عين الرضى وعين السخط

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني هل صحيح ما يقول الشاعر أن عين الرضى عن كل عيب كليلة.

لا أدري فقد صار كل شئ يحيرني، وما من أمر إلا أراني يبدو لي فيه رأيان أو مذهبان لطول ما عودت نفسي أن أنظر إلى (الجانب الآخر) فلو أني كنت قاضيًا لظلت أحكامي تدور في نفسي ولا يجري بها لساني أو يخطها قلمي.
وليس هذا من التردد، فأن من كان ضيق الصدر متنبه الأعصاب مثلي قلما يتردد.
وما أكثر ما يؤثر الجزم والبت وإن كان في شك من الصواب كبير.
ولكنما هذا من حب الموازنة والرغبة في إنصاف كل جانب من جوانب الرأي.
وقد قلت لنفسي وأنا قاعد أتدبر قول هذا الشاعر القديم إن أعظم الرضى رضى المرء عن نفسه.
أم ترى هذا ليس من الرضى.
.
لا أدري أيضًا.
.
وأخشى أن أظل لا أدري فلا أخرج بشيء أبدًا.

ولو أني أعطيت نفس إنسان غيري لما قبلت؛ ومع ذلك لا تخفى علي عيوبي ونقائصي من مادية وأدبية، ومن بدنية أو نفسية أو عقلية، فأنا أعلم أني.

.
ولكن هل من الضروري أن أفضح نفسي وأهجوها إلى الناس.

ومن دلائل الرضى عن النفس على الرغم من الإحاطة بعيوبها، والفطنة إلى مواطن الضعف والنقص فيها أني أستخف بهذه العيوب ولا أبالي أن أذكرها، ولا أعبأ شيئًا إذا رأيت الناس يعرفونها كما أعرفها؛ وأني لأدرك بعقلي أنها نقائص ومذام ولكني أراني اتخذ أحيانًا من المعالنة بها مفخرة ومحمدة، ولست أستخف بها في الحقيقة ولكنما أحاول تهوينها على نفسي حتى لا يكربني أمرها، ولأظل محتفظا بحبي لنفسي ورضاي عنها وغروري بها، وحب النفس من حب الحياة وتذكرت وأنا أقلب هذا وأديره في رأسي مقالا أو فصلا لأديسون الكاتب الإنجليزي المعروف - أم ترى لا يقرأه أبناء الجيل الجديد - يتصور فيه أن الله جلت قدرته أذن للناس أن يخلعوا ويرموا ما لا يرضيهم من أجسامهم، فهذا رمى أنفه وذاك آخر ألقى أذنيه، وأخرج الثالث عينيه وقذف بهما، ونزع رابع ساقه وطرحها؛ وهكذا حتى صارت الأعضاء والجوارح المرمية المزهود فيها كومًا عاليًا.
وعاد الله فأذن لهم أن ينتقي كل واحد من هذا الكوم بديلًا مما زهد فيه ورماه فأقبلوا يقلبون ويبحثون وأخذ كل واحد ما أعجبه ووضعه موضع العضو المنزوع، ثم نظروا بعد ذلك إلى أنفسهم فلم يعجبهم حالهم ولم يرضوا عن أنفسهم واستبشعوا ما أخذوا بديلًا مما نزلوا عنه فجأروا بالشكوى إلى الله تعالى وتوسلوا إليه أن يأذن في أن يسترد كل منهم أعضاءه الأصلية.
فتقبل الله دعاءهم رحمة منهم بهم، فما أسرع ما خلعوا ما استعاروا واستعادوا ما كانوا يسخطون عليه ويتبرمون به! وهذه القصة الخيالية تدل على أن المرء لا يسعه إلا أن يفطن إلى حقيقة نفسه، ولكن إدراكه لعيوبه لا يمنع الحب الإيثار.
وأحسب أن من هنا ما يسمونه (مركب النقص) أي معالجة الإنسان مداراة عيب يثقل على نفسه الشعور به، ومحاولة تعويضه من ناحية أخرى، والمقارنة والامتحان هما باب المعرفة، ولا سبيل إلى هذا الذي يسمى (مركب النقص) إلا بعد المعاناة أي الامتحان والمقارنة ولو امتنعت أسباب المعاناة والمقارنة بينه وبين غيره لما شعر المرء بنقص في نفسه أو في بدنه، ولما أحس الحاجة إلى مداراة النقص وستر العيب بإلتماس الصحة أو القوة في ناحية أخرى. وأراني لا تخفى عليّ عيوب أبنائي وهم أحب إلى خلق الله إلي بعد نفسي كما لا أحتاج أن أقول فما أعدل بنفسي أحدًا، وما أكثر ما سمعت أمي رحمها الله تقول إذا رأتني أشكو ألمًا إنها تؤثر أن تكون هي المصابة، وأحيانًا كنت أسمعها تدعو الله أن يتوفاها قبلي فأنكر هذا عليها في سري وأعجب كيف يمكن أن يتمنى إنسان أن يموت قبل غيره.
هذا إحساس لا أستطيع أن أدعيه.
ولو أني خيرت أن أموت قبل أولادي أو أن يموت أولادي قبلي لما رآني أحد أتردد أو أتحير، وربما أظهرت التردد نفاقًا وسترًا للأنانية الصارخة، ولكن هذا لا يكون مني إلا نفاقًا وكذبًا على الله والناس لا أكثر ولا أقل.
وكثيرًا ما سألت نفسي أترى الرجل غير المرأة؟ وأنا أؤمن بأن أمي كانت مخلصة صادقة السريرة، وقد كانت الدنيا كلها لا تعدل عندي قلامة ظفر من أصغر إصبع في رجلها.
فهل تراها لو أن الأمر كان جدًا لا تتردد في إيثاري على نفسها؟ من يدري؟ الرجل غير المرأة على التحقيق.
.
وشعور الأب غير شعور الأم، هي حملته تسعة أشهر على قلبها فهي تحس أنه قطعة منها بالمعنى الحرفي لا مجازًا، ومن أين يتأتى للرجل مثل هذا الشعور وهو لم يعان شيئًا ولا يدري أكثر من أن امرأته جاءته بغلام أو بنت قد لا يكون له رغبة فيه أو فيها.
فأنا أستطيع أن أصدق هذا الإيثار من المرأة، ولكني لا أستطيع أن أصدق أن يكون الرجل مثلها إيثارًا لأبنه على نفسه - على الأقل فيما يمس الحياة - إلا إذا كانت نسبة عناصر الأنوثة في نفسه كبيرة. ويحضرني الآن بيت قلته من قصيدة نسيتها وأظنه كان ختام القصيدة وهو: ألا ليتني في الأرض آخر أهلها ...
فاشهد هذا النحبَ يقضيه عالَمُ وعيب البيت في نظري أن فيه مغالطة واضحة - على الأقل لي - ذلك أني لا أتمنى أن أكون آخر من يبقى في الدنيا لأرى كيف يفنى العالم، بل لأني لا أريد أن أترك الدنيا، فأن كان لا بد من تركها والخروج منها، فلتخرب قبلي أو فليكن موتي هو الإيذان بخرابها وإمحاء هذا العالم كله.
ولم أستطع وأنا أنظم البيت أن أختزل كل هذا في شطر واحد فجاء البيت غير دقيق في التعبير عن حقيقة ما في نفسي وقد أحببت مرات عديدة - لا عداد لها في الحقيقة فأني أبدًا كما قال في الأستاذ العقاد: (أنت في مصر دائم التمهيد ...
بين حب عفا وحب جديد)
والسبب في ذلك أن عمر الحب عندي لا يطول إلا ساعة أو ساعتين أو ليلة أو ليلتين - إلى أن أمل والسلام - وما من واحدة أحببتها إلا تمنيت على الله أن يهبني القدرة لأصلح بعض ما لا أرضى عنه فأملأ هذا الساق وأديرها، وأعالج الترهل الذي يبدو لي في الثديين مثلا أو الردفين، وأصلح الأنف، وأخفف النتوء الذي في أرنبته، وأرسم الحاجبين رسمًا جديدًا يكون أقرب إلى ذوقي ورأيي في التناسب، وأعالج نفسها أيضًا علاجي لبدنها وهكذا إلى آخره، فما بي حاجة إلى الإطالة، وليس هذا من الاعتراض على خلق الله سبحانه وتعالى.
.
حاشا وكلا.
.
وإنما هو من اشتهاء الكمال كما أتصوره، ولا كمال في الدنيا مع الأسف وقد صدق الشاعر في الشطر الثاني من بيته كما لم صدق في شطره الأول فما من شك أن عين السخط تبدي المساوي.
وثم عيون أخرى عديدة تبدي المساوي غير عين السخط، وفي وسعنا أن نتسامح مع الشاعر المسكين وأن نقول أنه يعني بين السخط عينا تبدي المساوي، وأنه لم يرد القصر ولا التخصيص وأسأل نفسي وأنا أكتب هذا الفصل: (ماذا أخطر ببالك هذا البيت؟) والحقيقة أني لا أدري سوى أني أردت أن أكتب كلاما فحضرني هذا البيت، فما أكثر الكلام الفارغ وما أسرعه إلى اللسان. إبراهيم عبد القادر المازني

شارك المقال

ساهم - قرآن ٣
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت