أرشيف المقالات

يا ليل. . .!

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للأستاذ محمد خير الدين الأسدي (تتمة ما نشر في العددين السابقين) نعود الآن فنرهب الموقف، وقد بدا لنا توجيه آخر، ذلك أن الغناء العربي من طابعه الإعادة والترداد، بأن تعاد الكلمات وأحيانا مقاطع هذه الكلمات، على نحو ما نسمعه اليوم، فهل يبعد أن كان ردد مغن مجيد مقطع (لي) من موالي، فكان من وراء هذا الترداد (لي لي) أو قل: ليلي مصدرة بأداة النداء القائمة بالأصل، ثم استحسن هذا التفنن وجرى الناس عليه إلى يومنا. ولعل ما أغرى المغنين بالتمسك بصورة يا ليلي نزوعهم إلى التفرقة بين الغناء الغرامي والغناء الديني المفتتح بيا مولاي - كما هو شأن التمجيد في المآذن -. عرفنا بعد ما تقدم أن يا ليلي أصلها يا موالي، فلنسجل هذا المذهب بجازم اليقين، لما أن البينات تدعمه، ثم لنسجل ما تبقى من تطورها بشيء من التحفظ، لما أن تاريخ الغناء ومرور الزمن تألبا على الغموض والإبهام. انتقال يا ليل من الموال: وكتب ليا ليل أن تفارق الموال إلى غيره من ضروب الغناء متنكرة بمظهر جديد - كما نرى نحن - منها. يا ليل في الموشحات: انتقلت يا ليل إلى الموشح بشكل (يا لا) و (يا لا لا) و (يا لان) و (يا لا لا لا) و (يا للي) كما في موضح (أحن شوقا) وتلحين الموشح كما يحدثنا الأستاذ رجائي: أحن شوقا إلى ديا إلى ديار رأيت فيها جمال سلمى آه يا لان جانم يا لا يا لا لا يا لان جانم يا لا لا لا يا للي.
وقد تظهر بمظهرها الأصلي: يا ليل أو يا ليلي، كما في الموشح الحديث: (زالت الأفراح عنا)، وتلحينه كما يحدثنا الصديق رجائي: ليلي يا عيني يا ليل زالت زالت يا عين وقد تكون يا لللي، كما في موشح (ما احتيالي) وقد تدخل في صلب الوزن الشعري بصيغة يا لالي ويا ليا وهلوليا، كما في (يا لالي هوانم آه يا لالي) و (يامه يا ليا يا زرد خلخالي) و (هلوليا هلوليا عيني يا لينية). وقد تبقى سالمة بإزالة تضعيف الياء، كما في لازمة من أغاني رقص السماح (مواليا يا مواليا والعشق غير حاليا).
وقد تحذف الألف كما في طقطوقة (زوالف يابو الزلف عيني يا مواليا). يا ليل في الغناء الفارسي: انتقلت يا ليل إلى الغناء الفارسي بشكل (دلاي)، وكان لها هذا التحريف لتتلاقى مع لفظ ذي دلالة في الفارسية، ذلك أن (دلاي) كلمتان: (دل) بمعنى القلب و (أي) أداة نداء وهكذا تبوأ يا قلبي - وما أحلى هذا النداء - مكانه في الغناء الفارسي، حذو أمها (يا ليلي) في الغناء العربي، فتكرر كثيرا ولا تزال دولتها قائمة، وإن كان معاصرونا يقللون من تردادها.
حدثنا بذلك موسى أفندي البهائي ابن أخي عبد البهاء في حفلة أقامها لنا الأستاذ ثابت عريس قنصل سورية بحيفا. يا ليل في الغناء الكردي: معظم الغناء الكردي من نوع الموال ولازمته التي تردد هي (لو لو وقد تقسم بين جزئي اللازمة (ده) الدالة على التكرار. وليست لو لو من لو الكردية بمعنى (يا): أداة النداء، إنما هي عندنا تحريف (ليلي) على شكل ينسجم مع مدلول آخر في الكردية. يردد المغنى الكردي (لو لو) كثيرا وكثيرا، ولقد عاب أحدهم كرديا بهذا الترديد الكثير الممل، فأجابه - وكنت أسمع -: جانم، وانتوليش بيقول: يا ليلي يا ليلي، فرد الحجر من حيث أتاه. يا ليل في الغناء التركي: وانتقلت إلى الغناء التركي، إلى ضرب من غنائهم المسمى (غزل) وهو ما يشبه الموال عند العرب لكنها تحرفت كثيرا، إذ كان مظهرها (ياري) أو (يارهي) يذكرنا بكامة (يار) الفارسية بمعنى حبيب مذيلة (بأي) أو (هي) أداة الهتاف وكثيرا ما تلحق بأمان أمان. وإذا لاحظت إمالة الراء في (ياري) وإمالة الهاء في (يارهي) بدا لك أن وزنهما وزن (يا ليل) الممالة واحدة. هذا في نوع الغزل، أما ما عداه من الغناء التركي فقد استعملوا فيه (واره للي للي للي) حتى جاء منير نور الدين مغني أتاتورك فاستعمل هذه الأخيرة في المقامين: الغزل وغير الغزل. وبمناسبة الغناء التركي ويا ليلي نورد لطيفة يتحدث بها أهل استنبول، تلك أنهم زعموا أن عربيا صحب شيطانا في سفر له من استنبول إلى بغداد، واقترح عليه أن يقطعا الطريق بالغناء على أن يركب صاحب الدور في الغناء ظهر صاحبه إلى أن ينتهي، فيؤول الدول إلى الثاني وهكذا. ها هو ذا الشيطان على ظهر العربي وها هي ذي أغنيته تردد البراري صداها، حتى إذا ما انتهى نزل وكان الدور للعربي، فركب وأرسل الصوت بيا ليلي يا ليلي.

قالوا بلغ بغداد ولم ينته من يا ليلي.
يا ليل في الغناء الأرمني: تستعمل يار الفارسية في الغناء الغرامي المدعو عندهم (أشوغا كان) ونلاحظ التقارب اللفظي بين هذه الكلمة وكلمة (عشق) العربية. وتستعمل (لو لو في هذا الضرب وتتجلى في أغنية (سيبانا كاجر) أي أبطال جبل سيبان، وهو قرب مدينة وان، وهذه الأغنية قديمة العهد، وشاعرها مجهول. وقد تستعمل (لي لي) بالإمالة وهذه مستفيضة.
وأن (لو لو) و (لي لي) كليهما لا مدلول لهما في الأرمنية. يا ليل في الغناء القوقازي: قبيلة غموق في داغستان تستعمل (دلاي) أو (دللاي) في ضرب من غنائها، يرددها المغني كثيراً، وقد ترددها الجوقة دون المغني، وهي لا مدلول لها عندها. يا ليل في الغناء الديني ليهود حلب: يهود حلب دون كل يهود العالم يحتفظون في تقاليدهم بكثير من التراث القديم، ولقد كتب لنا أن درسنا في مدراسهم اثنين وعشرين عاما، اطلعنا فيها على الكثير من دينهم ولغتهم وأساطيرهم وما إلى ذلك. ومما نعرفه ونحن في صدد يا ليلي أنهم ينقلون النغم العربي إلى حفلاتهم الدينية الفرعية بألفاظ عبرانية تشابه جدا الألفاظ العربية كل هذا بتوخ وقصد، ولطالما سمعنا طلابنا الشادين يغنون (يه الي) بإمالة الهمزة، فهي على وزن يا ليلي، وهي قريبة اللفظ منها، ومعنى يه الي: الله إلهي، إذ أن (يه) المقطع الأول من يهوه. يا ليل في الغناء الغربي: يستعمل الغربيون عامة لدى تجسيد النغم (لي للي.

لم) وظني أن هذه الألفاظ التي أهملتها معاجمهم هي من (ليلي) مقفاة بالميم المؤذنة بالوقفة، أو بأمد من السكوت يوحي بع إطباق الفم بها. فإذا صح ما قدمته صح معه أن دولة يا ليل العربية تمتد من مراكش فشمال أفريقيا فجزيرة العرب ما خلا البادية فالعجم فتركية فأرمينية فالقوقاز فسائر أوروبا، ومن اصطبغ بمدنيتها من أمريكا وسائر المعمورة. وعلى هذا الامتداد لا يكاد يدور دولاب الزمن نحواً من الدقيقة ألا يتموج الهواء بيا ليل نهار دون انقطاع، وهذا مجد ما بعده من مجد. (تم البحث) محمد خير الدين الأسدي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