أرشيف المقالات

الحضارات القديمة في القرآن الكريم

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ عبد المتعال الصعيدي (تتمة) الحضارة اليونانية: اليونان من الجنس الآري الذي ينتسب إلى يافث بن نوح عليه السلام، وهم أول من حمل لواء الحضارة من ذلك الجنس، وتمتاز حضاراتهم على غيرها من الحضارات بالنهضة العلمية التي قامت على أساسها، ومازالت ترعاها وتتعهدها حتى ترعرعت وازدهرت، وظهر فيها من أعلام الفكر أولئك الفلاسفة الذين رفعوا منار العلم، ووصلوا فيه إلى ما لم يصل إليه أحد قبلهم، فأقاموه على أسس ثابتة، وجعلوا له حدوداً ومعالم ظاهرة، وقد بلغ من قوة تلك الأسس وظهور تلك المعالم إنها لا تزال ثابتة إلى عصرنا، وان كل نهضة علمية حدثت بعدها تحذو حذوها، وتجري على منوالها، فتبني على تلك الأسس، ولا تتخطى تلك الحدود والمعالم، ويكون كل همها أن تصلح فيها خطأ أو تزيد على آثارها آثاراً جديدة وكما تمتاز الحضارة اليونانية بهذا تمتاز بأمر آخر له خطره، وهو محاولتها جمع العالم على حضارة واحدة، وإخضاع الشعوب البشرية لسلطان واحد، حتى يمكنها أن تتقارب وتتفاهم، وأن تتعاون في كل عمل يرفع شأن البشر، ويعود عليه بالخير والرفاهية، والحضارة اليونانية في تلك المحاولة على عكس الحضارة اليهودية، لأن اليهود كانوا يعتقدون أن حضارتهم حباء من الله لهم، وأنهم أورثوا بها أثاراً على غيرهم من الشعوب، فلا يصح لهم أن يشركوا فيها غيرهم، ولهذا عاشوا منعزلين عن غيرهم من الشعوب، ولم يحاولوا أن يضموا شعباً منها إلى حظيرتهم وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين الغرضين الحميدين في الحضارة اليونانية، وفصلهما أحسن تفصيل في سورة الكهف من الآية - 83 - إلى الآية - 98 - (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً، فأتبع سبباً، حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوماً، قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً، قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا، وإما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم اتبع سبباً، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا، ثم اتبع سببا، حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا، قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خرجا على أن تحمل بيننا وبينهم سدا، قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا إذا جعله ناراً قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا، قال هذا رحمة من ربي، فإذا وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) فهذه الآيات تفيد أن ذا القرنين كان يرمي إلى أمرين عظيمين، أولهما جمع الشعوب في شرق الأرض وغربها تحت حكمه، ليكون لهم جميعاً سلطان واحد يجمع كلمتهم، ويقرب مسافات الخلف بينهم.
وثانيهما نشر العلم والحضارة بين تلك الشعوب، فمن آمن وأذعن لذلك جزاه أحسن الجزاء، ومن لم يؤمن ويذعن لذلك ناله من العذاب، وقد تم لذي القرنين من ذلك ما أراد، فجمع أكثر الشعوب المحتضرة تحت حكمه، ثم عمل على أن يحفظها من الشعوب المتوحشة التي كانت تغير عليها، وتخرب ما تخرب من آثار الحضارة فيها وذو القرنين الذي تم له كل هذا هو الاسكندر المقدوني اليوناني، كان أبوه فيليب ملك مقدونيا، وكان ملكاً عظيم القدر، عمل على أن يجمع بين البلاد اليونانية في حلف تتولى مقدونيا زعامته، ثم يوجه قوة اليونان بعد توحيدها نحو الفتح الخارجي، ولكنه قتل قبل أن يتم غايته، فخلفه ابنه الاسكندر على عرش مقدونيا، وكانت سنه عند ولايته عشرين سنة، وقد ورثه عن أبيه بعد الهمة وقوة العزم، وزاد عليه بتربيته على يد أرسطو الفيلسوف المعروف، فنشأ محباً للفلسفة والعلم، عاملاً على نشرهما في أنحاء المعمور.
