Warning: Undefined array key "sirA3lam" in /home/islamarchivecc/public_html/templates_c/f704007db74beca75b87a603e53b9db7fc676f54_0.file.history.tpl.php on line 73
Warning: Attempt to read property "value" on null in /home/islamarchivecc/public_html/templates_c/f704007db74beca75b87a603e53b9db7fc676f54_0.file.history.tpl.php on line 73
Warning: Trying to access array offset on value of type null in /home/islamarchivecc/public_html/templates_c/f704007db74beca75b87a603e53b9db7fc676f54_0.file.history.tpl.php on line 73
قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه.
فخرجنا إليها حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلما.
.
.
.
وقيل: كان مخرجهم إلى الحبشة في رجب في السنة الخامسة من البعثة النبوية.
هاجر من المسلمين فيها اثنا عشر رجلا، وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج ابن عساكر عن الزهري قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى جانب من الحجاز يدعى (رابغ)، فانكفأ المشركون على المسلمين، فجاءهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يومئذ بسهامه، وكان أول من رمى في سبيل الله، وكان هذا أول قتال في الإسلام".
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسوله عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، وكان رسول الله كتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ولما فتح الكتاب وجد فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم"، فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض.
فمضوا كلهم.
فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، وبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام وأول أسيرين في الإسلام، وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ما فعلوه، واشتد تعنت قريش وإنكارهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا، فقالوا: قد أحل محمد الشهر الحرام، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217].
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح على رأس ثلاثمائة رجل إلى سيف البحر, وكان الغرض من هذه السرية رصد عير لقريش، ومحاربة حي من جهينة, وزودهم جرابا من تمر, فجعل أبو عبيدة يقوتهم إياه, حتى صار إلى أن يعده لهم عددا, حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة, فقسمها يوما فنقصت تمرة عن رجل, فوجد فقدها ذلك اليوم, فلما نفد ما كان معهم من الزاد أكلوا الخبط وهو ورق السلم, فسمي الجيش لذلك "جيش الخبط"، وأصابهم جوع شديد, فنحر قيس بن سعد بن عبادة -وكان أحد جنود هذه السرية- ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إليهم البحر دابة يقال لها: العنبر، فأكلوا منها عشرين ليلة، وادهنوا منه, حتى ثابت منه أجسامهم، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل فحمل عليه ومر تحته، وتزودوا من لحمه وشائق، فلما قدموا المدينة، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا؟).
فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله".
هو أصحمة بن أبجر ملك الحبشة، والنجاشي لقب له ولملوك الحبشة، ومعنى: أصحمة: عطية، وقيل: عطية الله، وقيل: عطاء.
تولى الحكم بعد موت عمه، وبعد سنوات من حكمه وانتشر وانتشار عدله أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه عن النجاشي: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا.
ولما مات صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة صلاة الغائب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة، في اليوم الذي مات فيه، وقال: «استغفروا لأخيكم».
وعن جابر رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة».
تبوك موضع بين وادي القرى والشام، قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: (أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك.
.
).
وحديث أبي موسى رضي الله عنه فيه دلالة على ما كان عليه الصحابة من العسر الشديد في المال والزاد والركائب، كما روى مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه ما وقع للمسلمين في طريق هذه الغزوة من نقص في الزاد حتى مصوا النوى وشربوا عليه الماء، وفي رواية أخرى لمسلم: أنهم استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في نحر مطاياهم ليأكلوا.
وقد قال الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117].
قال ابن كثير: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه؛ وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 123].
وقد بين صلى الله عليه وسلم وجهة هذه الغزوة، فعن معاذ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي).
والمشهور والراجح أن جيش تبوك كان ثلاثين ألفا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلق حربا من الأعداء، فرجع إلى المدينة منتصرا بعد أن أقام بتبوك عشرين ليلة.
