أرشيف المقالات

في آفاق حافظ إبراهيم

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
8 بمناسبة ذكرى وفاته للأستاذ حسين مهدي الغنام (بقية ما نشر في العدد الماضي) ومن أمثلة سخريته المستترة ما كان بينه وبين شوقي.
فقد وقف شوقي بين حافظ وبين القصر كالعارض الضخم، لا يستطيع حافظ أن ينفذ منه إلى صاحب القصر حتى يستطيع أن يصيب بعض ما أصاب شوقي، ولكن شوقياً لم يترك له مجالاً ينفذ منه. فقد حاول حافظ أن يتملق شوقياً، بل قد تملقه فعلاً، فقال في بعض شعره يمدح الخديوي: لم أخش من أحد في الشعر يسبقني ...
إلا فتى ما له في السبق إله وفي قصيدته الثانية: إلى سدة العباس وجهت مدحتي ...
بتهنئة (شوقية) النسج معطار ومنها: معان وألفاظ كما شاء أحمد ...
طوت جزل بشار ورقة مهيار ويعلل أحمد بك أمين في مقدمته لديوان حافظ هذا البيت بقوله: الظاهر أنه يريد المتنبي بهذا البيت. ولكني أراه يقصد شوقياًن كما قال فيما تقدم.
والسخرية في هذه الأبيات واضحة. ومن سخريته بشوقيقوله يمدح الخديوي في قصيدة أخرى: واليوم أنشدهم شعراً يعيد لهم ...
عهد النواسي أو أيام حسان أزف فيه إلى العباس غانية ...
عفيفة الخدر من آيات عدنان من الأوانس حلاها يراع فتى ...
صافي القريحة صاح غير نشوان ما ضاق أصغره عن مدح سيده ...
ولا استعان بمدح الراج والبان ولكنهما تصافيا وتصادقا بعد.
والأمثلة على هذا كثيرة لا تكاد تحصى. 4 - شاعر إنسان من الأمثال العجيبة الدارجة في الطبقات المصرية البسيطة قولهم: فلان هذا رجل إنسان! فتسأل: كيف؟ فيقال: إنك لا تسأله شيئاً ويرفضه مطلقاً.
ثم هو دائم الاهتمام بغيرهوبمن هم أقل منه! وهذا الوصف الصادق السائر بين الطبقات المصرية ينطبق على حافظ إبراهيم في جملته، وإن ابتسم البعض لهذا الوصف الرفيع.
فحافظ إبراهيم كان رجلاً (إنساناً) بكل معاني هذه الكلمة. ولم تقتصر (إنسانيته) أو عطفه على من هم أقل منه فقط، بل شملت من هم أكبر منه، وشملت الأمم والشعوب المنكوبة جميعاً. وليست إنسانية حافظ إبراهيم في أنه كان دائم الإحسان على غيره، حتى ليجود بكل ما معه لمعدم أو فقير، ولو بقى جائعاً هو نفسه وإنما إنسانيته في العطف على العالم المنكوب، حتى لتراه - مثلاً - يواسي أمه ويعطف عليها ويستدر عطف الغير على هذه الأمة في نكبة ألمت بها، ولكنه يعود في اليوم الثاني فيحمل عليها حملة شعواء لأنها جارت على أمة غيرها أضعف منها، كما سترى في قصائده عن إيطاليا بعد. ومن المعروف أن حافظاً ذاق البؤس واليأس والجوع والحرمان والتشرد، فهذا مشهور في سيرته. ولقد قال أبياتاً في هذا المعنى في إحدى قصائده في حفلة رعاية الأطفال: لم أقف موقفي لأنشد شعراً ...
صب في قالب بديع النظام إنما قمت فيه والنفس نشوى ...
من كؤوس الهموم والقلب دامي ذقت طعم الأسى وكابدت عيشاً ...
دون شربي قذاه شرب الحمام فتقلبت في الشقاء زماناً ...
وتنقلت في الخطوب الجسام ومشى الهم ثاقباً في فؤادي ...
ومشى الحزن ناخراً في عظامي فلهذا وقفت أستعطف الن ...
اس على البائسين في كل عام ولم تكن إنسانيته من نوع إنسانية أبي العلاء المعري الذي يقول: تسريح كفك برغوثاً ظفرت به ...
أبر من درهم تعطيه محتاجاً فإنسانية أبي العلاء هنا إنسانية متطرفة، هي أقرب إلى السخرية والتهكم منها إلى الإنسانية، فإنه هنا لا يفرق بين الطيب والخبيث، والنافع والضار، وحسبه أن يعطفك على الأضعف منك، رديئاً كان أم جميلاً! وليست هذه بالإنسانية العليا.
