أرشيف المقالات

احمد رامي

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 2 - احمد رامي للأستاذ دريني خشبة كل الناس على أن موهبة رامي في الغزل وشعر الغناء هي خير مواهبه.

ونحن لا نرى هذا الرأي لا نرى هذا الرأي بالرغم من هذه الخمسين والمائة أغنية التي تملأ آذاننا وقلوبنا، وتتدفق مع أعذب الأصوات وأرخمها في كل جوارحنا، وتطوي مع الأثير في كل لحظة ألفاف الهواء حول كواكبنا؛ فتداوي كلوم المحبين، وتذهب بلواعج المدنفين وتترنم بها الأصوات كلها حتى المنكر منها والأجش، فيخيل لها أنها صارت بلابل! لا نرى مطلقاً أن موهبة رامي هي روحه الغنائية التي تجيد الغزل، وتفتن في مذاهبه هذا الافتنان الحلو الموفق، الذي يحس الناس في ثناياه حرارة الحب، ويتسمعون إلى دقات القلوب العاشقة، ويشهدون من فنون الجفون المؤرقة، والأنفاس المحترقة، أشكالاً وألواناً إن رامي الذي يحترق من أجلنا، ويذيب قلبه وروحه كيما يطب لنا، هو شاعر الإنسانية ولسانها الناطق وترجمانها الأمين إن الذين يزعمون أنه شاعر الليالي الحمر، والسهرات الصوادح، أولئك يصدفون عن حقيقة رامي، ويخطئون جوهره، إنما رامي شاعر الإنسانية كلها.

الشاعر الذي صدق في التعبير عن آلامها، لأنه بلا منها الشيء الكثير الشيء المتنوع، والغزل - أو شعر الحب - هو أحد الألوان التعبيرية الصارخة التي أذهلت الناس عما هو أشد منها من ألوان رامي التعبيرية الأخرى، لأنهم سمعوه من هذين اللسانين الخالدين وحياً بديعاً، لا تسجيعاً ولا ترجيعاً، ولو ذكرنا قلب رامي المعذب ونحن نلتذ أغانيه تشيع بالنشوة في أرواحنا، لحق أن نتذكر قوله: أنا في غيهب الحياة منار ...
ضاء من فرط نوره الديجور لم أذق في الحياة للسعد طعما ...
كيف يدري الحلو الفم المرور أطرب الناس بالأغاني من الش ...
عر وفي القلب لوعة وسعير ولذكرنا أن رامي يستعين بشعره للتنفيس عن آلامنا بما ينظمه لنا من تباريح قلبه شعراً نحسبه يفيض بهجة في حين أنه يقطر دماً.
ونخاله يندى بشاشة في حين أنه يتنزى ألماً دعيني يا بنات الشعر أبكي ...
على ما نالت الأيام مني أمان مِتْن في قلبي صغاراً ...
كما ذوت الأزاهر فوق غصن وزرع طاب لم أقطف جناه ...
وكم بذرت يداي ولست أجني وأهل أصبحوا بدداً وشدوا ...
إلى دار النوى أرحال ظعن ولست أطيق بعدهم، ولكن ...
أروح عن فؤادي بالتمني فكوني يا بنات الشعر أهلي ...
وأشياعي لدى البلوى وركني وغنّى من أساك وألهميني ...
فبينك في الهوى عهد وبيني أراك بخاطري وأودأني ...
أراك بناظري وأن تريني إذن أشفقت من وجدي وسقمي ...
وشفّك لاعجي وشحوب لوني ولسمعناه يستعبر قائلاً: أحن إلى الماضي كما يذكر الحمى ...
طليح نوى ترمي به الفلواتُ وأندب أيامي اللواتي تصرمت ...
لشعري إذا ضمتني الخلوات وفي الشعر تأساء وفيه رفاهة ...
وفيه لقلب ياقظ نشوات أنيم به حزني كما يبعث الكرى ...
إلى عين طفل صارخ نغمات وأكذب نفسي أنني إن صدقتها ...
أغار عليها الهم والحسرات لقد ألفت نفسي الشقاء وإن يكن ...
أليماً فمن آلامه الخطرات وما يحسن الأشعار إلا معذب ...
تضرّمُ في أحنائه الحرقات ولو كان كل ناعماً في حياته ...
لما بهرتكم هذه النفحات لقد صنعت لنا الآلام من رامي هذا الشاعر المرهف الحس، الدقيق الشعور، الذي حرك ألسنتنا كما ملأ عواطفنا، بأغانيه ولعل كارثته في المغفور له والده العزيز - الدكتور محمد رامي - المتوفى بالقاهرة يوم الأحد 21 سبتمبر 1919، هي التي وجهت قلب رامي، أو شعره، تلك الوجهة الإنسانية التي تجتمع فيها عواطف الألم والرحمة والرثاء للضعفاء، وإسعاد المحزونين، وتمني الخير للناس جميعاً.

وذلك أن الشاعر قد ألقيت على كاهله بوفاة والده مسئوليات عائلة كاملة، فيها الأم البارة الرؤوم وفيها الأخوة الصغار الخُضْر كأفراخ القطا، وفيها الشاعر نفسه الذي لم يكن يغنى، وينظم خلجات شبابه الغض وصباه المتفتح، باقات يانعة من هذه القصائد التي يضمها الجزء الأول من ديوانه 1926 - 1937 حتى قذف بقلبه جميعاً في خضم اليتم المصطخب ذي الأمواج والأثباج، ولهذا لا نكاد نرى ديواناً عربياً من دواوين شعرائنا يفيض بالروح العائلي، كما يفيض به الجزء الثاني من ديوان رامي وما جاء من ذلك في الجزءين الأول والثالث، وما لم ينشره رامي من شعره في ديوان بعد.

وذلك إذا استثنينا ديوان (أنات حائرة) لشاعرنا الجليل الأستاذ عزيز أباظة بك اسمع إلى رامي ينظر إلى سرير أبيه المريض، ثم يتوجع ويقول من قصيدته (نهر الحياة)، ذاكراً أخاه النازح، وأمه واخوته: يا نهر أيامي، أما آخر ...
لشقة العيش التي أقطع أربت همومي فنبا مضجعي ...
وصاحب الآلام لا يهج أب طريح في فراش الضنى ...
أقض في رقدته المضجع تتابعت في الليل أناته ...
وكل أنات الدجى تسمع شكا من الداء الذي شفه ...
وانهمرت من عينه الأدمع وقال أخشى أن يحل الردى ...
ولي قطا زُغبٌ ولي مطمع أخاف أمضي عنهم تاركاً ...
عشهم تلوى به زعزع ولي أخ يا نهر عيشي خلت ...
منه ديار وخلا مهيع وكان أنسى في ضمير الدجى ...
وكان لي من عطفه مرتع فهل لذي العلة من صحة ...
وهل لنضو نازح مرجع وهل لليل العيش من مشرق ...
يجلو ظلام اليأس إذ يطلع لو كنت فرداً لم أرع إربة ...
إن كان يعطي الدهر أو يمنع لكن لي أماً ولي اخوةً ...
ولي أباً في ظله نرتع ولا يطيب العيش إلا إذا ...
سقاهم حوض المنى المترع هذا شعر يحس فيه القارئ لذع الألم الذي يرتجف أمام شبح اليتم ثم مات الوالد المريض، وبعد أن خفت وقدة الحزن في نفس رامي، رثاه بتلك المنظومة الفريدة التي أومأ فيها إلى أيام مرضه، ثم إلى الأماني التي كان الوالد يعلقها على الشاعر الشاب، وإلى الوضع الذي وضعته فيه المقادير بعد هذا الخطب الجلل: كم جنى والد على أبن ولكنا ...
جنينا عليك - صفحاً وغفرا ثم هنيئاً فليس بالميْت من خلّ ...
ف من بعد موته ابناً أبرّاً أنا أحنو على اليتامى وأرعى ...
أيّما عاشرتك بالطهر دهرا ثم أحيي ذكراك ميتاً وقد خلد ...
ت ذكرى تضوع في الكون نشرا ولم يفتأ رامي يذكر أباه ويرعى عهوده، ويذرف عليه دموع أمانيه: كم مر بي عيد تمنيت أن ...
يكسوني فيه جديد الثياب وكم نقضت بي ليال ولا ...
سمير لي فيهن إلا الكتاب وحين أدركت المنى لم أفز ...
من ثغره بالبسمات العِذاب وكم جلسنا أسرة نرتجي ...
رجوعه بعد طويل الغياب نرنو إلى موضعه بيننا ...
وقد خلا من بشره والحِبابْ .

