المسح على الخفين والجبيرة
مدة
قراءة المادة :
12 دقائق
.
[فِي اَلْمَسْحِ عَلَى اَلْخُفَّيْنِ وَالْجَبِيرَةِ]
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في منهج السالكين: [فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خُفَّانِ وَنَحْوُهُمَا مَسْحَ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ].
الشرح:
المسح في اللغة: الإمرار.
وفي الاصطلاح: هو إمرار اليد مبلولة بالماء من أطراف أصابع الرجلين إلى أول الساقين على خف مخصوص في زمن مخصوص.
الخفان: ما يُلبس على الرِّجلِ من الجلود، ويلحق بهما: ما يُلبس عليهما من الكتان والصوف ونحو ذلك، فيدخل في هذا الجورب "الشرَّاب" و"البسطار" ونحوه.
المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة:
قال الإمام أحمد - رحمه الله -:"سبعة وثلاثون نفسًا يروون المسح عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-" وقال أيضًا: "فيه أربعون حديثًا عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-".
ولم ينقل عن أحد من السلف إنكار المسح على الخفين، إلا المبتدعة كالخوارج والرافضة الذين ينكرونه إلى يومنا هذا.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في منهج السالكين: [مَسْحَ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ.
بِشَرْطِ أَنْ يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ.
وَلَا يَمْسَحَهُمَا إِلَّا فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَصْغَر عن أنسِ مرفوعا:" إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلاَ يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ".
رَوَاهُ اَلْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ].
الشرح:
مدة المسح على الخفين: للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
ويدل على ذلك:
أ- حديث علي - رضي الله عنه - قال: " جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلّى الله عليه وسلّم- ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
يعني في المسح عَلَى الخُفَّيْن"[1].
ب- حيث صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلّم- يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لاَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ.."[2].
مثال: رجل بدأ مسح خفيه الساعة: الثانية عشرة ظهرًا من يوم السبت، فإن كان مقيمًا تنتهي مدة مسحه في الساعة: الثانية عشرة ظهرًا من يوم الأحد، وان كان مسافرًا، تنتهي في الساعة: الثانية عشرة ظهرًا من يوم الثلاثاء.
• تبدأ مدة المسح من أول مسح وليس من لبس الخف، وذلك لأن الأدلة كلها جاءت بلفظ المسح.
مثال: رجل توضأ لصلاة الفجر ولبس خفيه، ثم توضأ في الساعة: الثانية عشرة لصلاة الظهر ومسح على خفيه، فالقول الصحيح أن مدة مسحه تبدأ من الساعة: الثانية عشرة ولمدة أربع وعشرين ساعة، يعني إلى نفس الساعة من الغد إذا كان مقيمًا، بخلاف المسافر فإنه يمسح اثنتين وسبعين ساعة.
شروط المسح على الخفين:
أولًا: أن يلبسهما على طهارة:
لحديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: " كنت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ "[3].
قال سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -:" من لبس الخفين أو الجوربين وهما الشرَّاب على غير طهارة فمسح عليهما وصلى ناسيًا فصلاته باطلة وعليه إعادة جميع الصلوات التي صلاها بهذا الوضوء ".
ثانيًا: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى دون الكبرى:
أي: يكون مسحه مما يلزمه من أجله الوضوء كالبول، والغائط، والنوم، ونحوه أمّا ما يلزمه من أجله الاغتسال كالجنابة ونحوها، فلا يجوز له فيه المسح على الخفين.
لحديث صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لاَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ "[4] فالمسح خاص بالوضوء، ولا يدخل الغسل فيه.
ثالثًا: أن يكون الخف طاهرًا:
فلا يجوز المسح على خف نجس، كأن يكون خفًا أصابته نجاسة، فلابد من إزالتها أو خفًا نجس بعينه، كأن يكون مصنوعًا من جلد حمار مثلًا فلا يجوز المسح عليه.
رابعا: أن يكون في المدة المحدودة:
فلو زاد المقيم على يوم وليلة، أو المسافر على ثلاثة أيام ولياليهن، لم يجزئ مسحه بعد المدة.
فائدة: الصحيح أنه يجوز المسح على الخف الشفاف والمخرق ما دام اسمه خفًا، أي: بحيث لا تكون هذه الخروق كثيرة فتسلبه اسم الخف.
ويدل على ذلك: أن الصحابة كانوا فقراء لا تخلوا خفافهم من خروق، ولم يرد حديثًا واحدًا أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- نهاهم عن تلك الخفاف.
قال سفيان الثوري - رحمه الله -: "امسح عليها ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة" [5].
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:" يجوز المسح على الخف الخفيف؛ لأنه ليس المقصود من الخف الستر -ستر البشرة- وإنما المقصود من الخف: إن يكون مدفئًا للرِّجل نافعًا لها ".
صفة المسح على الخفين:
المسح يكون على ظاهر القدم أي أعلاها، لحديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال:" لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلّم- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ." [6].
فيبتدئ من أصابع رجله إلى ساقه فقط، يمسحهما معًا اليمنى باليد اليمنى، واليسرى باليد اليسرى إذا كان يمكنه ذلك؛ لأن هذا ظاهر السنة كما في حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حيث قال: "وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا" ولم يقل بدأ باليمنى أما إذا لم يمكنه ذلك فإنه يمسح اليمنى ثم اليسرى؛ لأن المسح بدلًا عن غسل القدم، والبدل له حكم المبدل منه، والأمر في هذا واسع.