أما إنسانية حافظ إبراهيم فإنسانية عليا. إنه يعطفك على المعوز والمحتاج، ويعطفك على المنكوب والمكلوم، سوء كان ضعيفاً أم قوياً، ولكنه لن يعطفك على الظالم والخبيث. على أن هذا لا يعني أن أبا العلاء لم يكن شاعراً إنسانياً عالياً في نواحيه الأخرى، فأبو العلاء كان ولا شك شاعراً إنسانياً عالي الإنسانية مرهفها، وهو الذي لم يتزوج حتى لا يجني على أبنائه، ثم قال: هذا جناه أبي علي، وما جنيت على أحد. ويلتقي حافظ إبراهيم وأبا العلاء في هذه الناحية، وإن كان تزوج لأيام لا تعدو الأربعين، ثم أنفصل عن زوجه، ولكنه يقول: وددت لو طرحوا بي يوم جئتهمو ...
في مسبح الحوت أو في مسرح العطب لعل (مانيَّ) لاقى ما أكابده ...
فود تعجيلنا من عالم الشجب فحافظ إذن يلتقي مع أبي العلاء في ناحية ويخالفه في أخرى. قال حافظ في إحدى قصائده في جمعية رعاية الأطفال: قد مات والدها وماتت أمها ...
ومضى الحمام بعمها والخال وإلى هنا حبس الحياء لسانها ...
وجرى البكاء بدمعها الهطال فعلمت ما تخفي الفتاة وإنما ...
يحنو على أمثالها أمثالي فهو يحس أن له رسالة إنسانية كبرى، تحنو على الفقير والضعيف والمريض. ويقول في رثائه تولستوي: ولست أبالي حين أبكيك للورى ...
حوتك جنان أم حواك سعير فإني أحب النابغين لعلمهم=وأعشق روض الفكر وهو نضير دعوت إلى عيسى فضجت كنائس ...
وهز لها عرش وماد سرير قضيت حياة ملؤها البر والتقى ...
فأنت بأجر المتقين جدير وسموك فيهم فيلسوفاً وأمسكوا ...
وما أنت إلا محسن ومُجبر وما أنت إلا زاهد صاح صيحة ...
يرن صداها ساعة ويطير حياة الورى حرب وأنت تريدها ...
سلاماً وأسباب الكفاح كثير أبت سنة العمران إلا تناصراً ...
وكدحاً ولو أن البقاء يسير تحاول دفع الشر والشر واقع ...
وتطلب محض الخير وهو عسير ألم تر أني قمت قبلك داعياً ...
إلى الزهد لا يأوي إليَّ ظهير أطاعوا (أبيقورا) و (سقراط) قبله ...
وخولفت فيما أرتئي وأشير ومت وما ماتت مطامع طامع ...
عليها ولا ألقى القياد ضمير أفاض كلانا في النصيحة جاهداً ...
ومات كلانا والقلوب صخور هذه هي دعوته للحق وتحكيم الضمير والعمل للخير المطلق، بين الناس والأمم جميعاً، لا فرق بين دين ودين، كما قال في حرب طرابلس، مخاطباً البابا: بارك المطران في أعمالهم ...
فسلوه بارك القوم على ما أبهذا جاء إنجيلهمو ...
آمراً يلقى على الأرض سلاماً ثم أسمعه يقول في زلزال مسينا، بعد أن وصف نكبة الطليان، واستدر عليهم عطف العالم جميعاً. وسلام على امرئ جاد بالدمع وثنى بالأصفر الرنان ذاك حق الإنسان عند بني الإنسان لم أدعكم إلى إحسان فاكتبوا في سماء رجيو ومسين وكالبريا بكل لسان هاهنا مصرع الصناعة والصوير والحذق والحجا والأغاني إنه يستعطف بني الإنسان من كل لون وجنس ولسان، وإن كان يقول أن هذا ليس إحساناً، لأنه حق الإنسان عند أخيه الإنسان، وكأنما يثأر حافظ للضعيف هنا، وينتصر للمغلوب، حين ثار الزلزال والبحر فأهلك مسينا وأهلها. ولكنه في قصيدته عن حرب طرابلس، يحمل على الطليان حملة عنيفة شعواء ويسخر منهم سخراً مراً، ويستعدي عليهم العالم، فما سبب ذلك؟ سبه إنسانيته أيضاً، وانتصاره للضعيف المغلوب. ومن هذا أيضاً شعره الرثائي، فشعر الرثاء في ذاته من أعلى ضروب الشعر الإنساني! وغير هذا كثير.
