أرشيف المقالات

التصوير الفني في القرآن

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
8 لمؤلفه الأستاذ سيد قطب للأستاذ عبد المنعم خلاف نقد وتعليق هو كتاب شاعر ناثر ناقد، زاول الشعر والنثر والنقد، ونجح في ذلك كله كثيراً من النجاح. ولابد لمن يتناول البحث في القرآن من جانب فنه البياني أن يكون قد زاول التعبير الفني ونجح فيه واتصل بفنونه اتصالاً وثيقاً، وأن يكون كذلك له ذوق وحكم وتقليب نظر في أجواء البيان الرفيع. ولست أقدم (المؤلف) للقراء، فهم يعرفونه، بل أقدم كتابه هذا الذي هو لا شك نظرة واسعة لبيان القرآن جاوزت حدود تلك النظرات القديمة المعقدة الضيقة التي كانت في أكثرها تتخذ (وحدة) القياس البياني في الغالب من العلاقات والتخييلات الجزئية بين أجزاء الجملة.
فتنظر لوضع اللفظ وحده في وصلته بالحقيقة والتخييل، وقليلاً ما تتخطاه إلى الصورة الجامعة وملابساتها وما حولها من الظلال والرموز. ومن حق المؤلف أن يخطئ من النقد بالتفتيش والتتبع لما يكتبه من أدب حر، لأنه هو يعنى نفسه في التفتيش والتتبع لما يكتب المؤلفون، وتقديمه للناس وتعريفهم به.
وهو عمل متعب مشكور، له أثره في تعريف الكتابين إلى أنفسهم أولاً، وفي وجود صدى لابد منه لآثارهم.
وفي إثارة الأذهان نحو النقد والحكم على الآثار الأدبية ومعرفة أهدافها وتبيين آثارها وأساليبها وسماتها، وفي التاريخ لها أولاً بأول.
والذي أستطيع أن أقوله بسرعة عن هذا الكتاب: إنه ينزل إلى مكان كريم من مكتبة القرآن، لأنه حديث جديد عميق في أسرار بيانه، وعرض رشيق لمذهب من مذاهب الفهم والذوق لإعجاز تعبيره. وينزل كذلك إلى مكانه من مكتبة بحوث (البلاغة) والنقد الأدبي، لأنه ظاهرة طيبة لتحررهما من النظرة الجزئية وتسديدهما إلى النظرات الواسعة الكلية التي تستوفي (الجو) العام الذي صدر فيه الأثر البياني، وتتلمس المناسبات الداخلية والخارجية حوله، وتح العلاقات الكثيرة بين الكاتب والمكتوب والقارئ والموضوع. ويدخل كذلك ببعض فصوله إلى مكانه من مكتبة الأدب الفني لأنه يكشف عن صورة للقرآن في ذهن شاعر معروضة عرضاً جميلاً بأسلوب ناثر دقيق التعبير مشرق الأسلوب، له ذوق وحساسية وبيان، لا بأسلوب (محصل) علم، إن أصاب الفكرة فقد يخطئ التعبير. ويدخل كذلك إلى مكتبة (الفن) وأعنى به هنا التصوير بالريشة والإزميل، فهو يضع أمام المصورين الباحثين عن المشاهد الرائعة صوراً بيانية للوحات حية مشروحة الدقائق والتفاصيل والأضواء والظلال والأطياف والشواخص والمعاني، يستطيعون أن يتملوها ويتفرسوا فيها فيجدوا متاعاً أي متاع.
. وينزل كذلك إلى مكانه من (البحث) المستقصى والتتبع والتحقيق وجمع الحلقات المفرقة عن الموضوع الواحد.
كما يتجلى ذلك في مباحث (القصة في القرآن).
وهي مباحث استغرقت أكثر من ربع الكتاب وتعد موضوعاً قائماً بذاته فيه. وقد عرض في بعض فصوله لكثير من المباحث التي تدور حول القرآن، ولا غنى عنها لمن يريد أن يتفرس في بيانه. غير أنني أخشى أن يكون قد أفلتت لفظه أو اثنتان من قلم المؤلف في أهم فصل من فصول الكتاب خرجت بهما فكرته الأساسية التي عنونه بها في جو من المبالغة والتعميم. ذلك أن يقرر في الفصل الذي أنشئ من أجله الكتاب أن (التصوير هو الأداة (المفضلة) في أسلوب القرآن) وأن إدراكه وسيلة إلى (إدراكنا (سر الإعجاز) في تعبير القرآن) فإذا تجاوزنا عن الفرق بين كلمة (أسلوب) وكلمة (تعبير) وفهمنا أن الأستاذ في الغالب يريد من الكلمة الأولى معنى الكلمة الثانية، إذ لا يخفي عليه الفرق بينهما، وخصوصاً في القرآن، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز عن إطلاق كلمة (المفضلة) ولا عن إطلاق (سر الإعجاز) لأن الحكم بتفضيل القرآن للتصوير كأداة في التعبير يقتضي الاعتماد على (الإحصاء) وظهور نتيجته بكثرة عددية.
.
فهل إذا أحصينا طرق التعبير في القرآن نجد ما قرره المؤلف يحظى بالكثرة العددية؟ إني أترك له أن يستعرض صفحات القرآن، فسيجد أن التصوير الفني أداة واحدة من أدوات التعبير الكثيرة في القرآن، وليست هي الغالبة ولا الكثيرة. فتارة يعبر عن المعنى المراد بالتعبير المتكافئ المعنى واللفظ، والذي يستخدم الألفاظ الوضيعة وحدها، وتارة يستعير لفظاً واحداً من غير أسرة الألفاظ التي في الجملة ليحرك به الخيال ويلمس الحس لمساً رفيقاً، وتارة تكون ألفاظ الحقيقة وملابسات الخيال متساوية، وتارة تكون ملابسات التصوير وإثارة الخيال هي الغالبة، وتارة تكون هي الكل، ومع ذلك يحتفظ القرآن في كل أولئك بأسلوبه المتفرد وسر إعجازه؛ فليس التصوير الفني وحده هو سر الإعجاز في تعبيره كما يرى المؤلف الصديق. وحديث سر الإعجاز حديث شغل الباحثين في القرآن من قديم، ولا يزال يشغلهم للآن، وسيظل يشغلهم أبد الدهر، ولن يصلوا إليه (ويدركوه) وقد (أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض)؛ لأننا نستطيع في اليوم الذي (نصل) فيه إلى إدراك سر الإعجاز في تعبير القرآن أن نستخدمه في صنع كلام معجز.

وحينئذ لا يكون معجزاً.

مادام مفتاحه بأيدينا وفي طوق صنعتنا. فالمعجز من أمور الحياة هو ما لا يمكن الوصول إلى سره واستخدامه.
ونحن نجد في مواريث أرباب البيان الرفيع في كل لغة استخدام التصوير الفني للتعبير عن (المعاني الذهنية والحالات النفسية والحادث المحسوس والمشهد المنظور والنموذج الإنساني والطبيعة البشرية) إلى آخر ما قرره المؤلف من الحالات والسمات والمواقف التي رأى القرآن يعبر عنها على قاعدة التصوير التي تجعل (المستمعين نظارة) فلو لم تفلت هاتان الكلمتان من قلم المؤلف الواعي، ولو لم يحاول أن يجعل قضية كتابه التي عنونه بها (قاعدة ومذهباً مقرراً وخطة موحدة وخصيصة شاملة) يفضلها أسلوب القرآن أو بالأحرى تعبيره، إذا لجاء المعنى الذي أراده خالياً من هذا التعميم، ولكان موضوعه كما يحدده عنوان الكتاب هو استقراء (الصورة الفنية) في القرآن وعرضها والتعليق عليها وبيان ما فيها من روعة وأسرار. في الكتاب فصل عن (المنطق الوجداني) يتصل بالمباحث العقلية حول القرآن وأسلوب دعوته إلى الأيمان بالله الواحد وقضايا الدين.
وهو فصل أثار في نفسي تعليقاً وخواطر حول بيان أساس الدين، وهل هو الوجدان أو العقل؟ والمؤلف يرى أنه الوجدان، وأن الذهن ليس أوسع المنافذ ولا أصدقها ولا أقربها إلى الدين. ونظراً لخطر الموضوع وقيمته في الدعوة الإسلامية والدينية الصحيحة عامة سأضطر إلى مناقشة هذه الفكرة التي صارت زعماً عاماً انتقل إلى المسلمين الذين أساس دينهم (بل أساس الدين الصحيح كله) العقل؛ لأنني أعتقد أن المسلمين الآن بحاجة إلى أن يعلموا أن قضية الإيمان بالله الواحد كما استعرضها ودعا إليها القرآن ليست قضية (وجدانية) تأخذ من المجهول للنفس أكثر مما تأخذ من المعلوم لها، بل هي في أصلها ومنبثقها الأول تأخذ من (المعلومات) ويقينات الحس والبداهة والحكم العقلي أكثر مما تأخذ من أي منطقة أخرى من مناطق النفس البشرية.
فليس الموطن الأول لهذه العقيدة هو الوجدان، منطقة الانفعال والاستسلام أو الثورة، بل موطنها هو موطن ذلك (البرق) الذهني أو العقلي الذي ينتج (حكماً) يرسله إلى الوجدان فينفعل له ويتقبله (ويعقده) في طويته ويستسلم له ويسير حياته على مقتضاه. هذا البرق الذي ينتج (الحكم) يستمد حيثيات أحكامه من انطباعات الصور الثابتة للكون في النفس ومن الانفعالات الداخلية بهذه الصور.
