأفعوان؟ وشد الجند على لورد آشلي شدة فارس واحد. ولكن آشلي حمل بالسيف على أولهم فشق كتفه وألقاه يتخبط في دمه، وعلى الثاني فشج وجنته. أما الثالث وكان سيافًا حاذقًا فقد جعل يروغ من ضربات قرنه اللورد الشاب حتى أصاب غرة منه فضربه فجندله صريعًا ينضح دماء من طعنتين إحداهما في الذراع والثانية في الرأس، ثم غَلُّوه حيث خَرَّ وأخذوه من الحجرة وأومأ لهم البارون الموتور أن امضوا به إلى الساحل حيث كانت سفن ترحل وتبحر فأودعوه زورقًا وأعملوا المجاديف حتى بلغوا السفن، وكانت منضودة صفًا فوضعوه في إحداها. أما الفتاة بعد أن رأت حبيبهًا جريحًا أسيرًا، فقد غشي عليها، وما زالت في ذبول ونحول اثنتي عشرة ليلة ثم أسلمت الروح بلا أنَّة ولا زفرة.
محمد لطفي جمعة
دفاع الشيخ عن عرضه
للكاتب الإنكليزي سيرجون وارد
للأستاذ محمد لطفي جمعة
جلس لورد آشلي أوف بلاكبوري كاسل وهيلدا بريكفيلد وارثة بارون أوف كليرمونت، ينظران إلى الشفق، وقد توارت الشمس بالحجاب، وقد هبط عليهما وحي الحب، وسرت فيهما نشوة الغرام، إذ رآهما الشفق ضجيعي لذة وصبوة، وكان لكل منهما ما ذكره بماضي مباهج الحياة. وكانا مجتمعين خلسة في غيبة والدها بارون أوف كليرمونت الذي كان يعارض في زواجها من حبيبها لورد آشلي، الشاب الذي قضى معظم شبابه في المغامرات والفروسية، ومناصرة الملك شارل على ويليام أوف أورانج، الذي غزا البلاد، واغتصب العرش والتاج. وإذ كانت الفتاة والفتى يرتشفان كأس السعادة في تلك الخلوة التي كانت حلمًا من الأحلام، فزعت واستيقظت من غفوة الهناء، على غير انتظار. وماذا رأت؟ ويا هول ما رأت! أي عينين هاتان البراقتان؟ هما حقًا عينا أبيها البارون الشيخ نصير ويليام أوف أورانج، وأحد أبطال الموقعة الحاسمة التي خضبت دماء هاستنجز بالدماء، وأقصت الملك الشرعي عن البلاد. . . ثم صرخت اللادي الشابة ناهضة وخرَّت صارخة وقد تنازعها الحزن والفرح، وتوزعها الخوف والرجاء؛ وإنها على فرط حبها أباها لم تملك أن شعرت عند رؤيته بفزع ورعب منه وهو يراها بين ذراعي حبيبها الذي يبغضه ويمقته ويتربص به الدوائر، بعد أن أقصاها عنه وحرم عليها اللقاء، فثار لورد آشلي لصيحة حبيبته وأمسكها ساقطة ثم عمد إلى الجدار، فتناول حسامه بأسرع من اللمح ليحمل على الذي سبب كل ذلك الرعب. وكان البارون المسنُّ والشيخ الهم لا يزال صامتًا، فلما رأى الفتى يجرد حسامه ويستعد لنزاله ابتسم هازئًا وقال:
(إن بأدْنى مسمع مني ألوفًا يحملون البيض المشرفية، والسمر السمهرية، فضع سيفك يا فتى، ولا تكن غرًا أحمق!)
وتشبثت اللادي هيلدا بآشلي وصاحت: (إنه أبي. . . فاركع له معي، لعله يغفر لنا ويصفح عنا - وكانت هذه علة رجائها - نعم! ما أراه إلا فاعلًا ذلك. . . نعم سيغفر لنا ويصفح عنا. . .) ثم استدارت نحو الشيخ النبيل وقالت له:
- (أبتاه! أخليق بك أن تجعل للخوف والشك في صدر ابنتك موضعًا ومجالًا؟ أخليق بك أن تدعَ الرعب يلاطم الأمل في فؤادي، وتترك الريب يزاحم الثقة في قلبي؟ أبتاه! اصنع بابنتك ما تشاء واعف عن هذا الغلام، فأنا التي أمَّنته وشجعته على هذا اللقاء!)
