أرشيف المقالات

البريد الأدبي

8 ما لم ينشر من أدب الرافعي في العدد الماضي من (الرسالة) قطعة ممتعة للمرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، فات الأستاذ العريان أن يضمها إلى مقالات الرافعي التي جمعها في الجزء الثالث من كتاب (وحي القلم)؛ والرافعي - طيب الله ثراه - كان أديب العربية الذي لا يلحق في صوغه وغوصه؛ لذلك كان كل ما يخطه قلمه تحفة فنية غالية، يجب أن يحرص عليها الأدب العربي (لقد كان الرافعي في الكتابة طريقة وحده!)، كما قال الأستاذ الزيات بحق؛ فهل من عجب أن يعد الباحث الذي يعثر على مقالة ضائع له، أو قطعة مفقودة من وضعه، كالذي عثر على كنز أو ثروة!؟ إن الأستاذ العريان قد أدى للأدب العربي خدمة جليلة، حين شغل نفسه بجمع آثار الرافعي التي لم يسبق نشرها مجتمعة في كتاب واحد؛ وهو بإصداره الجزء الثالث من كتاب (وحي القلم)، قد أطلعنا على كنوز مخفية، أو ضائعة، طالما تاقت نفوسنا إلى الاطلاع عليها.

يقول الأستاذ العريان في تصديره للجزء الأول من (وحي القلم): أما الجزء الثالث، فهذه طبعته لأولى؛ كان قصاصات من صحف، وصفحات من كتب ومجلات، فعاد كتاباً بين دفتين.

وقد جمعت ما قدرت عليه بعد، فأضفته إلى ما جمع المؤلف، ورتبت كل ذلك وهيأته للمطبعة؛ فإن كان قد فاتني شيء مما ينبغي إضافته إلى ذلك الجزء.