لما قدم أسامة بن زيد من بعثه للروم استخلفه أبو بكر على المدينة، وأمره ومن معه أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه من المسلمين، فقالوا له: لو رجعت إلى المدينة وأرسلت رجلا، فقال: والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته النعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه في الوقعة السابقة، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق، وهناك جماعة من بني عبس وذبيان، وطائفة من بني كنانة، فاقتتلوا، فهزم الله الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أياما، وقد غلب بني ذبيان على البلاد، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد؛ إذ غنمناها الله، وحمى الأبرق بخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الربذة، ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة.
كان أبو بكر قد كتب إلى خالد أن يلحق بالشام لمساندة أجناد المسلمين، وأمد هرقل الروم بباهان، فطلع عليهم وقد قدم الشمامسة والرهبان والقسيسين يحضونهم على القتال، ولما قدم خالد الشام أشار على الأمراء أن يجتمعوا تحت قيادة واحدة، فقال لهم: إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، حتى يتأمر كلكم، ودعوني أتولى أمركم اليوم, فأمروه.
خرجت الروم في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط، مائتي ألف وأربعين ألفا، منهم ثمانون ألفا مقيد بالسلاسل.
وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب قبل ذلك، وكان المسلمون ستة وثلاثين ألفا.
وقيل ستة وأربعين ألفا, جعلهم خالد في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين كردوس، شهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم نحو من مائة من أهل بدر, وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس فيقول: الله الله، إنكم ذادة العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك! اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.
قال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أقل الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر -يعني فرسه- برأ من توجعه وأنهم أضعفوا في العدد.
خرج جرجة أحد قادة الروم حتى كان بين الصفين، ونادى: ليخرج إلي خالد، فخرج إليه خالد، فوافقه بين الصفين، حتى اختلفت أعناق دابتيهما، فحاوره خالد حتى دخل في الإسلام وكانت وهنا على الروم.
أمر خالد عكرمة والقعقاع، والتحم الناس، وتطارد الفرسان وهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة، بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فأسر خالد الخبر حتى لا يوهن الجيش، وحمي الوطيس، واشتد القتال, وقام عكرمة بن أبي جهل ينادي: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين، فقاتلوا حتى أثبتوا جميعا, فهزم الله الروم مع الليل، وصعد المسلمون العقبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدهم ورءوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخا هرقل، وأخذ التذارق، وقاتل جرجة قتالا شديدا مع المسلمين، إلى أن قتل عند آخر النهار، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، فانهزم الفرسان وتركوا الرجالة.
ولما رأي المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، فتفرقت وقتل الرجالة، واقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، ثمانون ألفا من المقترنين، ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص، فارتحل.
هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين رضي الله عنه.
كان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق، اشترى 70 عبدا وأعتقهم، وكانت له سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام -وهي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد ولا يقول فيه هجرا- أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه، وأقام بمكة يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار المشركين، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد وقعة "حنين" فكان ممن ثبت حين انهزم الناس، وشهد فتح مكة، وعمي في آخر عمره، وكان إذا مر بعمر في أيام خلافته ترجل عمر إجلالا له، وكذلك عثمان، وكانت وفاته في المدينة عن عشرة أولاد ذكور سوى الإناث، وله في كتب الحديث 35 حديثا تقريبا، وإليه تنسب الدولة العباسية التي حكمت ما يزيد عن خمسة قرون.
هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي، من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد كتاب الوحي، سادس الخلفاء في الإسلام، وأول ملوك المسلمين، ومؤسس الدولة الأموية في الشام، ولد بمكة وتعلم الكتابة والحساب، أسلم معاوية رضي الله عنه يوم الفتح، وقيل: في عمرة القضاء وكان يكتم إسلامه خوفا من أبيه، وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي، واستعمله على الشام الخلفاء: عمر، وعثمان، وبقي على الشام في خلافة علي بغير رضاه، فبقي كذلك قرابة العشرين سنة، ثم تم له الأمر بعد تنازل الحسن بن علي له، وبقي خليفة مدة تسعة عشر عاما وأشهر، فتح الله له فيها الكثير من البلاد، واشتهر بالحكمة في سياسته للناس، ومداراته لهم، وكان قد عهد لابنه يزيد قبل موته، وبعث في البلاد ليأخذوا له ذلك، وتوفي في دمشق وصلى عليه الضحاك بن قيس، ودفن فيها، جزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين.