وهذه أعلى مراحل الإنسانية. 5 - شعر حافظ من الأقوال المأثورة عن الأسلوب قول سانت بيف، على ما أذكر، ما معناه: إن الأسلوب يعبر عن صاحبه. أي أنه يعبر عن روحه. ولقد أمتاز شعر حافظ بأنه يعبر عن شخصيته، أي روحه، تعبيراً قوياً.
والمعروف عن حافظ أنه كان شديد المرح في حياته الخاصة، مع أن شعره وأدبه، في مجموعه، كان شعراً وأدباً رزينين جادين. فكيف نوفق إذن بين ذلك الرأي وهذه الحقيقة؟ وهل كان حافظ ذا شخصيتين مزدوجتين كما قال أحد الكتاب كلا.
فإن نفسه الحزينة - التي عرفت الحياة جيداً - سخرت منها سخرية هائلة فأصبحت كما قال المتنبي تتكسر نصالها على نصاله. والنكتة التي اشتهر بها حافظ كانت ستراً لآلامه وأحزانه وإمعاناً في السخرية من الحياة. ولهذا برز حافظ في ناحيتين من شعره: الوطنية والرثاء ويعلل حافظ نفسه هذا بقوله، عن شعره الرثائي، في قصيدة تحية الشام: إني مللت وقوفي كل آونة ...
أبكي وأنظم أحزاناً لأحزان إذا تصفحت ديواني لتقرئني ...
وجدت شعر المراثي نصف ديواني وهناك ناحية فنية نحب أن نقرر أن حافظاً كان من أوائل السباقين إلى طرقها والتجلية فيها. تلك هي الناحية القصصية في شعره. وإذا كان حافظ لم يسرد قصصاً في شعره بالمعنى القصصي المفهوم، إلا أنه نظم قصائد اجتماعية وطنية نحا فيها نحو القصة بلغ بها الغاية مما أراد.
وإذا لم تكن القصيدة التي سماها المنظومة التمثيلية في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت - قصة بالمعنى المألوف، إلا أن له قصائد فيها قصص ساحر بليغ، مثل قصائده في رعاية الأطفال وحرب اليابان، ومراثيه! ويجمل بنا هنا أن نقف قليلاً نناقش رأي أحمد بك أمين في شاعرية حافظ، في مقدمته لديوانه: (وقد سلم لشاعرنا من هذه الأمور ثلاثة، قوة العاطفة، وحسن الصياغة، وجمال الموسيقى.
وأعوزه أمر منها وهو قوة الخيال. (فأما عاطفته فقوية فياضة، وأكبر مظهر لقوتها إثارة نفس السامع والقارئ، فما يسمع شعره سامع، ولا يقرؤه قارئ إلا توثبت نفسه، وهاجت مشاعره، وعواطفه صحيحة لا مريضة والعاطفة الصحيحة هي التي تدعو لأن تكون حياتنا أسعد وأقوى الخ.
(وأما خياله فكان مع الأسف - خيالاً قريباً - قلل حظه من الابتكار، وقلل حظه من التصوير، قصر خياله عن أن يغوص في باطن الشيء فيصل إلى مكان الحياة منه، ثم يخرجه إلى الناس كما يشعر به، وقصر عن أن يحلق في السماء فيصور منظراً عاماً يجذب النفوس إليه) ثم ضرب مثلاً قصيدته في مدح البارودي وقصته في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت. إن حكم الأستاذ أحمد أمين على عاطفة حافظ وحسن صياغته وجمال موسيقاه حكم صحيح: ولكن حكمه على خيال حافظ، حكم مرتجل يحتاج إلى (نقض) وهو أشبه بالرأي الفطير، لا يقبل صدوره من رجل كالأستاذ أحمد أمين: لقد قلنا عن قصيدته في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت أنها ليست بمستوى شعر حافظ، مع أن لها ما يبررها، ولكن لا يصح أن نأخذها مقياساً لشعره وسنداً نحكم بمقتضاه لحافظ أو عليه. وإذا كان أحمد بك يقصد من الخيال القصة بمعناها الصحيح فليست كل القصص خيالاً، وإن كان حافظ نحا نحواً قصصياً في بعض قصائده كما قدمنا. ورب بيت واحد من الشعر فيه من الخيال أروع قصة! فإذا تركنا (هذه القرينة) التي أتخذها أحمد بك أمين سنداً لإدانة شاعرية حافظ بالقصور والضحولة، وفتحنا ديوانه لنقرأ أي قصيدة فيه، راعتنا منه خطرات موغلة في الخيال البعيد، ولنأخذ مثلاً باب (الوصف) من ديوانه، كما قسمه أحمد بك أمين نفسه. فاقرأ له وصف كساء، حيث قال مرتجلاً: لي كساء أنعم به من كساء ...
