أرشيف المقالات

القضاء في الإسلام

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 قطعة من محاضرة ألقيت في دمشق سنة 1942 ولم تنشر للأستاذ علي الطنطاوي (مهداة إلى الرجل الذي أرادنا في شخصه صفحة حية من أمجاد قضاتنا الأولين، وفاخر به عصرنا العصور السالفات.
. .
عارف الكندي)
يا سادتي! أحب أن أكون هذه العشية مؤرخاً لا شاعراً، وأن أعرض عليكم حقائق ثابتة بأسلوب هادئ، فلا أفخر ولا أبالغ، ولا أملأ الأذان إغراقاً وتهويلا، فإذا سمعتم مبالغة فاعلموا أن الواقع هو الذي يبالغ، وما هو ذنبي إذا كان قضاتنا الأولون قد نظموا بأعمالهم قصائد دونها في الفخر معلقة ابن كلثوم، وجعلوا من مناقبهم مفخرة خالدة لكل من قال (أنا عربي)، أو قال (أنا مسلم).

كانوا أعلام الهدى في طريق العدالة، وكانوا الدراري في سماء القضاء، قد بذوا كل سابق وفاتوا كل لاحق، وما كان مثلهم، ولا أحسبه يكون! أني والله أخذ تاريخهم فاختصره وألخصه واعرضه عليكم، وربما أشرت إشارة عابرة إلى القصة لو سمعتموها على اصلها ما دريتم لفرط ما يخالطكم من السمو والزهو وهزة الطرب وأخذة العجب! أفي أرض انتم أم في سماء.

لا تعجبوا، ففي تاريخنا من الأمجاد ما لو أفيض على أفراد البشر لجعلهم كلهم عظماء! وبعد، يا سادتي، فإن القضاء أعلى درجة استطاع البشر الارتقاء إليها.
ارفعوا القضاء من تاريخ الإنسان يهبط إلى درك البهائم، ويأكل القوى من بني آدم الضعيف، وإن معنى الإنسانية وحقيقتها في الحياة المجتمعة الهادئة الآمنة، التي لا يطغى فيها أحد على أحد، والتي تصان فيها الحوادث والحريات، وتحفظ الدماء والأعراض، ويتحقق فيها التعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولا يكون ذلك كله إلا بالقضاء. والقضاء - عند المسلمين - أقوى الفرائض بعد الإيمان، وهو عبادة من أشرف العبادات، لأنه إظهار للعدل، وبالعدل قامت السموات والأرض.
وصف الله به نفسه إذ قال (فالله يحكم بينهم) و (أن ربك يقضي بينهم)، وأمر به نبيه فقال (وإن احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم)، وجعل أنبياءه قضاة بين خلقه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون)، وبه اثبت الله اسم الخلافة لداود حين قال له (يا داود، أنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى). والقضاء أول ما تعقد عليه أمة خناصرها، إذا عددت أمجادها ومفاخرها.
وإذا استدل بفرد على سلائق جيل، كان القاضي العالم العادل اظهر دليل على مكارم شعبه ونبل أمته.
وإذا كان بين الشعوب اليوم من يفخر باستقلال قضائه، وعزته ومضائه، ففاخروه يا شبابنا بقضائكم بكن لكم الفخار، وتعقد على جباهكم تيجان (الغار)، ولكن لا تناموا على هذا المجد التليد، بل انهضوا فصلوه بمجد لكم جديد! يا أيها السامعون! أني لا ألقي خطابيات، ولكن اسرد حقائق: هذا قضاؤنا، فمن عرف قضاء اشد منه استقلالا؟ هل نال قاض في أمة من الحرية مثل ما كان لقضائنا؟ لم يكن القاضي مقيدا بمذهب بعينه لابد له في مخالفته، ولا مربوطا بقانون بذاته لا يملك الخروج من رقبته، وليس الخليفة عليه في حكمه سلطان، ولا لأمير معه في قضائه كلام، تبدلت على المسلمين دول، واختلفت حكومات، وقام قاسطون ومقسطون، وخيرون وشريرون، والقضاء في حصن حصين، لا تبلغه يد عادل ولا ظالم، ولا يمسه خليفة حق ولا سلطان جائر.

القاضي واجتهاده، مرجعه كتاب الله وسنة نبيه، ورقيبه ضميره ودينه، ووازعه أيمانه ويقينه.
وسيأتي الكلام في صفات القاضي، وإن الأصل فيه أن يكون من أهل الاجتهاد لا من المقلدين.
ولقد رأيت في تراجم بعض القضاة أنهم كانوا يرجعون إلى الخلفاء يسألونهم ويستفتونهم، وإن من الخلفاء من كان يذيع من (البلاغات) ما ظاهره إلزام القاضي بقول أو مذهب.
وتحرير الكلام في هذه المسألة أن من أعمال الخلفاء الاجتهاد والفتوى والقضاة وقيادة الجيوش وسد الثغور، ومن شرائطهم العلم، فإذا رجع القضاة إلى الخلفاء، فإنما يرجعون إليهم لعلمهم وفقههم لا لسلطانهم ومنصبهم، وأكثر ما رأيت من السؤال إنما هو لعمر بن عبد العزيز وأمثاله.
ولقد كانوا يقولون: (العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة).

ولم يكن القضاة ملزمين بالعمل بجواب الخليفة أو بلاغه.
ولقد رد القاضي المصري بكار بن قتيبة بلاغ الموفق العباسي، لما ثبت عنده أنه مخالف للحكم، ومناهض للدليل واسقط العمل به ولعمر الحق ما فرط قضاتنا بهذه الأمانة ولا أضاعوها، بل كانوا أمناء عليها، قائمين بحق الله فيها، لا يعرفون في الحق كبيرا ولا صغيراً، يقيمونه على الملوك قبل السوقة، ويأخذون للضعيف الواني من القوى العاتي، لم تكن تنال منهم رغبة ولو جئتهم بكنوز الأرض، ولا تبلغ رهبة ولو لوحت لهم بالموت منشورا، بل كانوا في الحق كالجبال هيبة وثباتا، وفي إنفاذه كالصواعق مضاء وانقضاضاً، وسيأتيكم محمد بن عمران قاضي مكة، الذي ادعي لديه جمال على أمير المؤمنين، العظيم المخيف، أبي جعفر المنصور، فبعث إليه (مذكرة حلب)، فجاء به في خف وطيلسان ما عليه من شارات الإمارة شيء، حتى وقفه بين يديه مع الجمال.
وشريك قاضي الكوفة حين ادعت لديه امرأة مجهولة على الأمير الخطير ابن عم الخليفة وثاني رجل في الدولة بعده عيسى بن موسى، فحكم عليه حكما غيابيا، فامتنع الأمير من إنفاذه وتوسل إليه بكاتبه، فحبس القاضي الكاتب لأنه مشى في حاجة لظالم، فاستعان عليه بجماعة من وجوه العراقيين من إخوان القاضي، فساقهم جميعاً إلى الحبس، فغب الأمير وبعث من أخرجهم.
عند ذلك - أيها السادة - عصفت نخوة الشرع في رأس القاضي، وأخذته عزة الإيمان فقال: (والله ما طلبنا هذا الأمر (يعني المنصب)، ولكنهم أكرهونا عليه، وضمنوا لنا فيه الإعزاز إذ تقلدناه لهم).
ثم ختم قمطره، وجمع سجلاته، واحتمل بأهله، فتوجه نحو بغداد، ووقعت الرجفة في الكوفة حين مشى فيها خبر خروج القاضي، حتى خاف الأمير على سلطانه، فلحق بالقاضي يناشده الله أن يرجع، فقال القاضي: (لا والله حتى يرد أولئك إلى الحبس، فما كنت لأحبس أنا وتطلق أنت)؛ فبعث الأمير من يرجعهم إلى الحبس، والقاضي واقف ينتظر حتى جاءه الخبر بأنهم قد أرجعوا، فقال القاضي لغلامه: خذ بلجام دابة الأمير وسقه أمامي إلى مجلس الحكم، إلى المسجد، أيها السادة، وهناك أجلسه بين يديه مع المرأة، فلما انتهت المحاكمة وحكم لها عليه، نهض إليه فسلم عليه بالأمارة وقال له: هل تأمر بشيء؟ فضحك الأمير وقال: بماذا أمر؟ وأي شيء بقي؟ قال له شريك: أيها الأمير، ذاك حق الشرع، وهذا حق الأدب.
فقام الأمير وهو يقول: من عظم أمر الله، أذل الله له عظماء خلقه! هذا قضاؤنا، فهل سمعتم عن قضاء أنه بلغ في التسوية بين الخصوم مبلغه؟ لقد سووا بينهم في المجلس والخطاب والبشر، واللفتة العارضة، والبسمة البارقة، بله الحكم.
وقد بلغ التدقيق في تحقيق هذه التسوية مبلغا لا غاية وراءه، فاقترن في هذه المسألة العلم بالعمل، وحقق القضاة ما دون الفقهاء، فافتحوا اقرب كتاب فقه إليكم تروا ماذا دونوا.
وقف بين يدي المأمون وهو في مجلس المظالم رجل يتظلم منه نفسه، فترادا الكلام ساعة فما اتفقا، قال المأمون: فمن يحكم بيننا؟ قال: الحاكم الذي أقمته لرعيتك يحيى بن أكثم، فدعا به المأمون فقال له: أقض بيننا؛ قال: في حكم وقضية (أي في دعوى)؟ قال: نعم؛ قال القاضي: لا أفعل.
فعجب المأمون وقال: لماذا؟ قال يحيى: لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضاء، فإن كنت له دعوى فليأت مجلس الحكم (أي المحكمة)؛ قال المأمون: قد جعلت داري مجلسا للقضاء.
قال: إذن فأني أبدأً بالعامة ليصح مجلس القضاء (وتكون المحاكمة علنية)؛ قال المأمون: افعل؛ ففتح الباب، وقعد في ناحية من الدار، وإذن للعامة، ونادى المحضر، وأخذت الرقاع (أوراق الدعوة والإعلان)، ودعي الخصوم على ترتيبهم حتى جاءت النوبة إلى المتظلم من المأمون، فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون.
فنادى المحضر: (عبد الله المأمون)! فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى، ويحيى جالس، فقال للمأمون: اجلس! فطرح الغلام المصلى ليقعد عليه، فمنعه القاضي حتى جاء بمصلى مثله، فبسط للخصم وجلس عليه، والقصة طويلة عجيبة، تتمتها أعجب من فاتحتها، فاقرؤوها في (المحاسن والمساوئ) للبيهقي، الجزء الثاني الصفحة 151، وأنكم لتحارون بعد مم تعجبون: من جرأة الرجل، أو من صلابة القاضي، أو من أخلاق المأمون! ومن قبله غضب علي - كما قيل - حين كانت له دعوى مع اليهودي، لأن القاضي ناداه: يا أبا الحسن، ودعا اليهودي باسمه، فرأى في ذلك تعظيما له وإخلالا بالمساواة بين الخصوم، والله اعلم بصحة ما قيل.
ونزل ضيف يخبر بن نعيم قاضي مصر فأطعمه وأكرمه، ثم علم أن له خصومة لديه، فتركه في الدار، وذهب يفتش عن خصمه حتى جاء به فأجلسه معه على المائدة.
وقد حدثني عمي القاضي النزيه صلاح الدين الخطيب عن عمه قاضي يافا في زمانه العالم الجريء المشهور صاحب النوادر الشيخ أبي النصر الخطيب بمثل هذه القصة.

