داليا
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
أقتفي أثرها في حقول اليباب | من برج الى قلعة | ومن مدينة الى أخرى | أثرها العميق في جسدي | جراحها النازفة من قلب أيقونة | المضيء أسفل السّـرة | كنبعٍ في ظلام الغابة. | ينهمر مع كل خطوة أخطوها | مع كل محطة | أغامر باتجاهها. | هكذا مرّت أسراب الأزمنة | ملوّحة بأعلام مكسورة | وأياد ترتجف | من فرط ما قَسَتْ عليها المحبّة. | مرّ بدوٌ كثيرون على جِمالهم | مرّت قافلة السيرك | تتقدمها كلاب مسعورة | ومهرّجون بأصباغ وأساور | مرّ الطلبة والعمال | صبيحة يونيو | في شوارع القاهرة المُزحمة | مرّ الكائن بهباء أحلامه وقضاياه. | أقتفي أثرها | من مدينة الى أخرى مُحتلاً بآهاتها | وهي تتقلب بين ضفاف مسحورةٍ | عرّش فوقها نباتُ الجنس | كطحالب مخضّرة علي أديم المياه | أو كحيوانات بحرّية | تدلف كهوف القاع | ناعسة حتى الإرتخاء الكاملِ | في ممالك المرجان. | أسبح وحيداً | متشرداً | في الأصقاع الموحشة | تغمرني المياه المالحة | أحلم بالضفاف | كقرصان تعب من التجديف | وسط العاصفة | أصغي الى الضفادع | حادية الليل | منتشية بنداءها الأزلي. | أصغي الى عويل الصحراء | يتقدم المشيعون مواكبَها الجنائزيّة. | لم أحلمْ بعد ذلك | كانت الأبديّة تتمدّدُ | متثاءبةً على السرير | الأبديّة المضجرة. | لكن القارب أبحر من جديد | من غير شراع ولا مجداف | عبر بحار الزنج ربما | تلك التي دوّخت المسعوديّ | وحطّمت أشواقه | بأعصاير شياطينها المترحلّة. | والتي عبرها ذات يوم | سعيد المرجبي، العُماني الذي لقبّه | البريطانيون (بتيبوتب) | سعياً وراء الثروة والجاه. | عبرها الأندونيسيون القدماء من جزُر | الواق واق | باتجاه مدغشقر | عبرتها شعوب وأجيالٌ | غرقت في اللجج السوداء | قبل أن تصلْ. | أقتفي أثرها | في صرخة الوداع | بدموعها الحرّى | كجيش أطياف يلاحقني باستمرار.. | كنت في المطبخ | في ذلك اليوم المعتم من شهر آب | أرى البحر من نافذتي | والسماء الزرقاء بحيواناتها النائمة | أرى الوجوه تتلاشى دائماً | باتجاه المغيب | حين انفجرَ ضوؤها | من قلب تجرفه الأعاصير والأشواق | حيّتني وتوارت | خلف غلالةٍ من ضَباب | |
اخترنا لك قصائد أخرى للشاعر (سيف الرحبي) .