.

.

.

.

.

...

.

.

.

.

.

. نشأت في يتم ولي والد ...
فما اكتفى الدهر بهذا العذاب نرنو إلى موضعه بيننا! ما أبسط هذا التعبير وما أبدعه وما أشد لذعه! لقد كان يتم رامي مفجر ينابيع الإنسانية في قلبه الشاعر النابض الكسير! لقد صحبه ذلك الشعور باليتم حتى في رثائه أصدقاءه، ولعل ما رثى به صديقه، فقيد الأدب والشعر والمسرح المرحوم محمد تيمور، هو من عيون الشعر العربي في باب رثاء الأصدقاء: كيف أرثيك يا رفيق شبابي ...
يا نجي من شيعة الأحباب أبدمعي؟ الدمع أرخص ما يب ...
كى به صاحب على الأصحاب أنت أولى بأن يبلل مثوا ...
ك بنضح من الفؤاد مذاب وهو يلم في القصيدة كلها تلك الإلمامات العائلية المؤلمة التي لا يقدرها إلا من جربها، والتي تذيب القلوب وتقطع نياطها ألماً وحزناً: طار لبي لما نعيت وضاقت ...
بي دنيا كثيرة الأسباب تلك حالي؛ فكيف حالك يا تيم ...
ور لما غدوت في الغياب خلت الدار منك يا بهجة العم ...
ر وأقوت من سرحها المخضاب ثم أضحت (ريري) تنادي أبي أيْ ...
ن ولا من يرد رجع الخطاب طرت من عشها وكنت لها عط ...
فا وزقا تحت الظلال الرطاب ثم طال انتظارها لك حتى ...
يئست بعد صبرها من إياب فاطمأنت على مصارحة الده ...
ر وقرت على أليم المصاب وقد لزمت رامي هذه الروح الرثائية في معظم شعره، وفي معظم نظراته التي كان ينظم فيها الشعر لنفسه خاصة، ونقول لنفسه خاصة، لأن لرامي منظومات كان (يصنعها تحت الطلب)، وهي منظومات - أو أغان - لنا فيها رأي ربما أعلناه فيما بعد.
وتتجلي هذه الروح الرثائية في قصيدته (إلى أخي البعيد ج 2)، التي يتمنى فيها أوبة هذا الأخ المسافر.
فيحسب الإنسان أنه يرثيه بشعر من أجود أشعار الرثاء.

وتتجلى أيضاً في قصيدتيه الفريدتين (الجمال العاطل - والجمال الراحل ج 2).
ثم قصيدته (اللقيط)، وفي (غريب يغني)، و (مستقبل الحب)، و (إلى البدر)، و (شكوى عليل)، و (طيور الأماني)، و (شعر الدموع)، و (الشيب الباكر).
إلى آخر هذه المجموعة المؤثرة من أشعار رامي الإنسانية الباكية التي جمعها الجزء الثاني من ديوانه، والتي ترن أصداؤها في جميع أغانيه (يتبع) دريني خشبة

شارك الخبر

المرئيات-١