رابعة بنت إسماعيل من المتعبدات. كانت زوج أحمد بن أبي الحواري، وكانت هي خطبت أحمد، فكره ذلك لما كان فيه من العبادة، وقال لها: ليس لي همة في النساء لشغلي بحالي، فقالت: إني لأشغل بحالي منك، وما لي شهوة، ولكني ورثت مالاً جزيلاً من زوجي فأردت أن أنفقه على إخوانك وأعرف بك الصالحين فتكون لي طريقاً إلى الله. فقال: حتى أستأذن أستاذي، قال: فرجعت إلى أبي سليمان وكان ينهاني عن التزويج ويقول: ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير. فلما سمع كلامها قال: تزوج بها فإنها ولية لله، هذا كلام الصديقين. قال: فتزوجها. قال: وتزوجت عليها ثلاث نسوة، فكانت تطعمني الطيبات وتطيبني وتقول: اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك. وكانت تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل البصرة. قال سري السقطي: أتيت دمشق فسألت عن أحمد بن أبي الحواري فأرشدوني إليه في المسجد، فقلت: يا أحمد، عظني وأوجز، فقال: ما أحسن، قلت: فأرشدوني إلى من يحسن، قال: صر إلى المنزل فإن أهلي تحسن يعني زوجته فمضيت في طريقي فلقيت راهباً كبيراً يتبعه راهب صغير، فقلت للصغير: لم تتبع هذا؟ قال: هو طبيبي يسقيني الدواء، فردد عليه من كلامه شيئاً لا أعقله؛ فجئت إلى منزل أحمد بن أبي الحواري فقرعت الباب، فكلمتني امرأة من وراء حجاب فقلت: إني أتيت أحمد فقلت: عظني فقال: ما أحسن، فقلت: أرشدني إلى من يحسن، فقال: صر إلى المنزل فإن أهلي هي تحسن، فمضيت في طريقي فإذا براهب كبير يتبعه راهب صغير، فقلت للصغير: لم تتبع هذا؟ قال: هو طبيبي يسقيني الدواء، فورد علي من كلامه شيء لا أعقله. فقالت: يا ليت شعري! أي الدواءين يسقيه دواء الإفاقة أم دواء الراحة؟ قلت: رحمك الله، وما دواء الإفاقة وما دواء الراحة؟ قالت: أما دواء الإفاقة فالكف عن محارم الله، وأما دواء الراحة فالرضى عن الله في جميع الأمور كلها. ثم كلمتني بكلمة لا تخرج من رأسي أبداً، قلت: وما هي رحمك الله؟ قال: قالت: أما علمت أن العبد إذا أخلص بعمله لله عز وجل، أطلعه الجليل على مساوئ عمله، فاشتغل بها عن جميع خلقه. قلت: بسي. قالت رابعة: قالت لي راهبة: إن أردت أن يطهر قلبك ويزكو بدنك فأريدي الله بصومك وصلاتك، ولا تريدي بهما قضاء الحوائج منه. قال أحمد: فحدثت به أبا سليمان فقال لي: ما هذا كلام راهبة ولا كلامها، هذا كلام الأنبياء. قال أحمد بن أبي الحواري: لقيت راهباً بالأردن فقلت: ما اسمك؟ قال: يوسف، قلت: إلى أين؟ قال: إلى ذاك الدير، قلت: ما تقول في الزهد؟ قال: وما الزهد؟! إذا وقع في يميني شيء أخرجته بشمالي في الوقت، قلت: ما تحبس لنفسك شيئاً؟ قال: لا، إذا جاع أو عطش سبح فشبع وروي، ومضى وتركني؛ فالتفت فإذا أنا بامرأة تقول: يا فتى، ما كان فيما جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفاية حتى تسأل الراهب؟ فسألت عنها، فإذا هي رابعة امرأة أحمد بن أبي الحواري. قال أحمد بن أبي الحواري: جئت إلى البيت وأنا متفكر فقالت لي امرأتي رابعة: لم تتفكر؟ قال: قلت: رأيت شيخاً راهباً ووراءه غلام حدث ذاهب، فقلت للغلام: لم تتبع هذا؟ قال: يسقيني الدواء، فقالت لي رابعة: فماذا قلت له؟ قال: قلت: ما قلت له شيئاً، قالت: فألا قلت له: دواء الخوف أو دواء المحبة؟ قال أحمد بن أبي الحواري: جلست آكل، وجعلت رابعة تذكرني، قلت لها: دعينا تهنينا بطعامنا، قالت: ليس أنت ولا أنا ممن يتنغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة. وقال أحمد: سمعت رابعة تقول: ما رأيت ثلجاُ قط إلا ذكرت تطاير الصحف، ولا رأيت جراداً قط إلا ذكرت الحشر، ولا سمعت أذاناً قط إلا ذكرت منادي القيامة. قال: وقلت لنفسي: كوني في الدنيا بمنزلة المطر الواقع حتى يأتيك قضاؤه. قال أحمد: قلت لرابعة وهي امرأتي وقامت بالليل: قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأيت من يقوم في أول الليل! فقالت: سبحان الله! مثلك يتكلم بمثل هذا! إنما أقوم إذا نوديت. قال أحمد بن الحواري: كان لرابعة أحوال شتى، فمرة غلب عليها الحب، ومرة غلب عليها الأنس، ومرة غلب عليها الخوف؛ فسمعتها في حال الحب تقول: حبيب ليس يعدله حبيب ... ولا لسواه في قلبي نصيب حبيب غاب عن بصري وشخصي ... وفي قلبي حبيب لا يغيب وسمعتها في حال الأنس تقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وسمعتها في حال الخوف تقول: زادي قليل ما أراه مبلغي ... فللزاد أبكي أم لبعد مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك أين مخافتي؟ قال أبو دجانة: كانت رابعة إذا غلب عليها الحب تقول: تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع