أرشيف المقالات

الحديث ذو شجون

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 للدكتور زكي مبارك اتجاه جديد في الحياة المصرية - أخيلة ريفية تساور الكتاب المصريين - تاجوج المريضة في السودان - فرصة لن تضيع - نقد الشعر على أساس وحدة البيت - قصة أدبية - شاعر يتحدى جميع الشعراء اتجاه جديد في الحياة المصرية التاريخ الأدبي والعلمي لمصر يشهد بأن المصريين كانوا يعتزون بالريف كل الاعتزاز، فينتسب الأديب واللغوي والفقيه إلى بلده الذي ولد فيه بأسلوب يفصح عن ارتياحه لذلك الانتساب.
وفي رجالنا العظماء من عرفوا بالنسب إلى بلادهم، بحيث صارت تلك النسبة هي العلم الأصيل، وبحيث صار الاهتداء إلى أسمائهم الأولى يحوج الباحث إلى مراجعة كتب التراجم والتاريخ الأشموني النحوي، والشنشوري الفرضي، والباجوري الفقيه، والدميري المحيط: أمثال هؤلاء لا يعرفون بغير هذه الأنساب، وهي غاية في التعريف، وعلى مثلها يقاس في الأعلام المنسوبة إلى قرى الريف بمصر الشمالية ومصر الجنوبية ومن غريب ما لاحظت أن النسبة إلى العواصم كانت قليلة، فلا يقال القاهري أو الفسطاطي إلا في أندر الأحايين! ولعل السيوطي حين انتسب إلى سيوط لاحظ أن بلده ليست إلا دسكرة من دساكر الريف، وإن الانتساب إليها يميزه عن القاهريين وأكثر من تولوا رياسة الأزهر منسوبون إلى بلادهم، من أمثال: البشري والمراغي والظواهري؛ وهذه الظاهرة أوضح من أن تحتاج إلى استقراء ولكن، ما الذي أفدناه من الانتساب إلى قرى الريف؟ الفائدة تفوق الوصف، فقد أضفت على القرى المصرية لمحات روحية، وزادت في قيمه المعنوية، وربطت أهلها برباطِِ وثيق، وأطمعتهم في معاني المجد والخلود ومن الذي يمر على أشمون أو شنشور أو الباجور أو إسنا أو ملوي أو أسيوط أو منفلوط، ولا يتذكر أن هذه البلاد كانت منابع لعبقريات حفظ فضلها التاريخ؟ ولكن الحال تبدلت فيما بعد، وصار الانتساب إلى الريف لا يقع من الأنفس موقع القبول.
وزاد الخطر بتوهم أهل الريف أن لا قيمة للحياة في غير الحواضر، وأن الريف لا يصلح مقاماً لغير العاجزين عن الانتفاع بثمرات التمدن الحديث، وصار من حق الفلاح أن يودع المسافر إلى القاهرة بهذا النشيد: (ليلتك سعيدة وسعيدة يا رايح مصر) ثم لطف الله بالمصريين فوصلوا قراهم بعد القطيعة، وآنسوها بعد الإيحاش، وأصبح من المألوف أن تجد فتى من حملة الإجازات العالية يحدثك عن متاعبه في البحث عن أدوات الحرث والحصاد، وصار من السهل أن تجد في الوزراء السابقين من يستغل نشاطه في استئجار الأراضي الواسعة بالريف وأظهر أمراء مصر عناية بمزارعه هو صاحب السمو الأمير عمر طوسون، فقد سمعت أنه يعرف أملاكه قطعة قطعة، وأنه يراقب الأسعار مراقبة الخبراء.
وهذا هو السر في أن الله حفظ عليه نعمة اليسار العريض أخيلة ريفية والذي يهمني من هذا كله هو انتفاع الأدب الحديث بعودة المصريين إلى الريف، فقد لاحظت أن في كتابنا من تساورهم الأخيلة الريفية، وهي أخيلة على جانب من الجمال، وستغذي الأدب الحديث بألوان وألوان ولتوضيح هذه الفكرة أذكر أني كنت ألوم الأستاذ الزيات على طول مقامه بالريف، ثم تمنيت أن يقيم بالريف إلى آخر الزمان حين رأيته يقول: (وفي الريف خطباء وشعراء كعصافير الحصاد، تزقزق للحبة، ولا تزقزق للزهرة) وهذا كلام عجيب غريب، أعني أنه من النفاسة بمكان وفي صباح اليوم قرأت كلمة للدكتور سعيد عبده في (مجلة الساعة 12) كلمة من جنس كلام الأستاذ الزيات في الاستفادة من الأخيلة الريفية، فالتفت ذهني إلى هذا المعنى من جديد، فما كلمة ذلك الدكتور الفلاح؟ تكلم عن المعارضين في مجلس النواب فقال (إن عددهم أقل من عدد الدحريج في القمح النظيف) أي عبارة هذه؟ وما الذي فاتها من خصائص التشبيه الدقيق؟ ولو نظرنا في تذييل هذه العبارة لوجدناها أعجب وأغرب، لأن التذييل كان لمحة من النقد اللاذع لما صرنا إليه من الوجهة المعاشية، ويكفي أن أقول إنه قيد القمح النظيف بالقمح الذي كان قبل سنة 1939 تاجوج المريضة في السودان في قصيدة الشاعر محمد سعيد العباسي جاءت هذه الأبيات: فيا ابن المبارك عِش سالماً ...
وبُورِكَ في زَندك الواريهْ تغنيتَ حيناً بليلى العراق ...
فأحللتها الرتبة الساميهْ فمُد لنا فضل ذاك العِنان ...
عنانَ يراعتك الطاغيةْ وألمِمْ بتاجُوجَ واحفِلْ بها ...
فتاجوجُ جوهرةُ الباديهْ وعلِّقْ على جيد تاريخها ...
دراريَّ أبحرك الطاميهْ فمن تاجُوج؟ من تاجُوج وما تحدث عنها أحد من الذين قصوا أخبار العشاق؟ هي فتاة جميلة عفيفة، أحبها فتى جميل عفيف، وكانت لهما أخبار تشبه ما كان بين ليلى وقيس، ولعشاقها أشعر لا تقل روعة عن أشعار المجنون، عليهم جميعاً رحمات الذي خلق ثمرات النخيل والأعناب! سمعت أول مرة بأخبار تاجوج وأنا في بغداد، من خطاب فتى سوداني عز عليه أن تشغلني ليلى عن تاجوج، فرمى سهم العتاب من الخرطوم إلى الزوراء سهمٌ أصابَ وراميه بذي سَلَمٍ ...
من العراق لقد أبعدتَ مرماكِ ثم اتفق بعد رجوعي إلى مصر أن أبحث عن أخبار تاجوج فرأيتها مسطورة في رحلة سمو الأمير يوسف كمال إلى السودان في أقل من صحيفتين، فعاهدت الله والحب أن أكتب أخبارها في مئات الصفحات ولكن متى؟ قلبي يحدثني بأن الله لن يبخل علي بتحقيق هذا الحلم الجميل كانت (تاجوج) تعيش في (عروس الرمال) فما عروس الرمال؟ سترون وصفها بعد حين أو أحايين فرصة لن تضيع في العام الماضي أرسلت إلى المهرجان الأدبي في السودان بحثاً عن (الطريق عن الوحدة العربية) وهو أول وحي جاد به السودان على قلمي.
وفي هذا العام تفضل رئيس المهرجان فوجه إلي دعوة كريمة لإرسال كلمة أو قصيدة تلقى في المهرجان، فرأيت أن أرسل إليه قصيدة عن مصر الجديدة.
ولكني عرفت أن آخر موعد لتقديم الكلمات والخطب والقصائد هو اليوم العشرون من رمضان، فماذا أصنع؟ سأنشر قصيدتي في العدد المقبل من (الرسالة) مهداةً إلى نادي الخريجين، وبذلك لا تضيع فرصة الاشتراك في ذلك المهرجان، فالمهم هو تعاون العقول، وتآخي النفوس، وتناجي القلوب.
وقد يتفضل الله فيسمح بالفرصة المقبلة، فرصة المؤتمر الذي يعقد في عيد الأضحى، وللمؤتمر هنالك معنى يختلف عن المهرجان باختلاف الموضوعات الأدبية والقومية والاجتماعية ولعل الأقدار تسمح بأن يكون لنادي الخرجين في السودان قوة الجمعية الطبية المصرية، فيومذاك ينتفع بما سنت من التقاليد فلا يكتفي بالتنقل بين مدائن السودان عند إقامة المهرجانات والمؤتمرات، وإنما يتنقل بين المدائن العربية فيكون مرة في الخرطوم ومرة في القاهرة ومرة في دمشق ومرة في بيروت ومرة في بغداد وبهذه المناسبة أقول: هل أقامت الجمعية الطبية المصرية أحد مؤتمراتها في الخرطوم أو أم درمان، مع أنها زارت أكثر الحواضر العربية وفكرت في زيارة طهران؟ أجب عن هذا السؤال، يا معالي الدكتور علي باشا إبراهيم! نقد الشعر على أساس وحدة البيت من رأي بعض القدماء أن الشعر لا ينقده غير الشعراء، وحجة ذلك البعض أن الشاعر هو الذي يدرك الدقائق الشعرية، ويعرف ما يباح وما لا يباح من التأنق والابتذال والظاهر أن ابن الرومي هو أول شاعر نص على أن الجودة المطلقة لا تشترط في كل بيت، ولكن هذه النظرية لم تتضح في ذهن ابن الرومي كل الاتضاح، بدليل أنه ساقها مساق الاعتذار، حين قرر أنه ليس أعظم من الله، والله يخلق الشجرة وفي أغصانها القوي والضعيف ولو أن هذه النظرية كانت اتضحت في ذهن ابن الرومي لترك جانب الاعتذار واعتصم بجانب الاحتجاج.
وتفسير ذلك أن جمال الشجرة مجمل لا مفصل، فهي جميلة في مرأى العين، بغض النظر عما فيها من أغصان ضعاف، ولعل جمالها لم يكمل إلا بفضل تلك الأغصان الضعاف وأوضح هذه النظرية بعض التوضيح فأقول: في كل وجه جميل ملامح تكميلية تؤكد ما فيه من جمال، ولكنها منفردة لا توصف بالجمال وفي الزهرة الجميلة أوراق يعوزها الحسن، ولكن جمال الزهرة يحتاج إليها كل الاحتياج والأرض الجيدة لا تستوي أبداً، وعدم استواء الأرض الجيدة هو الذي يتيح لها فرصة الانتفاع بالشمس والهواء وما يقال في المحسوسات يقال في المعقولات، فالنبوغ الفائق هو في ذاته لون من الانحراف، لأنه صورة من طغيان بعض المواهب على بعض، ولو استقامت المواهب الإنسانية استقامة مطلقة في جميع الناس لكان من المستحيل أن يتفوق الإنسان على الحيوان تفوق جارحة على جارحة أو ملكة على ملكة، وهو أساس النبوغ والعبقرية، ولكن وجود الجارحة الضعيفة أو الملكة الضعيفة شرط أساسي في تكوين ما يقوى من الجوارح والملكات، كما أن الغصن الضعيف سناد للغصن القوي في تكوين الشجرة الفرعاء والقصيدة كالشجرة، يستبد فيها البيت القوي بالبيت الضعيف، وعلى أساس القوة والضعف ينهض بناء الوجود وإذن؟ وإذن يخطئ من يجاري القدماء في نقد كل بيت من القصيدة على حدة، وإنما الرأي أن تكون أبيات القصيدة كمسامير السفينة، مسامير السفينة تختلف باختلاف مواطن الرباط والوثاق ولو نظر القدماء هذه النظرة لأعفونا من أبحاث كان فيها نقد الشعر قائماً على وحدة البيت لا وحدة القصيدة، فكان مثلهم مثل من يعيب الغابة الشجراء، لأنه عثر فيها على شُجَيرة عجفاء قصة أدبية وهذا الكلام ساقته قصة أدبية تلخصها الأسطر الآتية: بدا لي أن أقرأ (قصيدة مصر الجديدة) على الدكتور طه حسين، فاعتذر بالسفر إلى فلسطين.
وأردت عرضها على الأستاذ خليل مطران فحدد موعداً، ولكني تخلفت عن الموعد ساعة وبضع دقائق، فانصرف قبل أن يلقاني مع الأسف، فقد كنت أرجو أن أنتفع بنقده الدقيق.
وعند خروجي من مكتب الأستاذ خليل مطران لقيت الأستاذ محمد هاشم عطية فدعوته لسماع القصيدة عساه يعطي رأياً في تنقيح بعض الأبيات؛ ثم كان رأيه أن هذه القصيدة يفسدها التنقيح، فعرفت من جديد أنه ذلك الأديب الفنان ما هذا الكلام؟ أترونني أعتذر عما سيقع في قصيدتي من ضعف كما اعتذر ابن الرومي؟ هيهات ثم هيهات! فقصيدتي هي القصيدة، ولن يستطيع شاعر أن يجاريني في أي ميدان؟ راية الشعر يحملها المصريون، ولن تنزع هذه الراية من أيدينا، ولو سهر ليل الإخوان الأعزاء في سائر الأقطار العربية قد تقولون: ما هذا الغرور؟ وما هذا الادعاء؟ وأقول إني سألقى عليكم قصيدة تلقف ما تأفكون، وسأقهركم على الإيمان بعبقرية مصر الشعرية في هذا الزمان زكي مبارك

شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن