أرشيف المقالات

في الأدب الإنجليزي

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 شكسبير والمعاصرون للأستاذ جرجيس القسوس كان ظهور شكسبير في عالم الشعر وائتلاق نجمه في الأوساط الأدبية وهو الرجل غير المثقف من المعجزات ذلك العصر بل كلُّ العصور بالحقيقة، فقد كان يتنازع الشهرة الأدبية بزعامة الشعر فريقان، الأول مكون من رجل واحد هو كرستوفر مارلو الشاعر النابغة الفحل، والثاني يتزعمه توماس ناش وأغلب أعضائه من الشخصيات العلمية الجامعية، فناش وصحبه تخرجوا في جامعة كمبردج وغيرها من كبريات الجامعات في إنجلترا. وبالرغم من اشتداد التنافس والتناحر بين هذين الفرقين فقد كان من المسلم به أن مارلو هو الزعيم الأدبي والشاعر العبقري غير مدافع. لكن الخطر كلُّ الخطر داهم هذه الشخصيات العلمية الجامعية بظهور ممثل من عامة الناس لم يكن له شأن من قبل أو خطر، أخذ في تأليف المسرحيات على شتى أنواعها، والتجديد فيها وإعدادها لفرقة تشمبرلن التمثيلية بمظهر ملائم ذوق الناس الأدبي. وقد سبق أن نشر شكسبير من قبل قصيدتين مذيلتين باسمه الصريح، فلفت إليه الأنظار، وجعل الأدباء يرمقونه بروح الدهشة والقلق والإشفاق، كلُّ ذلك في 3 سبتمبر 1592 حين وافى الأجل الأديب المعروف روبرت جرين تاركاً مقالاً محفوظاً، فتولى هنري تشتل نشره في الثامن من ديسمبر من تلك السنة، وفيه تعريض بهذا الشاعر الطارئ الحديث الشأن كما سترى.
بيد أن تشتل عاد فنشر اعتذاراً من شكسبير وثناءً عليه لدماثة خلقه وأمانته واستقامته، وكذلك لسمو فنه الأدبي، وفي ختام مقاله يخاطب جرين ثلاثة من المؤلفين المسرحيين هو مارلو وتوماس لودج وجورج بيل ناصحاً إياهم أن ينصرفوا إلى غير مسائل التأليف.
وفيه ترد العبارة المشهورة التي تشير إلى ظهور شكسبير ((ذلك الغراب المحدث، المتزين بريشنا، الذي بمجرد قوله (قلب النمر المكتسي بجلد الممثل) يعتقد أنه يجيد نظم الشعر المرسل كأحسن الشعراء.
هذا الشخص الذي (يحذق حرفاً عديدة)، وهو ظنه (الشيكسين) الأوحد في بلده). ومن الجلي الواضح أن جرين بذكره (لقلب النمر المكتسي جلد الممثل) إنما يشير إلى وصف شكسبير (لقلب النمر الملتف بجلد المرأة) الوارد في الجزء الثالث من مسرحية هنري السادس التي كانت تعرف قبلاً (بمأساة ريتشارد أوف يورك) ثم في لفظة (شيك سين) إشارة واضحة إلى أسم شكسبير، ذلك لما بين الكلمتين من تشابه لفظي ظاهر.
أو قد يكون المقصود بذلك، ومعنى (شيك سين): (يحرك المنظر، أو يغير المشهد)، غمزُ الشاعر من طرف خفي ونقده بأسلوب رقيق هادئ لرجوعه إلى النسخة الأولى من (هنري السادس) وهي من تأليف جرين وصحبه، وإخراجه نسخة جديدة من تلك الأصلية القديمة. ومن قول جرين هذا نخرج بثلاث حقائق راهنة: - الأولى: إن شكسبير كان ممثلاً وكاتباً مسرحياً بعيد الصيت، فلا عجب أن ملأ نفوس الأدباء المعاصرين بالحسد والحقد والضغينة والمقت الشديد. الثانية: ظهور مسرحية (هنري السادس) بأجزائها الثلاثة والتي ربما مسها شكسبير بقلمه كما تبين من نشرها في المجموعة الأولى لمسرحياته (1623). والثالثة: إن شكسبير كان في بعض الأحيان بل أغلبها يسطو على بعض القصص في مسرحيات غيره من الأدباء وينهبها في وضح النهار نهباً.
ويتضح هذا من قول جرين (النمر المكتسي بجلد الممثل)، ومن (الريش الذي استعاره منا الغراب الأسحم ليتزين به). أما المسرحيات التي أثارت دهشة جرين وحسده وجزعه معاً فلا يبعد أن تكون (هنري السادس) التي راجعها الشاعر على كلُّ حال وترك فيها أثراً ظاهراً.
فقد لفتت إليها نظر جرين وأقرانه لما فيها من ازدحام الحوادث المتنوعة بشكل لم يعهد من قبل؛ وكذلك (تيطس أندرونيكس) التي يعتقدون أن شكسبير لم ينفرد بتأليفها بل اشترك في مراجعتها وتصحيحها؛ وهي مأساة رائعة إذا قيست بمآسي مارلو وتوماس كد التي كانت تعد من أعظم وأنفس ما شاهده ذلك العصر.