فمعذرة إلى قارئه؛ ولعلني - بمعونة القراء - أستدرك في الطبيعة الثانية - إن شاء الله - ما فاتني في الأولى) وقد عثرت - عرضاً - على قطعة للرافعي عن (الإحسان الاجتماعي) المنشورة في صدر هذا العدد، فرأيت أن ألفت إلى ذلك نظر الأستاذ العريان، حتى يضمها إلى الجزء الثالث من (وحي القلم) في الطبعة الثانية إن شاء الله؛ وهذه القطعة قد ألقيت في سبتمبر سنة 1914.
وعلى الرغم من أن الرافعي كان يومئذ - لا يزال - أديباً ناشئاً في مقتبل العمر - إذ كان لا يتجاوز الرابعة والثلاثين - إلا أننا نلمح في هذه القطعة روح الرافعي وطريقته في الكتابة بشكل ظاهر.
وهذا يدلنا على أن طريقته في الإنشاء قد استقامت له منذ زمن بعيد! وقد أرفقت هذه القطعة بكلمتي هذه، حتى يطلع عليها قراء لرسالة الغراء، ورأيت أن أحذف منها قطعة صغيرة بدأ بها الرافعي كلامه، مبيناً الظرف الذي دعاه إلى الكلام (مصر الجديدة) زكريا إبراهيم زواج الأدباء للرافعي أرسل إلينا الأديب نعمان أحمد عسكرية يقول: إن مقال (زواج الأدباء) الذي بعث به إلينا ونشرناه في (العدد 482)، قد عثر عليه مصادفة في مجلة كانت تصدر في القاهرة باسم (الإشاعة) وهو جواب الرافعي عن استفتاء وجهه محررها إلى رجال الأدب حول نسخ الأحكام أقول رداً على المقال المنشور في العدد 483 من مجلة الرسالة بعنوان (حول نسخ الأحكام): إن الإمام أبا جعفر بن النحاس يرى أن القول بشمول النسخ للأخبار يؤول إلى الكفر، وأن القول يجعل النسخ إلى الأمام أشد كفراً - كما في نصه المنقول في تعقيبي السابق وهو موضع البحث - فيثبت بالضرورة أنه لم يعز القول بجعل النسخ للأمام إلى فرقة إسلامية عنده، لظهور أن فئة يذكرها بأشد الكفر لا تكون فرقة إسلامية في نظره.
فقول كاتب المقال: (فأما أن أبا جعفر لم يعز القول بذلك إلى فرقة إسلامية فليس بصحيح) - مع اعترافه بأن أبا جعفر ابن النحاس يكفر تلك الفرقة - يكون من قبيل إنكار النتيجة بعد التسليم بالمقدمتين ذلك وقد أطبق أصحاب كتب الملل والنحل على أن الإسماعيلية الباطنية ليسوا بمسلمين وإن تظاهروا بالإسلام على ما يظهر من كتاب الرد على الباطنية لابن رزام، والفهرست لابن النديم، وكشف الأسرار للباقلاني.
والفرق بين الفرق.
وكتاب أصول الدين لأبي منصور البغدادي، والفصل لابن حزم، والتبصير لأبي المظفر الاسفراييني، وفضائح الباطنية للغزالي، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للفخر الرازي، وغيرها فليتفضل كاتب المقال بذكر واحد من أهل هذا الشأن يعدهم من فرق المسلمين غير الداخلين في فرق الكفر فنعذره بعض عذر في حسبانه الباطنية الإسماعيلية من فرق الإسلام لو وجد سبيلاً إلى ذلك، وليس بواجد على أن من الظاهر كل الظهور أن جعل نسخ الوحي المنزل من حكيم حميد بين شفتي شخص بعد انقطاع زمن الوحي لا يعقل أن يصدر ممن يدين بدين الإسلام، فثبوت بطلان مثل هذا الرأي لا يحوج إلى أكثر من تصور طرفي الحكم من داع لما يقال له وكون الدولة الفاطمية من الإسماعيلية الباطنية لا يزيدهم إلا سوء مخبر.
وبناء القائد جوهر الأرمني الصقلي للجامع الأزهر لا يبرئهم من نحلتهم الإلحادية المكشوفة.
ثم إن الجامع الأزهر إنما نعتز به كجامعة إسلامية منذ تولى أمره ملوك الإسلام وحماة السنة الغراء من عهد الظاهر بيبرس، وكان قبل ذلك محشداً للإسماعيلية ذكورهم وإناثهم يجتمعون فيه للعن الصحابة علناً جهاراً لنشر دعوتهم الإلحادية ليلاً ونهاراً؛ ولم يكن الأزهر في زمنهم جامعة، بل كان يحلق فيه فقهاء مذهبهم بين الظهر والعصر من يوم الجمعة في عهد الوزير بن كلس لإلقاء عظات في مذهب الرفض والباطنية.
ويقول الإمام الباقلاني عنهم في كشف الأسرار: (هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض) وفي المنتظم لابن الجوزي، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ ابن الوردي صورة ما أصدره القضاة والأشراف وعلماء المذاهب ببغداد في تبيين أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح، وأن والد عبيد الله الذي تنتمي إليه العبيدية كان يهودياً صباغاً بسلمية حمص، وأنهم زنادقة أعداد للإسلام.
وفي (اللمعات البرقية لابن طولون) ذكر نماذج من إلحادهم وزائف نسبهم.
ونجد في كشف أسرار الباطنية للحمادي عند الكلام في تدرج الداخل في عودتهم ما نصه (قالوا له قرب قرباناً يكون لك سلماً ونجوى ونسأل لك مولانا (الإمام المعصوم) أن يحط عنك الصلاة ويضع عنك هذا الإصر، فيدفع أثنى عشر ديناراً، فيقول ذلك الداعي: يا مولانا إن عبدك فلاناً قد عرف الصلاة ومعانيها، فاطرح عنه الصلاة، وضع عنه هذا الإصر وهذا نجواه اثنا عشر ديناراً، فيقول: أشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة ويقرأ له (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) فعند ذلك يقبل إليه أهل هذه الدعوة يهنئونه ويقولون: الحمد لله الذي وضع عنك وزرك الذي انقض ظهرك.
) وهكذا.
وقد أفاض المقريزي في خططه في بيان المجالس التي يعقدها الداعي للذكور والإناث، ومنازل الدعوة، وعدد النطقاء إلى السابع الذي ينسخ الشرائع، وهو صاحب الزمان محمد بن إسماعيل ابن جعفر وهو سابع الأنبياء النطقاء في نحلتهم، ونبيناً فخر الرسل عليه الصلاة والسلام سادسهم عندهم، إلى غير هذا مما تضيق مجلة الرسالة عن بسطه الآن صلاح الدين شفيق

شارك الخبر