أرشيف المقالات

أبو خليل القباني

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 باعث نهضتنا الفنية وتقويض أركان مسرحه بدمشق للأستاذ حسني كنعان (تابع) نقل الوالي (صبحي باشا) الذي كان يعطف على القباني ويشجعه في عمله الفني والترفيه عنه وتحسين مسرحه، وأقيم مقامه حمدي باشا في دمشق، ثم نقل هذا الباشا وأقيم مقامه غيره، وما من وال أتى دمشق إلا كان مناصراً ومشجعاً وآخذاً بيد هذا القباني. وكان معجباً بعظيم فنه، ولكن الولاة هنا كانوا متفاوتين ومتباينين في التشجيع، فالبعض منهم كان يشجعه لنصرة الفن ونهضة البلاد وتغذية العقول وتنويرها، والبعض كان يشجعه لمرام وغايات سياسية القصد منها إشغال الشعب ولهوه وصرفه عن النظر للمعايب وكشف العورات، إلى أن آل الأمر في ولاية دمشق إلى الوالي (مدحت باشا) ذلك الداهية التركي المعروف صاحب حادثة الطائف وصاحب المواقف العظيمة في المناداة بالحرية والعدالة والمساواة. والغالب على الظن أنه أقصى عن دار الخلافة إقصاء وأبعد إلى دمشق خشية استشراء حركته التحريرية وقتئذ. وخنق في الطائف بتحريض الحاكم بأمره جبار بني عثمان.
وكان هذا الوالي من كبار ساسة الأتراك وعظماء رجالاتهم، وقد مكث في دمشق أربع سنوات على التحقيق عمل فيها من الإصلاح والتشييد والبناء ما خلد له في هذه الديار أعظم الذكر، وهو الذي خط (سوق مدحت باشا) جعل بدايته من باب الجابية ونهايته في أول حي الخراب الموصل إلى باب توما وحي اليهود، وإلى هذا فقد أصلح المساجد وعبد الطرقات ووسع الشوارع وأكثر من فتح المدارس، فازدهرت دمشق في زمانه أيما ازدهار، فأحبه أهلها وعرفوا فضله وما فتئوا حتى الآن يذكرونه بكل خير ومكرمة، ويتحدثون عن إصلاحاته وأعماله، ولا تزال السوق التي أقامها هنا تكنى باسمه إلى هذا اليوم وهي م أكبر أسواقنا التجارية، وتضارع بشهرتها سوق الحميدية. رأى هذا الداهية المجرب أهل دمشق غارقين في ليالي القباني وحفلاته فوجدها فرصة سانحة للإصلاح والعمران، وأراد أن يزيدهم مما هم فيه من لهو ومتعة، فأدنى القباني من مجالسه، وصار يتردد على مسرحه وينشطه كما كان يفعل سلفه (صبحي باشا) وكان يجلسه في مجالسه الخاصة بجانبه ويغدق عليه المنح والأعطيات حتى غدا لديه من أقرب المقربين يستشيره في أمور البلد ويركن له ويعول عليه، لأنه رأى فيه صفات الفنان المخلص لفنه المولع بعمله، وقد لقبه بلقب (كوميدي) الشرق.
لم يطل بقاء مدحت باشا في دمشق كما طال أمد سلفه، ولكنه في خلال هذه المدة الوجيزة التي وجد فيها خلف من الآثار العمرانية والأعمال والإصلاحية ما يعجز عن الإتيان يمثلها من أقاموا في دمشق السنين الطوال من الولاة والحاكمين، وفي سرحة من سرحات ذلك الفلم المدنف نقل مدحت باشا من دمشق، وأقيم مقامه (الوالي فاضل باشا). وكان هذا الوالي ضعيفاً خائر العزائم مفلك الأعصاب يفزع من خياله، فاغتنم خصوم القباني فرصة ضعف هذا الحاكم، وأخذوا يدسون عليه، ويناوئونه في عمله حسداً ولؤماً وغيرة فوجدت وشاياتهم وتخرصاتهم عنده آذاناً صافية، وقلباً واعياً. وكانوا من الأشرار الذين تآكلت أكبادهم من السل حسداً وخسة ودناءة. فبدا القباني أن يترضى هذه الفئة الخطوة بالمال والرشوة وبإعطائهم بطاقات دائمية يدخلون بها المسرح من غير أجرة إسكاناً لهم وإخراصاً لأفواههم، فوجدوا بهذا الصنيع باباً للكسب، جرأهم على طلب المزيد منه، وجرأ غيرهم على اقتفاء آثارهم، وبعد أن كان القباني ينفق ثلاثة أرباع دخله على المسرح وترقيته وجلب الناقص إليه غداً ينفق هذا الفائض من الدخل على إسكات الخراصين الهمازين المفسدين، فطمع فيه الناس وهان على خصومه أمره، فأفسدت عليه هذه البادرة عمله، ولم تقتصر هذه الرشوات على تلك الفئة من أنباء البلاد والزكونية والقبضايات أمثال (أبو قاعود، وأبو زطام، وأبو اصطيف) بله تعدتهم إلى الشيوخ الانتهازيين المرتزقين الذين لا يراعون إلا ولا ذمة، فصاروا إذا ما بدا منه قصور في هذا الباب أثاروا الدهماء عليه من سواد الأمة وسوقتها باسم الدين، وقديماً كان وثر الدين في مثل هذه المواقف حساساً يستولي به الخاصة على العامة. أما في هذه الأيام فقد قامت الوطنية مقام الدين في مثل هذه الأيام فقد قامت الوطنية مقام الدين في مثل هذه الحالات وتضاءل تأثير ولذا قال أحدهم في هذا المعنى: أحبولة الدين راكت من تقادمها ...
فاعتاض عنها الورى أحبولة الوطن وكان الوالي الباشا منهمكاً في تثبيت مركزه وإشغال أهل الشام عنه بغيره، فراق له هذا النزاع القائم في الشام ما بين جماعة القباني ومريديه وما بين خصومه وحساده، فأضرم النار وأذكاها ليلهيهم عنه على قاعدة فرق تسد، فانقسم الناس في هذا السبيل إلى قسمين، قسم بجانب القباني يناصره ويسانده، وهو الطبقة الراقية المثقفة في البلاد، وقسم يناهضه ويعاكسه وهي طبقة الرعاع والجامدين والرجعيين.
فاشتد الأمر على القباني وعظم الكرب وحار في أمره. وكانت المهاترات والتراشق بالحجارة والشتائم توجه إليه وإلى أنصاره كلما أبصره خصومه صبحاُ ومساء. وكانت كثيراً ما تقع الواقعة ما بين أهل باب السريحة مسقط رأسه وباب الجابية التي نشأ فيها وترعرع، وما بين حي العمارة والقيصرية مواطن خصومه ومنافسيه، فيقتلون من أجله بالحجارة والمدى والخناجر، وتتقلب ساحات هذه الأحياء إلى ساحات قتال تنذر بأفدح العواقب وأسوأ الخواتم.
ولقد خرجت هذه الخصومات عن كونها داخلية صرفة، فانتقلت أخبارها إلى الخارج. ولما رأى المنافسون أن لا قدرة لهم على تقويض أركان مسرح القباني، ودك معالمه ومنع صاحبه من مزاولة العمل نظراً لدفاع الرأي العام الواعي المثقف عنه ألفوا وفداً وعلى رأسه ابن الغبرة الشيخ سعيد، وكان شيخاً متحذلقاً ثرثاراً وهو أشد خصومه عليه قسوة ونقمة وكيداً وحسداً. ركب هذا الوفد المتظلم المستعدي البحر ووجهته دار الخلافة العثمانية (استنبول) عاصمة الدولة، ولما وصل هذا الوفد إلى دار الخلافة مكث فيها مدة وهو يحتال للوصول إلى مقر السلطان دون جدوى، لأن الوصول إلى (عربسة) الأسد وقتئذ أهون من الوصول إلى مقر عبد الحميد نظراً لكثرة الاحتياطات والرقباء والعيون والأرصاد المنثبة حوله.
ولما يئس الوفد من مقابلة الداهية الجبار هم بالعودة من حيث أتى، بيد أن أعصاب رئيسه السيد الغبرة الفولاذية لم تطاوعه على العودة إلى الشام دون أن ينال من صاحبه ويلحق به الأضرار التي ينتظرها له. وبينما هو يفكر في أمره إذا به يسمع من أحد أطراف الحاشية التابعة (لبلديز) أن السلطان سيصلي صلاة العيد في أيا صوفيا، ففرح هذا المنافس الماكر فرحاً شديداً لهذا النبأ، وأزمع أن يرفع إليه شكواه وهو في طريقه إلى المسجد مهما كلفه الأمر، وقد أعد لهذا الأمر عدته وهيأ له أسبابه. وبينما كان موكب المليك ماراً في عربته الفخمة التي يجرها الخيول المطهمة الرافلة في أبهى وأجمل أحلاس الدمسق والحرير والأطاس، وفي أعناقها القلائد الذهبية والفضية مدلاة تمشي بنعالها الذهبية مشية الطاووس زهواً وتيهاً بما تحمله، إذا بصوت يدوي كالرعد مرجحناً من أعلى شرفة مطلة على الموكب يجأر صاحب الصوت بقوله: يا مليك الزمان وصاحب العرش والصولجان، يا خادم الحرمين الشريفين وإمام القبلتين، يا أمير المؤمنين وخليفة سيد المرسلين إن الشام التي أحبتك وذابت أكبادها تحناناً إلى ظليل عرشك أوفدت هذا الوفد إليك تستعديك على عدوك وعدو الله هذا القباني الأفاق المستعبد الذي أحدث خروقاً في الدين بترقيصه الفتيان المرد على المسارح وتهريجه وتمثيله مما لم تطق الشام على مثله صبراً، يحدث في عصر أنت فيه الإمام الأوحد والركن المشيد، فأنقذنا يا رعاك الله من هذا البلاء المحتم، وإذا لم تنقذنا منه لا يعبد الله في أرض الشام بعد هذا اليوم أبداً. ولما ترجمت كلمة هذا المتحذلق المنافق إلى المليك بالحرف الواحد خشي سوء العاقبة وأصدر إرادته السنية بمنع القباني من العمل وإغلاق مسرحه، فحملها هذا الغبرة الذي غير على القباني ونكد صفو عيشه وعاد بها إلى دمشق يزف لأصحابه البشرى. (دمشق) (يتبع) حسني كنعان

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