كان معاوية في عام 50 هـ قد عهد إليه بالخلافة من بعده، وأخذ ذلك على الناس؛ ولكن البعض لم يرض مثل ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، والحسين بن علي، ثم لما حضرت معاوية الوفاة كان يزيد غائبا فأوصى إليه، ثم لما توفي بايعت الأمصار ليزيد إلا من ذكر آنفا، وبذلك تمت له الخلافة، ثم بايع له ابن عمر، وابن عباس، أما ابن الزبير فخرج إلى مكة وحصل منه ما حصل، وأما الحسين فلحقه أيضا إلى مكة حتى خرج إلى الكوفة وكان فيها ما كان.
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ويقال له: أشج بني مروان.
وكان يقال: الأشج والناقص أعدلا بني مروان.
فهذا هو الأشج، بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك عن عهد منه له بذلك.
ويقال: كان مولده في سنة إحدى وستين.
دخل عمر بن عبد العزيز إلى إصطبل أبيه وهو غلام، فضربه فرس فشجه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم، ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك إذا لسعيد.
أول ما استبين من عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الأدب -أن أباه ولي مصر وهو حديث السن، يشك في بلوغه، فأراد إخراجه معه، فقال: يا أبه، أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها وأتأدب بآدابهم.
فوجهه إلى المدينة، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة.
ولاه الوليد ولاية المدينة، ثم جعله على الحجاز من 86 – 93هـ، ثم بويع بالخلافة بعد سليمان بوصية منه له, انتشر في عهده العدل والمساواة، ورد المظالم التي كان أسلافه من بني أمية قد ارتكبوها، وعزل جميع الولاة الظالمين ومعاقبتهم، كما أعاد العمل بالشورى، كما اهتم بالعلوم الشرعية، وأمر بتدوين الحديث النبوي.
استمرت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام سار فيها بسيرة الخلفاء الراشدين, توفي عمر عن تسع وثلاثين، وقيل أربعين سنة، وكان سبب وفاته أنه سقي السم، وذلك أن بني أمية قد تبرموا وضاقوا ذرعا من سياسة عمر التي قامت على العدل، وحرمتهم من ملذاتهم وتمتعهم بميزات لا ينالها غيرهم، ورد المظالم التي كانت في أيديهم، وحال بينهم وبين ما يشتهون، فكاد له بعض بني أمية بوضع السم في شرابه، فوضع مولى له سما في شرابه، وأعطي على ذلك ألف دينار، فأخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سقيت السم.
ثم استدعى مولاه الذي سقاه، فقال له ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتها.
فقال: هاتها.
فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك.
دامت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر، فلما توفي صارت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك بناء على الكتاب الذي كتبه سليمان أن يلي الأمر بعد عمر يزيد فصار بذلك الخليفة.
هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو خالد القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
بويع له بالخلافة بعد عمر بن عبد العزيز في رجب من سنة إحدى ومائة، بعهد من أخيه سليمان أن يكون الخليفة بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، توفي يوم الجمعة لخمس بقين من رجب.
تولى هشام الخلافة بعد وفاة أخيه يزيد بن عبد الملك وبعهد منه إليه بذلك.
هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، ولد قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب في المدينة عام 21هـ.
كانت أمه تخدم أم سلمة، وربما أرسلتها في الحاجة فتشتغل عن ولدها الحسن وهو رضيع فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرتضع منهما، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان وهو صغير تخرجه أمه إلى الصحابة فيدعون له، وكان في جملة من يدعو له عمر بن الخطاب، قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس.