أنا فيه آتيه مثل الكسائي حاكه الغر من خيوط المعالي ...
وسقاه النعيم ماء الصفاء وقصائده في الشمس، والسيف، والمدفع، وليلة عيد الجلوس، وزلزال مسيناً، إذ قال: إذا سرت يوماً حذر النمل بعضهم ...
مخافة جيش من مواليك يخشاه أو حتى قوله المفحش في الهجاء، الذي لم يثبته أحمد بك في ديوان حافظ: أخس من دب على ظهرها ...
ودبت الناس على ظهره! بل أفتح ديوانه وأقرأ ما يقع عليه نظرك وتمعن فيه، سواء كان سياسياً أم اجتماعياً أم رثاء أم في أي غرض آخر.
فلعل الخيال الذي يقصده أحمد بك أمين إذن هو التغني بجمال الطبيعة.
أو الغزل وهم الضربان من ضروب الشعر اللذان تخلف فيهما حافظ، لأنه منصرفاً إلى ناحيتين أساسيتين في شعره هما شعره السياسي، وشعره الإنساني النزعة. على أن التغني في جمال الطبيعة بحد ذات ليس خيالاً كله! وناحية أخرى في شعر حافظ. تلك هي براعته في اختيار اللفظ، وفي تحديد المعنى الذي يريده، وفي التصوير. ومن أقرب الأمثلة على ذلك قوله إلى روزفلت، التي لم تذكر في ديوانه أيضاً: إنما شوقها لقولك يا روزفلت شوق الأسير للتحرير فما هي أعلى مراحل الشوق عامة؟ أن أعلاها هي بلوغ المشتاق ما يريد. ولقد حدد حافظ مراحل الشوق وأهدافه في هذا الموضع - بكل هذه البساطة، فهو شوق الأسير للتحرير، والمصريون يشتاقون لسماع قول روزفلت حتى يدافع عن حرية هذا الشعب، الذي شبهه بالشعب الأمريكي، أيان احتلال الإنجليز له! وهذا أبلغ ما يمكن أن يقال في مثل هذا الموضع. ومثل قوله عن الإنجليز وسعد: النسر يطمع أن يصيد بأرضنا ...
سنريه كيف يصيده زغلول 6 - حافظ الكاتب: عرف حافظ كاتباً أيضاً، وقد أتسم نثره بالبلاغة والمحسنات اللفظية والبديع، ولكن نثره لم يكن في مستوى شعر. ولقد ترجم بعضاً من البؤساء لفكتور هيجو، عني فيه بالأسلوب، فتكلف، ولكن أحدث بهذا الكتاب أثراً محموداً في الصحف وفي الترجمة على الأخص، إذ وجه إليها أنظار الكتاب الذين يعرفون لغات أجنبية. وألف كتاب ليالي سطيح، وهو أحسن كتبه النثرية وقد عني فيه بالأسلوب أيضاً، ولكنه حمل فيه حملة اجتماعية وفكرية ووطنية، لعلها أحدثت بعض الأثر المطلوب في إبانها! وله كتاب في الاقتصاد السياسي، بالاشتراك مع آخر. وكتاب في الأخلاق. وإذا كان نثر حافظ، كما تقدم، في مستوى أقل من شعره إلا أن فيه ما يجل تن يصان كتراث لشاعر عظيم فقدناه، وكاتب مجاهد يجب أن تخلد جميع آثاره، فتبقى أثراً حياً بيننا، وإن كان مثله لا يمكن أن ينسى، فكلما مر عام أحست مصر وشقيقاتها العربية مرارة فقده، بحاجتها الملحة إليه، فهو كما قال حافظ نفسه في صديقه شهيرين: مضيت ونحن أحرج ما نكون ...
إليك فمثل خطبك لا يهون هذه عجالة من آفاق شاعرنا حافظ إبراهيم. وسنعود إليه في مناسبات أخرى، لنوفيه حقه من الدراسات. حسين مهدي الغنام

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