أرشيف المقالات

علم العرب الأقدمين بالجراد

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
8 للدكتور محمد مأمون عبد السلام وكيل قسم أمراض النباتات بوزارة الزراعة عرفت شعوب الشرق الأوسط من حاميين وساميين الجراد وأحواله وأطوار نموه وتحركه من أقدم العصور.
يدل على ذلك ما ورد في كتب العهدين القديم والجديد، وما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وما لدينا من أمثال العرب القدماء وأشعارهم.
فوصف سفر الخروج (12 - 13) غاراته على مصر أبلغ وصف: (ثم قال الرب لموسى مد يدك على أرض مصر لأجل الجراد ليصعد على أرض مصر ويأكل كل عشب الأرض وكل ما تركه البرد.
فمد موسى عصاه على أرض مصر فجلب الرب على الأرض ريحاً شرقية كل ذلك النهار وكل الليل، ولما كان الصباح حملت الريح الشرقية الجراد فصعد الجراد على كل أرض مصر وحل في جميع تخوم مصر شئ ثقيل جداً لم يكن قبله جراد هكذا مثله ولا يكون بعده كذلك، وغطى كل وجه الأرض وأكل جميع شجر الثمر الذي تركه البرد حتى لم يبقى شئ أخضر ولا في عشب الحقل في كل أرض مصر)
. ووصف سيدنا سليمان أسراب الجراد في أمثاله بقوله: (الجراد ليس له ملك ولكنه يخرج كله فرقاً فرقا). وجاء في القرآن الكريم (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين). وورد أن النبي الكريم كان يصلي ظهراً والجنادب تنقز من الرمضاء.
وفي حديث عمر رضي الله عنه أنّ رجلا قال أصبت دباة وأنا محرم، قال اذبح شويهه.
وفي حديث ابن عباس أنه دخل مكة رجْل من الجراد فجعل غلمان مكة يأخذون منه فقال: (أما إنهم لو علموا لم يأخذوه) يعني بذلك أنّ صيد الجراد مكروه في الحرم.
وفي الحديث الشريف (كأن نبلهم رجْل جراد).
وذكر الجراد في حضرة النبي ﷺ فقال ليت عندنا منه قفعة أو قفعتين.
قال ذلك لأنه غذاء محبوب عند العرب.
وسئل النبي كيف الناس بعد ذلك؟ قال دباً يأكل شداده ضعافه حتى تقوم عليهم الساعة.
وقال النبي ﷺ إن مريم جاءت فجاءها طبق من جراد فصادت منه - أي قطيع من الجراد.
وورد أن عائشة رضي الله عنها أرسلت إلى النبي جراداً محسوساُ أي سوى على النار.
وفي حديث غزوة حنين (أرى كتيبة حرشف) أي فرقة من الرحالة شبهوا بالحرشف أي الجراد لكثرتهم. وقد ورد الجراد بأسمائه المختلفة في أمثال العرب وحكمهم وأشعارهم فقالوا (إذا أجدب الناس أتى الهاوي والعاوي) والهاوي هو الجراد والعاري هو الذئب.
وسمي الجراد بذلك لأن له هويا أو دويا يعني صوتاً.
وقد سمى بعض العرب خيلهم بالجرادة والخيفانة، تشبيها لها به في خفته وسرعته، فسمى عبد الله بن شر حبيل فرسه بالجرادة.
وجرادة العيار اسم فرس في الجاهلية لأعرابي اسمه العيار صاد جراداً وهو جائع ودسها في النار وصار يخرجها واحدة واحدة ويأكلها حية وهو لا يدري من شدة الجوع فطارت منها جرادة فقال: (والله إن كنت لأنضجهن) فضرب ذلك مثلا لكل من أفلت من كرب.
وقيل كانْ العيار رجلا أعْلَم أخذ جرادة ليأكلها فأفلتت من عَلَم شفته، ويصف العرب الفرس والناقة السريعة بأنها خيفانة لسرعة عدوها وخفتها وطمورها كالجراد قال عنترة: فغدوت تحمل شكتي خيفانة ...
مرط الجراء لها نميم أتلع وقال امرؤ القيس: وأركب في الروع خيفانة ...
لها ذنب خلفها مسبطر وقال مشبها الخيل بالحرشف: كأنهم حرشف مبثوث ...
بالجو إذ تبرق النعال والحرشف ضرب من الجراد قال الراجز: يا أيها الحرشف ذا الأكل الكُدَم ...
يعني الشديد الأكل. ويقول العرب في أمثالهم (صر الجندب) وهو مثل يضرب للأمر يشتد حتى يقلق صاحبه.
والأصل في هذا المثل أن الجندب وهو الجراد إذا أرمض من شدة الحر لا يستقر على الأرض بل يطير فيسمع لرجليه صرير.
وقد وصف ذلك أحد شعرائهم بقوله: قطعت إذا سمع السامعون ...
من الجندب الجون فيها صريرا والجندب من أسماء الإساءة في لغة العرب فتراهم يكنون به الظلم والغدر والداهية فيقولون (وقع القوم في أم جندب) إذا ظلموا.
قال الشاعر: قتلنا به القوم الذين اصطلوا به ...
جهاراً ولم نظلم به أم جندب أي نقتل به غير القاتل. وكان من عادة العرب أن يسموا الأشخاص بأسماء الجراد، فورد أن جرادة اسم امرأة في الجاهلية غنت للرجال الذين أوفدهم عاد إلى البيت الحرام بمكة يستسقون لتلهيهم عن السقاية.
وفي ذلك يقول ابن مقبل: سحراً كما سحرت جرادة شربها ...
بغرور أيام ولهو ليال ويقال إنه كان بمكة في الجاهلية مغنيتان يقال لهما الجرادتان مشهورتان بحسن الصوت والغناء، وقيل إنهما مغنيتان للنعمان.
وجندب اسم رجل. وعادة أكل الجراد قديمة عند شعوب الشرق الأوسط فقد أحله الله لبني إسرائيل على لسان كليمه موسى (هذا منه تأكلون الجراد على أجناسه، والدبا على أجناسه، والحرجوان على أجناسه والجندب على أجناسه).
وكان يحي بن زكريا عليهما السلام يقتات بالجراد والعسل وهو يتعبد في البرية. وقد أحل أكله للمسلمين على لسان النبي الكريم (أحلت لكم ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال).
وورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان يأكل الجراد في غزواته، فقد ذكر ابن أوفي (غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات أو ستاً كنا نأكل معه الجراد)، ولذلك كان العرب يصطادونه ويكتسبون لعيالهم منه كما قال المبرد: إذا أكل الجراد حروث قوم ...
فحرثي همه أكل الجراد وللعرب في أكله طرق فكانوا يقشرونه أي ينتزعون رؤوسه وقوائمه ويسمونه الجُلُف ومفرد جليف كما ذكر قيس ابن الحطيم في وصف امرأة: كأن لباتها تبددها ...
هزلي جراد أجْوافه جلف وكانوا يجففونه ويسحقونه ويضيفونه إلى الدقيق لصنع الخبز ويطبخونه في المرجل ويسمونه الهميشة لأنه يغلى بعضه في بعض فيسمع له حركة.
ويشوونه على النار ويسمونه المحسوس، وكان العرب يأكلون بيض الجراد وبيض الضب ويسمونه المكن قال أبو الهندي عبد المؤمن بن عبد القدوس: وما في البيوض كبيض الدجاج ...
وبيض الجراد شفا القرم ومكن الضباب طعام العري ...
ب لا تشتهيه نفوس العجم ولم يعتبر العرب الجراد حشرة بل كان في عرفهم من صغار الطير لذلك سموه طيفورا أو طويئراً. والجراد من صميم حشرات بلاد العرب لكثرة ما ورد من أسمائه في العربية.
وقد سمي جراداً لأنه يجرد الأرض أي يدبشها أو ينمشها أو يحتنكها أي يلتهم كلأها فيتركها جرداء من جرد الشيء قشره وجرد الجلد نزع عنه الشعر.
ومنه الرجل الأجرد.
والجرد من الأرض الفضاء الذي لا نبت فيه.
قال الشاعر يصف حمار وحشي يأتي الماء ليلا ليشرب. يقضي لبانته بالليل ثم إذا ...
أضحى تيمم حزما حوله جرد والجردة أرض مستوية متجردة.
ومكان جَرِد وأجرد وجَرَد لا نبات فيه.
وفضاء جرد وأرض جرداء جردها الجراد أو القحط تجريداً.
وفي الحديث (كانت فيها أجارد) أي مواضع متجردة من النبات.
والسنة الجارود هي المقحطة الشديدة المحل.
ويقول العرب جردت الأرض فهي مجرودة إذا أكلها الجراد. والجراد اسم للجنس يطلق على الذكر والأنثى على السواء، ويسمى العرب ذكر الجراد بالعنظب أو العصفور أو الجندب.
وقيل الجندب والقمل هو الصغير من الجراد قال الشاعر: يغالين فيه الجزء لولا هواجر ...
جنادبها صرعى لهن فصيص أي صوت.
ويسمون الأنثى من الجراد العنظوانة نسبة إلى العَنظ وهو الكرب لأنها تحدث الكرب والشدة قال جرير: ولقد رأيت فوارسا من رهطنا ...
عَنَظُوك عَنْظَ جرادة العيار (أي لازموك وغموك) وتسمى الأنثى أيضاً السرعوفة أو العيساء أو المرادة أو الدباساءة.
ومن أسماء الجراد الحسبان المذكور في القرآن الكريم (فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيداً زلقا). ومنها الحاسة لأنه لا يدع في الأرض شيئاً إلاّ حسه أي لم يترك منه شيئاً.
ومنها أيضاً السرواح لأنه يسرح.
ومن أسماء الجراد أيضاً الجائح لأنه يجتاح كل شيء أي يستأصله، ومنها الجادي لأنه يجدي أي يأكل كل شيء.
قال عبد مناف الهذلي: صابوا بستة أبيات وواحدة ...
حتى كأن عليها جادياً لُبسَداً واللبد هو الكثير. والدَّيجَان هو الكبير من الجراد. والجُنْدُعُ أو الخَنْدَع أو الحندع جندب أسود له قرنان طويلان وهو أضخم الجنادب. وكان العرب على علم بأطوار نمو الجراد وتطوره وتزاوجه فقالوا غرزت الجرادة أو رزت أو متحت أي أثبتت ذنبها في الأرض لتسرؤ أي تدفن بيضها في الأرض فهي غارزة، والمغرز هو موضع بيضها، والجرادة السرؤ هي التي أسرأت أو سرأت أي ألقت السرء أي المكن وهو البيض.
ويطلق العرب المكن على بيض الضب كذلك كما سبق القول. ويقول العرب مكنت الجرادة فهي مكون إذا كانت حبلى أي جمعت البيض في جوفها وحفظته فيه فإذا ألقته فهي السلقة.
فإذا لم يكن في جوفها بيض فهي جرادة صفراء. وإذا انقف الجراد بيضه أي ألقاه فإنه يتنفس عن السروة وهي صهباء إلى البياض وهذه تصبح دبا عندما تأخذ في الحركة قبل أن تنبت أجنحتها أي قبل أن يطير فتكون الأرض لوجوده مدبوءة أو مدبية وواحدته دباة.
والدبى اسم مكان بالدهناء يألفه لجراد فيبيض فيه.
والدبا يكون في أول أمره قمصاً كالعث صغراً (الطور الحوري الأول) ثم يصبح كالقمل سوادا ويسمى الحبشان (الطور الحوري الثاني) فإذا سلخت الحبشان صارت يرقاناً فيها جدة سوداء وجدة صفراء (الطور الحوري الثالث) وجميع هذه الأطوار يسميها العرب خرشفاً وهي أشره ما يكون، ويسلخ اليرقان المعين أو الخيفان وتظهر فيه خطوط مختلفة من بياض وصفرة (الطور الحوري الرابع) ثم يصبح مرجلا أو كتفاناً لظهور أوائل أجنحته ولأنه إذا تحرك لا يطير بل يقفز في الأرض مثل المكتوف الذي لا يستعين بيديه إذا مشى، ويسمى، كذلك عتاباً لأنه يعتب أي يقفز (الطور الحوري الخامس) ثم يصبح غوغاء حين يخف للطيران (الطور الحوري السادس).
وقد سمي العرب السفلة المتسرعين إلى الشر من الناس بالغوغاء لكثرة لغطهم وجلبتهم.
ثم يصبح عند ما يطير جراداً (الطور البالغ).
والمسيح هو الجراد إذا صار فيه خطوط سوداء وصفر وبيض وتسييح الجراد هو ما يخرج منه من ألوان شتى حين يزحف. وقد عرف العرب الكثير عن أعضاء الجراد، فقالوا إن للجرادة تأشيرة وهي التي تعض بها والتأشير أيضاً شوك ساقية أما الأشرتان أو الاثناء أو الأطواء فالعقد التي في رأس الذنب كالمخلبين وبها يرز الجراد أي يدفن بيضه في الأرض، ويقال للمخلبين اللذين تحت الساقين المنشاران.
والنخاع هو الخيط الذي في حلق الجرادة كاللسان.
والبخنق جلباب الجراد على أصل عنقه والمنكبان هما رؤوس الأجنحة - والأجنحة أربعة: اثنان أعلياّن غليظان هما الظهران واثنان سفليان رقيقان هما القشران والحؤشوش أو الجوش أو الجوشن هو صدر الجراد وله ست أيد وهي في الجوشن.
وسرم الجراد هو ما خلف الجوشن وهو ذنبها وكان العرب على علم بتجمع الجراد وهجرته وتفرقه فقالوا حوم الجراد في السماء أي حلق.
وسام الجراد سوما إذا دخل بعضه في بعض.
وهمش إذا تحرك ليثور.
وارتهش إذا ركب بعضه بعضاً حتى لا يرى معه تراب.
وقالوا الشفترة تفرق الجراد.
والجراد المشفتر هو المتفرق قال الشاعر: فترى المرو إذا ما هجرت ...
عن يديها كالجراد المشفتر وعيران الجراد هي أوائله المتطرفة القليلة - وأرجال الجراد أي جماعة أو طوائفه تسمى القفعة.
فإذا كانت غير كثيرة فهي الشيتان.
أما إذا كانت كثيرة فهي الطبق أو الثوالة لتثولها وتراكبها.
ورجل الجراد هي قطعة أو خيط يملأ مكاناً بقدر ميل فإذا كان أكثر من ذلك فهو زحف.
فإذا سد الأفق من كثرته فهو السد أو العارض أو العرض، فإذا كان أقل من ذلك فهو الحذقة.
وصرير الجراد وفصيصه هو صوته، وحنشزته هي صوت أكله. وقد وصف شعراؤهم ثوران الجراد وتحركه وأضراره أبلغ وصف.
فقال ساعدة: رأى عارضاًً يهوي إلى مشمخرة ...
قد أحجم عنها كل شيء يرومها والعارض كما قلنا هو السرب العظيم من الجراد يرى كالسحاب في ناحية من السماء كأنه يسد الأفق.
ومنه قول العرب أتانا جراد عرض أي كثير. (البقية في العدد القادم) الدكتور محمد مأمون عبد السلام

شارك الخبر

المرئيات-١