وقد أراد أولاً أن يخضع بلاد اليونان كلها لسلطانه، فإذا تم له إخضاعها توجه إلى ذلك الفتح الذي يجمع الشعوب تحت رايته، وكانت دولة فارس على عهدها أكبر دول الأرض، فعمل على قهرها أولاً، وعبر مضيق الدردنيل إلى الأناضول، فانتزعه من أيدي الفرس، وأوقع بجيوشهم في موقعة أسوس، ثم اتجه غرباً نحو الشام ومصر فانتزعهما أيضاً من أيدي الفرس، وما زال يسير غرباً حتى بلغ عين الشمس بواحة سيوة، وهي العين الحمئة أو الحامية التي ذكر القرآن أنه بلغها في فتوحاتها الغربية، ثم عاد فاتجه نحو الشرق قاصداً بلاد فارس، ليقضي على دولة فارس فيها، وما زال يسير شرقاً حتى بلغ سهول الهند الشمالية، ولم يبق أمامه إلا بلاد يأجوج التي ذكر القرآن أنه وصل شرقاً إليها ولا شك أن هذا الاتفاق بين فتوحات ذي القرنين والاسكندر المقدوني دليل على أنهما شخص واحد، وقد ثبت مع ذلك أن الاسكندر المقدوني كان يلقب بذي القرنين، وفي هذا دليل آخر على أنه هو ذو القرنين الوارد في القرآن.
وقد ذهب إلى هذا إلى الرأي كثير من المفسرين، ومن رأى منهم أن ذا القرنين غير الاسكندر المقدوني فقد خبط في بيانه خبط عشواء، ولم يهتد إلى ملك يثبت التأريخ الصحيح أنه كانت له تلك الفتوحات. ولا يوجد لدى الذين يأبون أن يكون ذو القرنين هو الاسكندر المقدوني إلا أنه كان على دين فلاسفة اليونان، ولم يكن رسولاً يدعو إلى الأيمان كما هو ظاهر القرآن في قوله: (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب) ونحوه مما ورد في الآيات السابقة.
ولنا في الجواب عن هذا أن نذهب إلى أن الفلسفة اليونانية لم تكن فلسفة وثنية مادية، وإنما كانت فلسفة توحيدية روحية، إذ كان العقل عند الفلاسفة الأقدمين كسقراط وأفلاطون وأرسطو يعد مظهراً للروح، وأكبر دليل على أن لها وجوداً مستقلاً عن الجسد، فتنفصل منه بعد الموت، وتصعد إلى عالم أرفع من هذا العالم، وهذا هو الإيمان بالتوحيد والبعث الذي دعت إليه الأديان السماوية.
وقد كان في أولئك الفلاسفة من ادعى الإلهام والوحي كفيثاغورس وسقراط، وهي دعوى لا يوجد في الإسلام ما يمنع من قبولها، لأنه يمتاز على غيره من الأديان بأنه لا يجعل الرسالة السماوية وقفاً على قوم من الأقوام، وقد قال الله تعالى في الآية (24) من سورة فاطر: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وإذا كان في آثار أولئك الفلاسفة ما يخالف الدين، فانه يمكن أن يكون من التحريف الذي أصاب الفلسفة اليونانية.
كما أصاب الأديان السماوية، على أن كثيراً من أنصار هذه الفلسفة في اليهودية والنصرانية والإسلام لا يرون أنها تخالف هذه الديانات، وقد استخدموا علومها وآلاتها في نصرة الدين، حتى صار علم الكلام في هذه الديانات متأثرا إلى حد كبير بهذه الفلسفة ويمكننا أن نذهب في الجواب عن ذلك مذهبا آخر نسلم فيه أنه لم يكن في هذه الفلسفة وأصحابها إلهام ولا وحي، وأنهم وصلوا إليها بنظر العقل، فانه يبقى مع هذا أن أولئك الفلاسفة اجتهدوا بعقولهم في الوصول إلى الحقيقة المطلقة، فوصلوا في ذلك إلى أسمى ما وصلت إليه العقول في العصور القديمة، وإلى ما استحق التقدير من كل من ظهر بعدهم من الأمم إلى عصرنا الحاضر، فإذا ذكر القرآن آثار علم من أولئك الأعلام، فأنه يقدر منها ما يستحق التقدير من كل منصف، وإذا كان فيها شيء من المؤاخذات فإن الله لا ينظر إليها في هذه الحالة، كما قال تعالى في الآية (15) من سورة الإسراء: (من أهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).
وقد فعل القرآن الكريم ما يقرب من هذا مع الروم في حروبهم مع الفرس، فراعى لهم أنهم على كل حال أهل كتاب، وبشر المسلمين بنصرهم في الآيات الأولى من سورة الروم (ألم، غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد؛ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر الله من يشاء وهو العزيز الحكيم) أما قوله تعالى: (قلنا يا ذا القرنين) فلا يفيد إلا أن ذا القرنين كان في تلك الفتوحات وفيما يقصده منها مسبراً بأمر الله وقد ذكرنا أنه كان له في تلك الفتوحات مقاصد نبيلة، وكل شيء يحصل في هذه الدنيا فبأمر الله وتقديره. عبد المتعال الصعيدي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١