وقد كان الحسن جامعا للعلم والعمل، عالما رفيعا فقيها ثقة مأمونا عابدا زاهدا ناسكا، كثير العلم والعمل، فصيحا جميلا وسيما، وقدم مكة فأجلس على سرير وجلس العلماء حوله واجتمع الناس إليه فحدثهم.
كان أبو الخطار لما بايع ولاة الأندلس من قيس قد قال شعرا وعرض فيه بيوم مرج راهط، وما كان من بلاء كلب فيها مع مروان بن الحكم، وقيام القيسيين مع الضحاك بن قيس الفهري على مروان, فلما بلغ شعره هشام بن عبد الملك علم أنه رجل من كلب، وكان هشام قد استعمل على أفريقيا حنضلة بن صفوان الكلبي سنة أربع وعشرين ومائة، فكتب إليه هشام أن يولي الخطار الأندلس، فولاه وسيره إليها.
هو الإمام، فقيه الملة، أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي ولاء، فقيه العراق إمام الحنفية، أحد الأئمة الأربعة المشهورين أصحاب المذاهب المعروفة، يقال: إنه من أبناء الفرس ولد سنة 80, وكان حسن الوجه حسن المجلس، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل كان طوالا تعلوه سمرة، أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة.
أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، رضوان الله عليهم وهم: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدا منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل.
وقيل: أنه رأى أنس بن مالك، رضي الله عنه.
وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وهو أكبر شيخ له, وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعا مولى عبد الله بن عمر، وكان معروفا بالزهد والورع وكثرة العبادة، والوقار والإخلاص وقوة الشخصية، كثير التعطر، لا يتكلم إلا جوابا، ولا يخوض فيما لا يعنيه.
قال ابن المبارك: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه، ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة.
كان خزازا يبيع الخز.
قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة فقال: نعم، رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.
لم يرض أن يلي القضاء لأحد، وطلبه المنصور للقضاء فأبى، وكان منها حبسه، وقيل: مات في الحبس ببغداد، قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: "مررت مع أبي بالكناسة – موضع بالكوفة- فبكى، فقلت له: يا أبت ما يبكيك فقال: يا بني، في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاء، فلم يفعل".
وقيل: إنه توفي وهو يصلي.
لما ولي إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس إمارة مصر لم يرض بما كان يأخذه قبله الأمراء، وزاد على المزارعين زيادة أفحشت بهم فسئمته الناس وكرهته وخرج عليه جماعة من أهل الحوف من قيس وقضاعة، فحاربهم إسحاق، وقتل من حواشيه وأصحابه جماعة كبيرة، فكتب إسحاق يعلم الرشيد بذلك، فعظم على الرشيد ما ناله من أمر مصر، وصرفه عن إمرتها وعقد الرشيد لهرثمة بن أعين على إمرة مصر، وأرسله في جيش كبير إلى مصر، فتلقاه أهل مصر بالطاعة وأذعنوا له، فقبل هرثمة منهم ذلك، وأمنهم وأقر كل واحد على حاله.
هو السيد أبو الحسن العلوي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والد الإمام علي بن موسى الرضا, المدني، ولد سنة ثمان وعشرين ومائة بالمدينة ثم نزل بغداد, لقب بالكاظم لكظمه عمن أساء إليه، كان مجتهدا في العبادة كريما، قيل: إن سبب سخط الرشيد عليه هو أن الرشيد لما زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: السلام عليك يا عماه يفتخر بذلك، فقال موسى: السلام عليك يا أبت.
فقال الرشيد: هذا هو الفخر يا أبا الحسن, ثم لم يزل ذلك في نفسه، فحنق عليه حتى استدعاه في سنة تسع وسبعين وسجنه فأطال سجنه، وقيل: بل لأنه سمع أن الناس يبايعون له فحمله معه إلى البصرة وحبسه عند واليها عيسى بن جعفر، ثم نقله إلى الفضل البرمكي، ثم حوله إلى السندي بن شاهك، إلى أن مات عنده ودفن في بغداد.