مسألة: هل انتهاء مدة المسح تبطل الطهارة؟
الصحيح - والله أعلم - أنها لا تبطل الطهارة، فلو أن رجلًا توضأ الساعة الحادية عشرة وتنتهي مدة مسحه الساعة الثانية عشرة، واستمر على طهارته إلى ما بعد الثانية عشرة لم ينتقض وضوئه.
والدليل: عدم الدليل على بطلان الطهارة لا من كتاب الله - عز وجل - ولا من سُنَّة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولا من إجماع أهل العلم، وما دام أن الطهارة ثبتت بدليل شرعي، فلا تنتقض إلا بدليل شرعي، والنَّبي -صلى الله عليه وسلم-وَقَّتَ مدة المسح؛ ليعرف بذلك انتهاء مدة المسح، لا انتهاء الطهارة.
• من مسح في سفر ثم أقام فإنه يمسح مسح مقيم ومن مسح في إقامة ثم سافر فإنه يمسح مسح مسافر.
فلو أن مقيمًا مسح أقل من يوم وليلة ثم سافر فإنه يمسح مسح مسافر فيضيف يومين وليلتين ليومه السابق، ولو كان مسافر ثم أقام فإنه يحسب يومًا وليلة فقط فإن كان أتمها لم يجز له أن يمسح بعد ذلك.
بل يخلع خفيه ويتوضأ فيغسل قدميه.
مسألة: من لبس خفًا على خف.
مدة المسح على الخفين للخف الأول على كل حال.
ولكن هل يجوز المسح على الخف الثاني أثناء مدة المسح؟
هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إذا لبس الخف الفوقاني على الخف التحتاني قبل الحدث.
مثاله: كمن كان في يوم شديد البرد فتوضأ ولبس خفيه، ثم أراد أن يلبس عليهما خفين آخرين لشدة البرد قبل أن يحدث، فالحكم في المسح للفوقاني؛ لأنه لم يبدأ في مسحه إلا مع الفوقاني، وهذا المذهب وهو القول الراجح - والله أعلم-.
القسم الثاني: إذا لبس الخف الفوقاني على التحتاني بعد الحدث.
الأظهر - والله أعلم -: أنه إذا لبس الثاني بعد الحدث فحكم المسح للأول، وإذا لبس الثاني على طهارة - أي بعد المسح على الأول - جاز له أن يمسح على الثاني إذا توضأ مرة أخرى بعد ذلك؛ لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في منهج السالكين:[ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَعْضَاءِ وَضُوئِهِ جَبِيرَةٌ عَلَى كَسْرٍ، أَوْ دَوَاءٌ عَلَى جُرْحٍ، وَيَضُرُّهُ اَلْغُسْلُ: مَسَحَهُ بِالْمَاءِ فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ حَتَّى يَبْرَأَ.
وَصِفَةُ مَسَحِ اَلْخُفَّيْنِ: أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ ظَاهِرِهِمَا.
وَأَمَّا اَلْجَبِيرَةُ: فَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِهَا.].
الشرح:
الجبيرة: هي أعواد توضع على الكسر ثم يربط عليها؛ ليلتئم، والآن بدلها الجبس.
صفة المسح على الجبيرة:
الجبيرة يمسح عليها كلها، فإن كانت في اليد مسح عليها كلها أعلاها وأسفلها؛ لأنها ليست كالخف، فهي تخالفه في أشياء ستأتي بإذن الله – تعالى -.
الجبيرة تخالف الخف في مسائل عديدة:
أولًا: أنها لا يشترط تقدم الطهارة عليها:
فلا يشترط في الجبيرة أن يكون الإنسان متطهرًا قبل أن توضع عليه؛ لعدم الدليل على ذلك، وقياسها على الخفين لا يصح لوجود الفروق بينهما، ولأنها تأتي بغتة.
ثانيًا: دخولها في الطهارة الصغرى والكبرى:
فالجبيرة يمسح عليها سواء كان ذلك في وضوء أو غسل، وذلك لمشقة النزع، وأما حديث صاحب
الشجة: رواه أبو داود وهو حديث ضعيف؛ لأن مداره على: (الزبير بن خريق) وليس بالقوي.
ثالثًا: عدم التوقيت لها بمدة محددة:
لأن مسح الجبيرة ضرورة والضرورة تدعو إلى أن تمسح إلى حَلِّها، بعد الشفاء.
رابعًا: وجوب المسح عليها جميعًا:
لأن البدل له حكم المبدل منه، وهذه قاعدة عظيمة، فالبدل هنا هو: مسح الجبيرة، والمبدل منه: غسل جميع القدم، فكما أن القدم يجب غسل جميعها، فكذلك الجبيرة لا بد من مسح جميعها أعلاها وأسفلها.
خامسا: أن الجبيرة لا تختص بعضو معين، فليس كالخف الذي يختص بالرِّجل.
سادسا: أن الجبيرة وضعها مخصوص بحال الضرورة، فالمسح عليها عزيمة، بخلاف الخف فهو رخصة وبدون ضرورة.
مستلة من بداية المتفقهين في شرح منهج السالكين (كتاب الطهارة)
[1] رواه مسلم برقم (276).
[2] رواه الترمذي برقم (96)، رواه النسائي برقم (127).
[3] رواه البخاري برقم ( 206)، رواه مسلم برقم (274).
[4] رواه الترمذي برقم (96)، رواه النسائي برقم (127).
[5] رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (753).
[6] رواه أحمد برقم (917)، رواه أبو داود برقم (162)، وقال ابن حجر - رحمه الله -: "إسناده صحيح ".