والذي أعلمه من علم النفس أن أول (برق) يبرق في النفس وينطبع فيها هو حقيقة (السببية) التي تفجأ الطفل ويتحرك لها فمه حركة (منعكسة) آلية عندما تلقمه أمه ثديها، فيجد أثراً واضحاً لذلك التحريك تنفعل له أعصاب الجوع والشبع. وكذلك عندما يصل إلى عينه أو أذنه أول شعاع ضوئي أو أول صوت فيجد له أثراً في حساسية بصره أو سمعه، ثم لا تلبث الآثار المطردة (الأسباب) أن تتلاحق على مجمع حواسه حتى تنتج طائفة من الأحكام المطردة المبنية على الانفعالات المطردة التي يجدها في حواسه وفيما وراءها. وهذا ما يقرره القرآن نفسه بقوله: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) فعندما يصل الناشئ إلى ترك مرحلة ذهول الطفولة وإلى إدراك الكون كله كوحدة، لا يتجه بانفعال وجداني إلى السبب الأكبر للكون لأن ذلك الوجدان لم يوجد بعد، وإنما يتجه إليه بحكمه الذهني الذي يركب قضية ذهنية منطقية في خفاء وبدون ألفاظ، يحكم بها بأن لهذا الكون سبباً وقدرة ومشيئة تدبره.

وهي التي أدخلت الإنسان إلى الدنيا العجيبة وتخرجه منها.
ولن ينفعل لهذا وجدانه (بالدين) إلا إذا صح لديه هذا الحكم.
فإن لم يصح لديه أن لهذا الكون عقلاً يدبره فلن ينفعل وجدانه لعقيدة دينية إلا تحت تأثير الخوف والقصور والتهيب أمام المجهول.
وليست هذه مواقف الإيمان الصحيح المستنير الثابت الذي لا يتزعزع، وإنما هي مواقف الإيمان الأعمى المقلقل الحائر المستعد للتقلب، كما هو الحال في أكثر الذين لا يأخذون الدين بالفكر عند ابتداء صحوهم من ذهول الطفولة.
فالعقل أو الحكم أو (الذهن) يا صديقي قطب، هو صاحب هذا الموضع الأول من النفس، ينتج لها تلك النتيجة الأولية التي تجعلها تنفعل بوجدانها انفعال الإيمان.
وهو الجزء (المتبلور) في جميع النفوس - والوجدان جزء مائع - وهو الحكم الذي يكاد يكون من عالم الأرقام التي تنتج نتائج واحدة بقوانينها الواحدة. ولن يضيره أن يكون مختلفاً في الناس اختلافاً ما.
فكذلك الوجدان مختلف. ونحن في سبيل البحث عن حجة لله على الناس جميعاً.
ولن تكون هذه الحجة في أغلب الأمر إلا عن طريق العقل والذهن الدقيق الذي يحاكمنا الله إليه دائماً في الحياة وفي القرآن، ويردد اسمه دائماً؛ ويلومنا ويقر عنا بأننا لا نفكر ولا نعقل ولا نتدبر ولا نتذكر ولا نتخذ أسباب الوقاية كما يوحيها العقل. نعم إن الموطن النهائي للعقيدة الحارة هو الضمير والوجدان، ولكن بعد أن تمر من العقل أولاً ويحكم بوجوب سكناها في الوجدان لتستمد من حرارته قوة الاندفاع والعمل للدين. وقد كان الوثنيون الذين أنزل إليهم القرآن يعتقدون عقيدة في (وجدانهم) ويتعصبون لها ويصدرون عنها في حياتهم، لأن أذهانهم كانت تحكم بصحتها.
فبماذا زعزعها القرآن في وجدانهم وضميرهم؟ أليس بالمحاكمة العقلية التي كشفت عن عقولهم ضباب الوثنية القديم، وأدركوا بها الحق الأول بالذهن والحكم، ثم أخلوا وجداناتهم من العقيدة القديمة وأحلوا محلها العقيدة الجديدة؟ والوثنيات تجد في منطق الوجدان وحده مدداً متصلاً لها بالانطلاق وراء الرموز والتهاويل والإثارات الفنية التي هي باب الوجدان.

وقد افتخر (طاغور) واحتج للوثنية بأنها مجال طيب لرقي الفنون.

ولا شك أن هذا احتجاج طفلي وجداني لا يتصل بسبب كريم بالحق والعقل والكرامة الإنسانية والمصلحة الاجتماعية.
فالقول بأن منطقة الدين هي الوجدان وحده قول غير إسلامي.
أخذه المسلمون المحدثون عن المفكرين غير المسلمين الذين لم يعرفوا الأساس الأول للإسلام والدين عامة، والذين وجدوا في أديانهم أسساً يأباها العقل والمنطق، ووجدوا الدين في حد ذاته كفاية نفسية لابد منها، فأرادوا أن يجمعوا بين الدين والعقل، فزعموا أن لكل منهما منطقة قد يناقض ما في إحداهما ما في الأخرى ولا ضير! أما الإسلام فأساسه أن إله القرآن هو الإله الذي وصفته الطبيعة ووجهت العقل إليه؛ واعتمدت في هذا التوجيه على المحاكمات العقلية كأساس أول وعلى المحاكمات الوجدانية المبنية على هذا الأساس، وقد استخدم القرآن في سبيل ذلك كله البيان المشرق الجميل البارع المعجز في تعبيره وأسلوبه. ولم يقتصر خطابه على طائفة واحدة معينة هم طائفة الذين ارتفعوا عن المستوى العام للناس واحتكت عقولهم بما وراء سطح الحياة وما وراء البداهة والحس من عوالم الفروض والصور الطليقة من قيود الحياة الظاهرة، بل خاطب الناس بالقدر المشترك بينهم جميعاً وخاطب هذه الطائفة الممتازة في بعض معارضه كما خاطب المبتدئين القاصرين في البعض الآخر. والقرآن يفرض الفكر ميزاناً قائماً بذاته مستقلاً عن الإنسان ثم يعجبه مما يراه في الوجود، كأنه زائر غريب عن الحياة دخل إليها من عالم آخر وهو بكل وعيه، ولا شك أن الفكر بجميع قواه حينما يدخل إلى الوجود كأنه غريب عنه يعجب غاية العجب من بدائعه ويحكم الحكم الجازم بأنه لبارئ واحد.
وليس هنا مجال تفصيل هذا، وقد سبق أن عالجناه في بعض البحوث. فالموقف الأول من الكون والإيمان بربه الواحد، موقف (جزم) بالذهن والحكم العقلي.
إذ أننا نشعر ونحس أننا واقفون إزاء (معلومات) تنتج العلم والحكم الضروري البديهي والمركب. وهو موقف ديني سابق على مجيء النبوات والرسالات، لأنها تعتمد عليه في التدليل على قضاياها والتحاكم إليه.
فالدين عقلي طبيعي في الإيمان بأصله الأول وهو الله الواحد. ولقد وجدنا كل جماعة دينية تؤمن بما عندها بوجدانها.
فهل لهذا وزن إلا عندما يدركون شاكلة الحق الذي عند الله والذي يوحي به الكون؟ وهل يدرك الحق إلا بقوة (الحكم) التي هي موضع الحساسية بالعدالة والقوانين الطبيعية التي استمددنا منها حكمنا، والتي لا تنظر إلى الصور والإطارات وإنما تنظر إلى صلب الأمور؟ والقرآن لم يعن بأن يرد على منكري وجود الله.
وكأنه لم يفرض وجودهم.
أو كأنه نظر إليهم على أنهم خارجون عن نطاق العقل والبداهة، ولذلك لم يحاجهم ولم يوجه إليهم قولاً يشعر بأن لهم وزناً.
وإنما وجه حديثه الأكثر إلى المشركين مع الله آلهة أخرى، والذين من فرط شعورهم بالألوهية استكثروا منها.
وخلعوا صفاتها على كثير من المخلوقات، فهؤلاء لديهم الإيمان الوجداني ولكنه إيمان مدخول منكوس يحتاج في تعديله ولإقامته في نصابه الطبيعي إلى منطق عقلي يستعرض الكون ويستقرئه ويستنتج منه أنه لإله واحد. فالحديث مع هؤلاء المشركين لا يستلزم إلا الإيقاظ إلى الكون وأعاجيبه الموحية أنه من صنعة يد واحدة.
.
وهذا ما فعله القرآن.
أما الذين التمسوا وراء حديث الإيمان الفطري مناطق يتحدثون فيها عن ذات الله وصفاته والكون ومبدأ وجوده وعلاقته بالله وصفاته، إلى آخر مباحث علم الكلام والفلسفة فهؤلاء لا يدعون أنهم يؤسسون عقيدة للجمهور بكلامهم، وإنما يريدون أن يصلوا بين هذا الكون المادي العجيب وبين ما قبله وبعده.
وموقفهم هذا طبيعي، هو نتيجة للعجب الذي يرونه في هذا الكون، ونتيجة لشعورهم بأن عقلهم وحكمهم يريد أن يتصل بألغاز الحياة وما قبلها وما بعدها.
فإنهم يشعرون أنهم غرباء، في هذا الكون المادي ذي القوى الموزونة والطلعة الجبارة المثيرة للفكر أيما ثورة.
ولابد للغريب أن يبحث ويتقصى ويتعرف المكان الذي دخل إليه ويتعرف إلى صاحبه ويبحث عن شئونه حيثما ساعدت الوسائل. غير أنهم يجب لكي يضمنوا الحياة العملية في الأرض والألفة العقلية ألا يشردوا ويحملوا عقولهم فوق ما تطيق، ولا ينسوا أن الإله الحكيم الذي وضعهم هكذا قاصرين عن إدراك كثير من الأمور، وعن إدراك المبدأ والمنتهى إدراكاً كما يشتهون ويتطلعون، إنما فعل ذلك لحكمة بالغة هو يعلمها، فيجب أن يلتزموا حدود (الضيافة) المؤقتة في هذه الحياة.
ولا شك يكون لهذا الالتزام ما بعده من التناسق بين الفكر والعمل والألفة العقلية.
وما كان للقرآن أن يكون على أسلوب تفكيرهم الخاص وهو قد جاء ميسر الذكر للناس جميعاً. ولكنه مكن هؤلاء العقليين والمتفلسفين أن يؤلفوا من معانيه التي تحت (سطحه التعبيري) قضايا ذهنية يستطيعون أن يستخدموها في أسلوبهم الخاص.
فهو قد ساق قضية عقلية عظمى بأسلوب بسيط ميسر للناس جميعاً حينما قال: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)؛ وترك للعقليين أن يبينوا كيف يكون هذا الفساد حينما يفرض التعدد في الآلهة.
وحينما قال: (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذن لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض).
أرسل هذه القضايا هكذا واضحة ميسرة، وترك للعقل أن يتحاكم إلى الكون ويستقرئ أحوال الأشياء إذا كانت بين والد ومولود وإذا كانت بيد واحدة، وإذا كانت بأيد متعددة، وعماد الحكم في ذلك هو الحركة العقلية الآخذة من كل مورد من موارد النفس والكون وكل قوة من قواهما لتصل إلى الحكم. والمتتبع للقرآن يرى أن وراء (سطحه التعبيري) السهل الميسر، عالماً يموج بالمسائل العقلية والبديهية والفرضية تضع العقل البشري في مواضيع أصيل كريم كأنه هو وحدة القياس في كل العالم لا في الأرض وحدها. وأخيراً أشكر المؤلف الصديق على هديته التي جعلتني أعيش فترات في جو فني بديع، فيه الفكر والبيان، وحسن الترتيب والتبويب، ولطف المدخل إلى ما تناوله من موضوعات. عبد المنعم خلاف

شارك الخبر

المرئيات-١