وما كان الخير لينقطع في أمة محمد إلى يوم القيامة! هذا قضاؤنا، فهل أسمعتم أن قضاء أسرع في إحقاق الحق منه، وابعد عن التعقيد والالتواء والتسويف والتأجيل؟ أن الحق اليوم لا يكاد يصل إليه صاحبه حتى تتقطع دونه الأعمار، وما أجدى حق يأتي من دونه المدى الأطول؟ لقد كانت بيننا وبين آل الصلاحي في دمشق دعوى على أرض لبثت في المحاكم ثلاثا وثمانين وخمسة أشهر.

أقامها على جدهم جدي الذي قدم من (طنطا)، وانقرض منا ومنهم بطنان والدعوة قائمة، وقد خسرناها أخيراً.
وصدقوني إذا قلت لكم أني لم ادر إلى الآن مع من منا الحق، ولم أفهمها.
وكيف ادرس ملفا فيه من الأوراق المكتوبة بالعربية والتركية والفرنسية أكثر مما في تاريخ بن جرير الطبري؟ أما قضاؤنا، فكان يبت في القضية مهما عظمت في جلسة أو جلستين، لا يعرف هذا التطويل وهذا التأجيل.
ولقد حكم قاضي مصر محمد بن أبي الليث في دعوى بني عبد الحكم المشهورة بمبلغ مليون وأربعمائة وأربعة آلاف دينار ذهبي في جلسة واحدة يوم السبت 8 جمادى الأولى سنة 237هـ، ورضى بحكمه الفريقان.
روى ذلك الكندي. وهل مثل قضاتنا في التنزه عن كل ما يقدح بحشمة القاضي ووقاره، وفي التحرز من أدنى التهم، وأضعف الميل؟ وهل للقضاة في أمة اليوم مثل ما كان لقضاتنا من رفيع الشان وعظيم القدر؟ يا أيها السادة! اذهبوا إلى سوق الكتب فاطلبوا كتاب (الخراج) الذي ألفه القاضي الإمام أبو يوسف للرشيد واقرؤوا مقدمته، واذكروا عظمة الرشيد وكبر نفسه وجلال ملكه، ثم انبشوا تواريخ الأمم الماضية وأخبار الأمم الحاضرة، وانظروا.

هل تجدون قاضيا، أو عالما، يقول لملك دون الرشيد بمائة مرة مثل هذا الكلام أو قريبا منه: (الله الله، أن البقاء قليل، والخطب خطير، والدنيا هالكة وهالك من فيها، والآخرة هي دار القرار، فلا تلق الله غدا وأنت سالك سبيل المعتدين، فإن ديان يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم، وقد حذرك الله فأحذر، فانك لم تخلق عبثا، ولن تترك سدى، وإن الله سائلك عما أنت فيه، وعما عملت به، فأعدو يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها، فإن ما عملت قد أثبت فهو عليك غدا يقرأ، فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد) أيها السادة، هذا بعض ما خاطب به أبو يوسف القاضي هارون الرشيد أمير المؤمنين والحاكم المطلق في ست عشرة حكومة من حكومات هذه الأيام! علي الطنطاوي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١