بيع الدين بالدين
مدة
قراءة المادة :
8 دقائق
.
المرتع المشبع في مواضع من الروض المربع
قوله: "ولا يجوز بيع الدَّين بالدَّين، حكاه ابن المنذر إجماعًا[1]؛ لحديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ[2]، وهو بيع ما في الذمة بثمنٍ مؤجلٍ لمن هو عليه، وكذا بحالٍّ لم يُقبض قبل التفرق وجعله رأس مال سَلَم")[3].
قال في "المقنع": "ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الدين "[4].
قال في "الحاشية": "قوله: (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ)، قال في "التلخيص": وله صور:
منها: بيع ما في الذمة حالًّا من عروض أو أثمان بثمن إلى أجل ممن هو عليه.
ومنها: جعل رأس مال السلم دينًا.
ومنها: لو كان لكل واحدٍ من اثنين دين على صاحبه من غير جنسه، كالذهب والفضة، وتصارفا ولم يحضرا شيئًا فإنه لا يجوز، سواء كانا حالين أو مؤجلين، نصَّ عليه فما إذا كانا نقدين.
واختار الشيخ تقي الدين الجواز، فإن أحضر أحدهما جاز بعسر يومه وكان العين بالدين، وهذا المذهب[5]"[6].
وقال ابن رشد:
"واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين[7] في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك...
إلى آخره"[8].
وقال في "الاختيارات":
"والتحقيق في عقود الربا إذا لم يحصل فيها القبض: أن لا عقد وإن كان بعض الفقهاء: بَطَلَ العقد فهو بطلان ما لم يتم لا بطلان ما تم، والكيمياء باطلة محرمة، وتحريمها أشد من تحريم الربا، ولا يجوز بيع الكتب التي تشتمل على معرفة صناعتها، وأفتى أبو العباس بعضَ ولاة الأمور بإتلافها"[9].
وقال في "الفروع":
"قال شيخنا: الكيمياء غش، وهي تشبيه المصنوع من ذهب أو فضة أو غيره بالمخلوق باطلة في العقل، محرمة بلا نزاع بين علماء المسلمين، ثبت على الرُّوباص أو لا، ويقترن بها كثيرًا السيمياء التي هي من السحر والزجاج مصنوع لا مخلوق.
ومن طلب المال بما حرمه الله عُوقِبَ بنقيضه، كالمرابي وهي أشد تحريمًا منه، ولو كانت حقًّا مباحًا لوجب فيها خمس أو زكاة ولم يوُجِب عالمٌ فيها شيئًا، والقول بأن قارون علمها باطل، ولم يذكرها ويعلمها إلا فيلسوف، أو اتحادي، أو ملك ظالم"[10].
وقال البخاري: (باب قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130].
وذكر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن الحلال أم من حرام)[11]".
قال الحافظ: "لعله أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النسائي من وجه آخر: (يأتي على الناس زمان يأكلون الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره)[12].
وروى مالك عن زيد بن أسلم في تفسير الآية قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون الرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حلَّ قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ، وإلا زاده في حقه وزاده الآخر في الأجل[13]...، ويطلق الربا على كل بيع محرم"[14].
وقال ابن التين: "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا تحذيرًا من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نبوته؛ لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذم من جهة التسوية بين الأمرين وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذمومًا من حيث هو، والله أعلم"[15] انتهى مُلخصًا.
وقال الحافظ أيضًا:
"البيع كله إما بالنقد أو بالعرض حالًا أو مؤجلًا، فهي أربعة أقسام:
فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة.
أو بنقد غيره وهو الصرف.
وبيع العرض بنقد يُسمى مقابضة، والحلول في جميع ذلك جائز.
وأما التأجيل بالعرض يسمى مقابضة، والحلول في جميع ذلك جائز.
وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرًا فلا يجوز، وإن كان العرض جاز، وإن كان العرض مؤخرًا فهو السلم، وإن كانا مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز إلا في الحوالة عند من يقول: إنها بيع، والله أعلم"[16].
[1] الإجماع (482) وفتح القدير 5/ 287، وحاشية ابن عابدين 5/ 182.
والشرح الصغير 2/ 33، وحاشية الدسوقي 3/ 61.
تحفة المحتاج 4/ 409، ونهاية المحتاج 4/ 92.
وشرح منتهى الإرادات 3/ 261، وكشاف القناع 8/ 38.
[2] تقدم تخريجه 4/ 337.
[3] الروض المربع ص258.
[4] المقنع 2/ 75.
[5] شرح منتهى الإرادات 3/ 261، وكشاف القناع 8/ 39.
[6] حاشية المقنع 2/ 75.
[7] فتح القدير 5/ 274، وحاشية ابن عابدين 5/ 178.
والشرح الصغير 2/ 15، وحاشية الدسوقي 3/ 28.
تحفة المحتاج 4/ 272، ونهاية المحتاج 3/ 425.
وشرح منتهى الإرادات 3/ 245، وكشاف القناع 8/ 6.
[8] بداية المجتهد 2/ 119.
[9] الاختيارات الفقهية ص129.
[10] الفروع 4/ 168و 169.
[11] البخاري (2083).
[12] النسائي 7/ 244، من طريق الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الزيلعي في نصب الراية 2/ 476: اختلف أئمتنا في سماع الحسن من أبي هريرة، فإن صح سماعه فالحديث صحيح، وقال عبد الحق في أحكامه: لم يصح سماع الحسن من أبي هريرة، ووافقه ابن القطان على ذلك، وقال الترمذي في فضائل القرآن من جامعه في حديث الحسن عن أبي هريرة من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفره له: الحسن لم يسمع من أبي هريرة.
[13] مالك 2/ 673.
[14] فتح الباري 4/ 313.
[15] فتح الباري 4/ 296و 297.
[16] فتح الباري 4/ 382.