ولكن البارون الشيخ وقف ثابت الركن شامخ الأنف، أصيد مهيبًا، وقور الجانب، محصن النفس من كل ما عساه يهجم على القلب من دواعي الحنان وعوامل الرحمة. وكان عدا ذلك المظهر قوي الصوت، سديد النظر، ساكن الأوصال - وهي علائم ضمير ليس بالساكن ولا الهادئ - وكذلك جعل يرنو إلى ابنته ولا يجيبها، ثم التفت إلى آشلي وكان الدم في وجنة الفتى يذهب ويجيء، وقد قام متأهبًا للحملة على من عسى يلي دعوة الشيخ من خوله وجنوده وعسسه وأحراسه. وكانوا جميعًا أشداء ذوي بأس وأسر متين
وقال البارون كرة أخرى: ضع سيفك يا غلام، فقال الفتى: لا! مادام هذا الساعد مطلقًا! فابيضت وجنة الشيخ، لا رهبة ولا فزعًا، ثم استخرج من نطاقه مسدسًا فقال: (على رأسك إذن دمك!) ثم أقبل يتأمل الزناد فألفاه صالحًا حديث العهد بالقدح. . . وبعد ذلك أقبل يُهيئه للرمية القاضية. . . وكان لتلك التهيئة صليل يخشى وقعه في الأذن وهو نذير الردى. تهيأ الشيخ للإطلاق، ولو أطلق لوقف شيئين معًا: حياة اللورد الشاب عاشق كريمته، وبراعة المؤرخ، كاتب هذه الأسطر، ولختم شيئين معًا: عمر الفتى وقصتنا التاريخية، ولكن هيلدا وهي أشد من أبيها عنادًا وأنفذ صرامةً وأصعب شكيمة، ألقت بنفسها دون الغلام وصاحت:
(إذن إلى كبدي فلتسددن سهمك أو قذيفتك النارية، فتلتقي جذوتان!. فإنها خطيئتي لا خطيئته، وما كان مجيئه هذا القصر عمدًا، وإنما طوح به إليه القدر، بعد المعركة التي خرجت منها ظافرًا، وأوردته صروف الزمان. وقد أعطيته ذمتي وعهدي، وما كنت قط للعهد بخافرة ولا للوعد بمخلفة. وإني لأحبه فوق ذلك، وأفديه بنفسي وأقيه بمهجتي. . . إنني يا والدي أعرف صرامتك، وأردت أن أعرفك صرامة ابنتك، وإن وراثتنا لا تكذب، والدم الذي يجري في عروقك وعروقي لا يخون!)
لقد كانت الفتاة منذ لحظة كلها رحمة ورقة ولين وطفولة بريئة ونعومة طاهرة، ساجية الطرف، خافقة الأحشاء، فإذا هي كلها جرأة وإقدام، راسخة الوطأة، سامية النظر، كأنها قدت من الصخر الأصم أو هي الطود الأشم!
وكانت هيلدا بريكفيلد بارونس أوف كليرمونت مديدة القامة، فأتلعت وتطاولت تعاليًا وخيلاء. . . وصادمت لحاظ أبيها من لحظاتها بما هو أشد وأقسى، ولكنها لم تمد يدًا لمنع الشيخ مما ظل يحاول، لأنها لم تخف عادية الردى، كأنها ترتاح لطارق الموت وتهش للأجل المتاح، وجعل الوالد ومن ولد يتبادلان النظر. فما كان أعجب قرب الشبه بينهما، يا لهما من أسد وفلذة كبده!
وتوقف البارون برهة، ثم رد سلاحه إلى نطاقه، ولكنه وقف يقذفها بنظراته كأنما يريد أن يفضي ببصره إلى مخبآت ضميرها ثم قال:
ما أنا من أراد بهذا الغلام سوءًا، وما أنا من جلب ما قد ترينه الآن من الشر والأذى، وقد يندر من يصاب بمثل ما نالني من انتهاك الحرمة والغدر فلا يسفك دمًا ولا يزهق نفسًا
بيد أني سأفعل الواجب وإن أخللت أنت به وأشأت أداءه. فليلقين حسامه وإلا ورأس أمك لأدعن رأسه على هذه الأرض تثب وتتدحرج وتصبغ الصخر باللون القرمزي
ثم رفع البارون بوقه إلى فمه فنفخ فيه، وإذا ببوق يجيبه من خارج القصر ودخل عشرون رجلًا مدججًا يعدون مسرعين على رأسهم قائد وصاح البارون (اقبضوا على الغلام أو اذبحوه. واجتذب الشيخ الفتاة إليه بأسرع من لمح البصر وحال الجند بينها وبين حبيبها فجاهدت عبثًا أن تتملص من قبضة أبيها. وكيف وقد كان التفاف ذراعيه حولها كالتفافة الأفعوان؟ وشد الجند على لورد آشلي شدة فارس واحد. ولكن آشلي حمل بالسيف على أولهم فشق كتفه وألقاه يتخبط في دمه، وعلى الثاني فشج وجنته. أما الثالث وكان سيافًا حاذقًا فقد جعل يروغ من ضربات قرنه اللورد الشاب حتى أصاب غرة منه فضربه فجندله صريعًا ينضح دماء من طعنتين إحداهما في الذراع والثانية في الرأس، ثم غَلُّوه حيث خَرَّ وأخذوه من الحجرة وأومأ لهم البارون الموتور أن امضوا به إلى الساحل حيث كانت سفن ترحل وتبحر فأودعوه زورقًا وأعملوا المجاديف حتى بلغوا السفن، وكانت منضودة صفًا فوضعوه في إحداها. أما الفتاة بعد أن رأت حبيبهًا جريحًا أسيرًا، فقد غشي عليها، وما زالت في ذبول ونحول اثنتي عشرة ليلة ثم أسلمت الروح بلا أنَّة ولا زفرة.
محمد لطفي جمعة