عنوان الفتوى : تأويل حديث: "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"

مدة قراءة السؤال : دقيقتان

بسبب الثورات العربية حصل نقاش مع بعض الشباب حول حديث: "إن ضرب ظهرك وأكل مالك" وكان هناك بعض الاستخفاف بالحديث, فقلت لهم: (الحديث في الحاكم المسلم الظالم الذي يحكم بالشريعة الإسلامية؛ حيث لا يجوز الخروج عليه لأن مفسدة الخروج أكبر من ظلمه, أما الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية, فالحكم الشرعي العام أن تحكيم القوانين الوضعية كفر, ومن يحكمها كافر, لكن هذا لا يعني تكفير الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية في بلاد المسلمين؛ حتى تقام الحجة عليهم, وتزال الشبهة عنهم من العلماء الربانيين, فمتى أصروا على ذلك جاز الخروج عليهم بحسب تحقق المصالح والمفاسد, ويقدرها العلماء, وليس عامة الأمة, وضربت مثلًا بالقذافي والأسد) وأستشعر أن الحديث عن هذا المسائل من المفترض أن يقوم به أهل العلم فقط, ولكني أخذتني الغيرة من الاستهزاء بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, فقلت هذا الكلام؛ بناء على فهمي من كلام العلماء والمشايخ, فهل ما قلته صحيح؟أرشدوني, بارك الله فيكم.

مدة قراءة الإجابة : 5 دقائق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يخرج ما ذكره الأخ السائل عن دائرة المعتبر من كلام أهل العلم، وقد سبق لنا بيان مسألة تحكيم القوانين الوضعية وأثره، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 9430، 156123، 129084، 182751، 29130, كما سبق لنا شرح حديث حذيفة وتخريجه في الفتويين: 107887، 53812.

وقد سلك ابن حزم في تأويل هذه الجملة من الحديث مسلكًا آخر فقال في الفصل في الملل والأهواء والنحل: أما أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر, فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له, وإن امتنع من ذلك, بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فهو فاسق عاص لله تعالى, وإما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك، برهان هذا قول الله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}, وقد علمنا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام ربه تعالى، قال الله عز وجل: {وما ينطق عن الهوى أن هو إلا وحي يوحى} وقال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من عند الله عز وجل, ولا اختلاف فيه, ولا تعارض, ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه, يدري كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق, وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين، فالمُسْلِم ماله للأخذ ظلمًا، وظهره للضرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه، معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن. اهـ.

وأخيرًا: ننبه على أن حديث حذيفة قد رواه الشيخان من طريق أبي إدريس الخولاني عنه, وليس فيه زيادة: وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك, وإنما بلفظ: قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.

وأما هذه الزيادة فهي عند مسلم من طريق أبي سلام قال: قال حذيفة، فذكره. قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع: هذا عندي مرسل؛ أبو سلام لم يسمع من حذيفة, ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان - رضي الله عنه - بليال، وقد قال فيه حذيفة, فهذا يدل على إرساله اهـ.

وقال الشيخ مقبل الوادعي في تحقيق كتاب الدارقطني: وفي حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه، وهي قوله: "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"! فهذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها من هذه الطريق المنقطعة. اهـ.

ولكن هذه الزيادة لم يتفرد بها أبو سلام عن حذيفة، فقد تابعه سبيع بن خالد ـ ويقال: خالد بن خالد ـ اليشكري عن حذيفة، ولفظه: "وإن نهك جسمك وأخذ مالك" رواه أحمد ومعمر بن راشد وأبو داود والبزار وأبو عوانة وإبراهيم الحربي ونعيم بن حماد وابن أبي شيبة وابن حبان والحاكم.

والله أعلم.