عنوان الفتوى : خيانة الزوجة لا تسقط حقها في الصداق

مدة قراءة السؤال : دقيقة واحدة

لقد عقدت على زوجتي وأصبح لدي عقد نكاح، ولكن دخلت عليها قبل الزواج، وكنت أحاول أن أتم الزواج بأسرع وقت، وسافرت زوجتي إلى اليمن بعد موافقتي، وهي هناك صارت بيننا مشاكل ومر تقريبا أسبوعان لم أكلمها، ولكنها استغلت الوضع إلذي هي فيه ـ وخانتني مع رجل بالمكالمات فقط ـ وأريد أن أطلقها، وهي تريد مني أن لا أخبر أهلها أني قد دخلت عليها. فهل أدفع لها المهر أم هو لي بسبب خيانتها؟.

مدة قراءة الإجابة : 6 دقائق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فإن الرجل يملك بضع المرأة بمجرد العقد وتصير زوجة له يحل له ما يحل للرجل من امرأته، إلا أنه ينبغي للعاقد أن يراعي العرف الجاري في بلده، وأن يوفي بالاتفاق مع ولي المرأة إن كان هنالك اتفاق على أن الدخول مرجأ إلى موعد متأخر عن العقد، أو كان هنالك عرف قائم مقام الاتفاق، فيجب عندئذ مراعاة ما اتفق عليه، وأن يسير على العرف الجاري لديهم، وإن حدث جماع أو خلوة شرعية صحيحة فلا إثم عليه ـ إن شاء الله ـ لأنها زوجته حقيقة، وتنبني على ذلك أحكام الدخول كلها، كاستحقاق المهر كاملا، وقد سبق بيان ذلك في الفتويين رقم:  2940، 61470.

وعلى ذلك فإذا تيقن السائل من حصول ما ذكر في السؤال ولو بالهاتف فقط، ولم يظهر منها ندم ولا توبة على ذلك، بحيث لا يأمنها على نفسها في غيابه، فالأولى أن يطلقها بالمعروف. وعندئذ يلزمه أن يُعلِم أهلها بدخوله عليها، ويدفع لها ما بقي من مهرها، ويتأكد هذا إن كانت بكرا فصارت بسببه ثيبا، لكي لا تحصل تهمة لهذا المرأة بغير حق، وينبغي أن يسبق إخبارك لأصهارك بيان الحكم الشرعي في دخول الرجل بزوجته بعد العقد وقبل العرس، وأن ذلك ليس بزنا، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 76887. وراجع للفائدة الفتويين رقم : 28080، 75457.

وأما مسألة رجوع السائل في مهر زوجته إذا طلقها بسبب خيانتها، فلا يجوز له هذا، فإن الصداق يتقرر للمرأة كاملاً بأربعة أمور: بالخلوة أو المباشرة أو الجماع أو الموت، فإذا عقد الإنسان على امرأة وخلا بها عن الناس خلوة يمكن فيها أن يمسها ثبت لها المهر كاملا لو طلقها، وكذلك لو باشرها أو جامعها، ولو عقد عليها ثم مات ولم يدخل بها ثبت لها المهر كاملا، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 110669.

وخيانة المرأة لا تبرر استيلاء زوجها على مهرها، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 73230، حتى ولو وصل الأمر إلى اللعان أو الاعتراف بالزنا، فإن الملاعن لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماله يعني الصداق، قال له صلى الله عليه وسلم: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها. متفق عليه.

قال النووي: فِي هَذَا دَلِيل عَلَى اِسْتِقْرَار الْمَهْر بِالدُّخُولِ وَعَلَى ثُبُوت مَهْر الْمُلَاعَنَة الْمَدْخُول بِهَا وَالْمَسْأَلَتَانِ مُجْمَع عَلَيْهِمَا وَفِيهِ أَنَّهَا لَوْ صَدَّقَتْهُ وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ يَسْقُط مَهْرهَا. اهـ.

وقال ابن حجر: وَيُسْتَفَاد مِنْ قَوْله فَهُوَ بِمَا اِسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجهَا أَنَّ الْمُلَاعَنَة لَوْ أَكَذَبَتْ نَفْسهَا بَعْد اللِّعَان وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدّ، لَكِنْ لَا يَسْقُط مَهْرهَا. اهـ.

والذي يمكنك فعله أن تضيق عليها لتتنازل عن مهرها وتفتدي نفسها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يسقط المهر بمجرد زناها، كما دلَّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم للملاعن لما قال: مالي، قال: لا مال لك عندها، إن كنت صادقا عليها فهو بما استحللتَ من فرجها، وإن كنت كاذباً عليها فهو أبعد ذلك.

لأنها إذا زنت قد تتوب، لكن زناها يبيح له إعضالها، حتى تفتدي منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب. اهـ.

يعني بذلك الإعضال المذكور في قوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ {النساء: 19}. قال ابن كثير: قوله: إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المُسَيَّب والشَّعْبِيُّ والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جُبَيْرٍ ومجاهد وعِكْرَمَة وعَطاء الخراسانيّ والضَّحَّاك وأبو قِلابةَ وأبو صالح والسُّدِّي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا. يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتُضَاجرهَا حتى تتركه لك وتخالعها، وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة: النُّشوز والعِصْيان، واختار ابن جرير أنَّه يَعُم ذلك كلَّه: الزنا والعصيان والنشوز وبَذاء اللسان وغير ذلك. اهـ.

وقال السعدي: إذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل. اهـ.

فمجرد الخيانة الهاتفية تكفي لإباحة التضييق عليها لتتنازل عن مهرها إن لم تثبت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة في المحبة: الزوج له أن يستوفي حد الفاحشة من البغي الظالمة له المعتدية عليه، فإذا لم تكن الفاحشة معلومة بإقرار ولا بينة كان عقوبة ما ظهر منها كافيا في استيفاء الحق مثل الخلوة والنظر ونحو ذلك من الأسباب التي نهي الله عنها. اهـ.

والله أعلم.