كان الأمين قد أرسل عبدالملك بن صالح بن علي إلى الشام ليجمع له الجند، لكنه توفي في الرقة، فتولى أمر الجند الحسين بن علي بن ماهان، فعاد بهم إلى بغداد، ورفض القدوم على الأمين الذي أرسل إليه من يحضره، فاقتتل الطرفان وانهزم الجمع الذين أرسلهم الأمين، فخلع الحسين الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الاثنين، فلما أصبح الناس يوم الأربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه، وصار أهل بغداد فرقتين؛ فرقة مع الأمين، وفرقة عليه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فغلب حزب الخليفة، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه، ودخلوا به على الخليفة ففكوا عنه قيوده، ثم إن الأمين عفا عن الحسين وولاه الجند وسيره إلى حلوان، فلما وصل إلى الجسر هرب في حاشيته وخدمه، فبعث إليه الأمين من يرده، فركبت الخيول وراءه فأدركوه فقاتلهم وقاتلوه، فقتلوه لمنتصف رجب.
هو أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام عالم العصر ناصر الحديث، فقيه الملة، ثم المطلبي الشافعي، المكي، الغزي القرشي، أحد الأئمة الأربعة المشهورين في الفقه، ولد في غزة عام 150هـ فعادت به أمه إلى مكة، وهو ابن سنتين، فنشأ بها، وأقبل على الأدب والعربية والشعر، فبرع في ذلك.
وحبب إليه الرمي حتى فاق الأقران، وصار يصيب من العشرة تسعة.
ثم كتب العلم.
قال الشافعي: "أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن، فما علمت أنه مر بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه، ما خلا حرفين، إحداهما: دساها" وكان من أفصح الناس وأحفظهم، رحل إلى المدينة وسمع من الإمام مالك, قال الشافعي: "أتيت مالكا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلم لي مالكا فأتيته.
فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه.
فكان ربما قال لي لشيء: أعده, فأعيده حفظا, وكأنه أعجبه".
ثم رحل لليمن، ثم سير إلى العراق إلى الرشيد وبقي فيها وتفقه، وتكررت رحلته إلى العراق أكثر من مرة، ثم إلى مصر، وله من المؤلفات: الرسالة، والأم، واختلاف الحديث، وله ديوان شعر، انتشر مذهبه بسبب كثرة ترحله وجمعه بين طريقة المحدثين وطريقة الفقهاء، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة، قال يونس الصدفي: "ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيني، فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة؟ قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون".
توفي في مصر ودفن بالقرافة الصغرى، وله أربع وخمسون سنة.
هو أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور المأمون العباسي.
ولد سنة سبعين ومائة, واسم أمه: مراجل ماتت في نفاسها به.
قرأ العلم والأدب والأخبار، والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، وبالغ في تعريبها، وعمل الرصد فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن وامتحن العلماء به.
كان ذا حزم وعزم، ورأي وعقل، وهيبة وحلم، ومحاسنه كثيرة في الجملة.
كان أبيض ربعة حسن الوجه، تعلوه صفرة، قد وخطه الشيب، وكان طويل اللحية أعين ضيق الجبين، على خده شامة.
أتته وفاة أبيه وهو بمرو سائرا لغزو ما وراء النهر، فبويع من قبله لأخيه الأمين، ثم جرت بينهما أمور وخطوب، وبلاء وحروب، إلى أن قتل الأمين، وبايع الناس المأمون في أول سنة ثمان وتسعين ومائة.
كان متشيعا فقد كانت كنيته أبا العباس، فلما استخلف اكتنى بأبي جعفر، واستعمل على العراق الحسن بن سهل، ثم بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا ونوه بذكره، ونبذ السواد شعار العباسيين، وأبدله بالخضرة شعار العلويين.
مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة، فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد؛ وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء والقضاة والقواد، ثم بقي مريضا إلى أن توفي قرب طرسوس ثم حمله ابنه العباس، وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم، وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما.
هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة بعد موت المأمون، ولما بويع له شغب الجند، ونادوا باسم العباس بن المأمون، فأرسل إليه المعتصم، فأحضره فبايعه، ثم خرج العباس إلى الجند، فقال: ما هذا الحب البارد؟ قد بايعت عمي، فسكتوا، وأمر المعتصم بخراب ما كان المأمون أمر ببنائه من طوانة، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين بها إلى البلاد التي لهم، ثم ركب المعتصم بالجنود قاصدا بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل شهر رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام.
غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة التي كانت له، وعزله عن الوزارة وحبسه وأخذ أمواله، وجعل مكانه محمد بن عبدالملك بن الزيات، فكان المعتصم يقول: عصى الله وأطاعني، فسلطني الله عليه.
وقع عصيان أهل طليطلة على عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، صاحب الأندلس، وتم إنفاذ الجيوش لمحاصرتها مرة بعد مرة، فلما كانت هذه السنة خرج جماعة من أهلها إلى قلعة رباح، وبها عسكر لعبد الرحمن، فاجتمعوا كلهم على حصر طليطلة، وضيقوا عليها وعلى أهلها وقطعوا عنهم باقي مرافقهم واشتدوا في محاصرتهم، فبقوا كذلك إلى أن سير عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم إليها أيضا، فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كل مبلغ، واشتد عليهم طول الحصار، وضعفوا عن القتال والدفع، فافتتحها قهرا وعنوة، وأمر بتجديد القصر على باب الحصن الذي كان هدم أيام الحكم، وأقام بها إلى آخر شعبان من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، حتى استقرت قواعد أهلها وسكنوا.
هو أبو محمد زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أو زيادة الله الأول، أمير إفريقية، وكان أفصح أهل بيته لسانا وأكثرهم أدبا، وكان يقول الشعر، ويرعى الشعراء، كانت ولايته من قبل المأمون سنة 201هـ، فطالت أيامه واستقام الأمر, وبنى زيادة الله في أيامه سور القيروان ودار سوسة وقنطرة باب الربيع، وحصن الرباط بسوسة، وجامع القيروان بعد هدمه، وأنفق عليه ستة وثمانين ألف دينار، وفتح جزيرة صقلية على يد قاضيه أسد بن الفرات.
كان عمره يوم مات إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر، وولي بعده أخوه أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب.
توفي طاهر بن عبدالله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، أمير خراسان وابن أميرها, وكان قد ولي إمرة خراسان بعد أبيه ثماني عشرة سنة, فلما ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبدالله، عقد لابنه محمد بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبدالله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة
غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنا ومطأمير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك في جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف، فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير، ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفا، وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين، فلما قتل عمر بن عبيد الله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة من أهلها ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحو من أربعمائة رجل
كان سببها أن الأتراك وثبوا بالوزير عيسى بن فرخان شاه، فضربوه، وأخذوا دابته، واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على الجوسق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر, وتقتلون وزيرا وتثبتون آخر، وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك، فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا هم والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوا، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم، على ألا يحدثوا شيئا، ويكون في كل موضع يكون فيه رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر، فمكثوا مدة مديدة، ثم اجتمع الأتراك وقالوا: نطلب هذين الرأسين- يعنون محمد بن راشد ونصر بن سعيد- فإن ظفرنا بهما فلا ينطق أحد.
فبلغهما خبر اجتماع الأتراك عليهما، فخرجا إلى منزل محمد بن عزون؛ ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك، ثم يرجعا إلى جمعهما، فغمز ابن عزون بهما إلى الأتراك، فأخذوهما فقتلوهما فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن عزون، فكلم فيه فنفاه إلى بغداد.