وبتأثير ليلي طرق شكسبير باباً جديداً في فن الدراما هو الملهاة المفعم بالمحسنات اللفظية والكناية والاستعارة، فقد كان يحبذ هذا اللون من أساليب الكتابة الناشئون في الأدب، وهو أبرز ما يتمثل في جهد (الحب الضائع) هذه هي المسرحيات التي ألفها شكسبير قبل وفاة جرين، فاسترعت انتباهه، وحولت إليه أنظار الأدباء والناس جميعاً.
وبعد وفاة جرين بسنة يأفل نجم مارلو في سماء الأدب، ثم يقضي كد نحبه سنة 1559، ويعرض لودج عن الأدب وينصرف إلى ممارسة الطب، ويخرج ليلي من القصر، وينغمس بيل في اللذات وينقطع عن الإنتاج الأدبي، ويتحول ناش إلى أدب الهجاء والقصة وهذا لا خطر منه، حتى إذا ما جاء عام 1598 لم يشهد في حلبة الأدب المسرحي على الأخص من يناقش شكسبير أو يجاربه. ومن المحال أن تذكر لأديب ما في ذلك العصر مأساة أو ملهاة كان لها ما لأدب شكسبير الدرامي من قيمة أو وزن.
فلا عجب أن ترى أستاذاً جامعياً كبيراً كتوماس ميرز يضع شكسبير في مصاف المسرحيين العالميين الذين نبغوا في بابي الملهاة والمأساة.
فقد وضع ميرز كتاباً أسمه (بلادس تاميا) (استعرض فيه المجهود الأدبي منذ تشوير) حتى عصر اليزابث، وتناول بالدرس والبحث نحو مئة وخمسة وعشرين أدبياً الإنجليز، مقارناً بين كلُّ واحد منهم وبين من يرى أنه يشبهه من أدباء العصر الاتباعي القديم، أو أدباء الطليان في عصر الرينسانس.
وفي هذا الكتاب يشير إلى شكسبير مطرياً شاعريته الفذة، كما تجلت له قصيدتي (فينس وأودنيس) (ولوكريس) ويرى أن ليس دون أوفيد الشاعر الروماني العظيم مؤلف (المتامور فيسس) أوبلونس شاعر الملهاة عند الرومان، وسنيكا الفيلسوف الروماني تالذي برع في تأليف المأساة.
فيقول ميرز إن شكسبير لا يقل عن هؤلاء جميعهم في مسرحياته (كوميديا الأخطاء، وجهد الحب الضائع وسيدا فيرونا، وحلم ليلة في منتصف الصيف، وتاجر البندقية، ورتشارد الثاني والثالث، وهنري الرابع، والملك جون، وروميو وجوليت، وتيطس أندرونيكس). ولهذا القول ولتعداد هذه المسرحيات قيمة مزدوجة، الأولى وهي مجرد ذكرها وعزوها لشكسبير دون غيره، وفي هذا رد على الذين يعزون نظمها إلى غيره، وفيه دلالة على أنه ألفها قبل أن يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره، والثانية تألق نجم شكسبير في سماء الأدب وازدهار شهرته الأدبية في برهة وجيزة ازدهاراً لفت إليه الأبصار. ولم يقف الأمر عند إشفاق الأدباء، وقلقهم وجزعهم، أو ثناء البعض الآخر عليه وإعجابهم به؛ فقد وردت إشارات عدة في الأدب المعاصر تشيد بذكر هذا الأديب (ذي اللسان المعسول) (والعرق الذي يفيض شهداً) (والخلق السمح والبال الرخي). ولقد كان له في نفس بن جونسون صديقه الأدنى وثاني الشعراء والمؤلفين المسرحيين بعده منزلة وطيدة راسخة الأثر، برغم أنه كان يغمره أحياناً ويأخذ عليه ما يبدو في أدبه من نقص في الثقافة والعلم.
فإنك لا ريب ذا كر تلك القصيدة العصماء التي قد لا يعلو عابها عليها شيء في الرثاء، وقد نظمها بعد وفاة شكسبير، وصدر بها المجموعة الأولى من مسرحيات شكسبير، وفيها يؤمن الشاعر ويطنب في مدحه، فيصفه (بأوزة آفون الحلوة) بضعة فوق تشوسر وسبنسر وبيمونت بل يجعله وحده (تمثالا فريدا لا ضريح له). ثم يصف كيف غشى نجم شكسبير بنوره المتألق الساطع وأخفى ضياء تلك الكواكب الزاهرة في عالم الأدب كما لو وكد وليلى وغيرهم من فطاحل الأدباء.
وفي هذه القصيدة: نفثة من هاتيك النفثات الفريدة الصادقة التي يلفظها أحيانا العقل والقلب معاً فتقارب بقوتهاوسحرهاوروعتها أخلد النبوت.
(فهو يرى لبرطانيا أن تسير وتغتبط إذ أنجبت هذا الإبن العظيم الذي سوف تبايعه وتطيعه وتخلص له جميع المسارح في أوروبا؛ وأن شكسبير لم يكن لعصر واحد، إنما للزمان بأكماله، ولا أظنك بحاجة لشرح وبسط ما حققت الأيام من هذه النبوة الرائعة، فقد أصبح شكسبير منها للأدب عذبا، ومنبعاً لا يغيض ماؤه وأضحى نجمه يشع في سماء الأدب إشعاعا، ويتلألأ بالنور الزاهر الدائم، فيهتدي به الشعراء في إنجلترا وفي معظم أقطار العالم أيضاً. شرق الأردن جرجيس القسوس

شارك الخبر

المرئيات-١