عنوان الفتوى : الأنبياء أعطوا من البينات ما يؤكد صدقهم

مدة قراءة السؤال : 3 دقائق

أسأل الله تعالى العافية لكل من يسعى لرفع راية الإسلام. لقد دار بخلدي بعض الأسئلة عندما كنت أقرأ في سورة هود. و نظرا لما قرأت على موقعكم من تعمق في فهم القرآن وددت لو نلت شيئا من اهتمامكم ولكم الشكر كل الشكر. في الآية رقم 53 من سورة هود يعترض قوم هود قائلين لسيدنا هود ...قال تعالى : ( قالوا يا هود ما جئتنا ببينة و ما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك و ما نحن لك بمؤمنين) 53 هذا الاعتراض يبدو لي أنه اعتراض منطقي إذ إنهم أي قوم عاد يطلبون من سيدنا هود بينة على كونه رسول الله إليهم. الأسئلة : 1- قوم هود يطلبون بينة على نبوة سيدنا هود... فما الضير في ذلك الطلب حيث يبدو ذلك منطقيا لي ؟ 2- هل سيدنا هود لم يقدم بينة لهم حقا ؟ إن كان ذلك حقا فعلى أي أساس آمن به من آمن من قومه ؟ 3- هل الإيمان بالرسول يستلزم أن يقدم الرسول بينة لقومه ؟ إذن فماذا قدم سيدنا هود و سيدنا نوح و سيدنا شعيب و سيدنا صالح لأقوامهم من بينات ؟ ما حدث لأقوامهم أراه نهايات و في نفس الوقت آيات ولكن لمن بعدهم وليست لهم أنفسهم إذ إنهم لم يعيشوا بعدها لكي يعتبروا و يؤمنوا . 4- لو كان الإيمان يعتمد على البينات فقد اختلفت هذه البينات من حيث قوتها . فمثلا آية المائدة مع سيدنا عيسى أراها ليست بنفس قوة عصا موسى عليهما السلام. فإذا كان الإيمان يعتمد على البينات فهل اختلاف البينات في قوتها يعنى عدم تكافؤ في الفرص للناس لكي يؤمنوا ؟ كيف يتسق ذلك مع عدل الله عز و جل ؟ 5- إن كان الإيمان يستلزم البينة فماذا قدم سيدنا محمد لسيدنا أبي بكر رضى الله عنه حين آمن به ؟ 6- إذا كان الإيمان لا يعتمد على البينات فهل هو حدث قلبي أكثر منه إعمال للعقل فى بينات الرسل ومدى استحالتها لكي تأتى من إنسان كالرسول ؟ بمعنى آخر ما هي حقيقة العلاقة بين العقل و القلب بقضية الإيمان ؟ وجزاكم الله خيرا. برجاء المراسلة على نفس البريد الإلكتروني؟

مدة قراءة الإجابة : 4 دقائق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: 

فما قاله قوم هود له، ليس من المنطق القويم في شيء، وإنما هو من المكابرة والجدال بالباطل، قال الألوسي : وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات، فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية، وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة. اهـ

وقال السعدي: إن كان قصدهم بالبينة، البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة، تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. اهـ

فتبين أنه عليه السلام قد أقام لهم البينة، ونحن لم نقف على تلك البينة، لكن نوقن بذلك، لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم به، وكذلك نعتقد في حق جميع الأنبياء، فعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. متفق عليه.

- وأما اختلاف المعجزات من أمة لأمة فذلك لاختلاف، أحوالهم، فأتى كل رسول بمعجزة تناسب أهل زمانه، قال النيسابوري: وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد صلى الله عليه وسلم وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر.اهـ

- كما أن ما جعل الله عليه الرسل من الصفات الحسنة والأخلاق الكريمة والسيرة الطيبة في أقوامهم ، مع اشتمال دعوتهم لمكارم الأخلاق، فهو كاف للإيمان بصدقهم، قال السعدي : ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله، وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح، وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش، والظلم، وأنواع المنكرات، مع ما هو مشتمل عليه هود عليه السلام من الصفات، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم، لكفى بها آيات وأدلة، على صدقه بل أهل العقول وأولو الألباب يرون أن هذه الآية أكبر من مجرد الخوارق التي يراها بعض الناس، هي المعجزات فقط. اهـ

- واعلم أن الإيمان بصدق الرسول يحتاج إلى البينات، لما يترتب على ذلك من اتباع ما يوحى إليه من أمور الغيب التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي، وكذلك أحكام العبادات والمعاملات، أما أصل الإيمان بالله وتوحيده، فلا يتوقف على المعجزات، يقول سيد قطب في ظلال القرآن : والتوحيد لا يحتاج إلى بينة، إنما يحتاج إلى التوجيه والتذكير، وإلى استجاشة منطق الفطرة، واستنباء الضمير .اهـ

والله أعلم.