أرشيف المقالات

أسطورة جاهلية

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 أساف ونائلة حدث السادن (تيم) من (جرهم) يروي قصة (أساف) و (نائلة) للذين مسخا صنمين، فعبدتهما قبيلتا (قريش) و (خزاعة) ومن حج الكعبة من بعدهما، قال: كان (أساف بن يعلى) من أشراف (جرهم) ومن أشجع فرسانها، وكان مليح الوجه ظريفاً عظيم النفوذ بين العرب، وكانت (جرهم) تهابه أكثر مما تحبه، وقد أوتي حكمة الشعر والكهانة، وجمع إلى المال قوة العماليق، شيد له صرحا في اليمن كعش النسرن ولم يسكنه إلا بعد أن أخذ بثأر أبيه المقتول، ونحر على قبره، واحتفر للغنائم من حوله، حفراً ختمها بالحديد هذا الجبار الذي كان يتلهى بقتل عبيده في أوقات الفراغ، وقع أسر حب (نائلة بنت زيد) من (جرهم)، وكانت من أجمل نساء العرب، وأكثرهن ذكاء.
تنشد الشعر، وتترك النار مشبوبة حول بيوتها للضيفان، وكان ربما خرج (أساف) للصيد والقنص، فصادف جواري يستقين، فينشدنه من أشعارها ما يطربه، وما كان (أساف) ليأنف أن يقف للناس في الأسواق وهو الزعيم القوي البأس لكي ينشدهم شعره في نائلة، فاشتهر عشق البطل لربة الجمال، وتغنت به الركبان في أرض اليمن وكان من عادة العرب، التفريق بين العاشقين، فكان طبيعياً أن يحرم العاشق لذة اللقاء، وأن يذوق حرارة البعد، ومرارة الفراق، وأن تفكر المعشوقة في خلها طول النهار، وطرفاً من الليل، وأن يتحين العاشقان فرصة اللقاء، ليرتشفا كأس الحب، فلما أقبلت نائلة من اليمن تحج البيت، كان أساف قد سبقها إليه، وكانت العرب تعظم الكعبة، وتبالغ في حبها والتبرك بها، وكانت تضع في جوفها أصنامها المعبودة. والتقى أساف بنائلة حول ذلك البيت المقدس حاجين، وما كان أشد اشتياق البطل لمعشوقته، فطافا مراراً، ثم دخلا الكعبة يتبركان بأصنامها، فاتفق أن وجدا غفلة من الناس، وخلوة في البيت، فتقدم البطل إلى ربة الجمال، وأسلمت نفسها له في خفة، ورقة ولين، فضمها العاشق إلى نفسه، وتبادلا قبلات فيها شغف ولهفة، وفيها، وجد وجنين، وإذ ذاك صدرت في الحال همهمة مروعة، من أجواف الأوثان، أخرجت العاشق من لذة القبل، فغضب، وسب الأصنام ولعنها، فلما أصبح الحجاج وجدوهما صنمين على صورتهما من العقيق الأحمر، فعدت قريش مسخهما فضلاً من الآلهة ورحمة، واحتفلت خزاعة بهما، ونصبتهم للعبادة في أرفع مكان بالكعبة، وكانت تتقرب إلى عبادتهما بالهدايا والقرابين، وتنحر عندهما، وكلما حجت العرب الكعبة تمسحت النساء بالصنم (نائلة) وتمسح الرجال بالصنم المعبود (أساف) وطافوا من حولهما.
وبالغت قريش في تقديسهما فأقامت لهما منحراً ينحرون فيه الهدايا من النوق العتاق، والشياه السمان، واختارت سدنتهما من مشايخها.
وكانت بنات (نائلة) السادنات يرسلن شعورهن، وينتظرن ظهورها على قارعة النخل مرة كل عام.
وكانت نائلة تظهر مرة كل عام في صورة شيطان، رائعة الجمال، مرسلة الشعر، يركض بها جواد أشهب، إلى مقر الكعبة، فإذا بلغتها اختفت، وسمع من الصنمين صوت القبلات المتبادلة، وربما يكون العربي الحاج في هذه الفترة على بعد ألف فرسخ من مقر زوجته أو أمه، فيشعر كأنه قد قبلها وقبلته. سليمان متولي في الكتب حياة نابليون تأليف الأستاذ حسن جلال يقول الإنجليز (لا ينجح مثل النجاح) وهذا ما أردده حين أتعرض للأستاذ حسن جلال، فقد أخرج من قبل كتابه (الثورة الفرنسية) فكان توفيقه باهراً، ثم طلع علينا أخيرا بكتابه (حياة نابليون) فكان بحق مثار الإعجاب والدهشة. نعم، الكتاب جدير بإعجابنا وتقديرنا، فها هي ذي كتب التاريخ الكبيرة بين أيدينا نقرؤها من غير شهية، وهذا في اعتقادي ناشئ من أن الكاتب لم تتشبع روحه بالموضوع ولم يهضم مادته هضماً يمكنه من جعل الحقائق غذاء سائغا لقرائه؛ وأستاذنا من هذه الناحية يحب تاريخ الثورة الفرنسية وعهد نابليون ويعجب به، ولعل الكثير من تلاميذه لا يزال يذكر مقدار توفيقه في تدريس هذه المادة، الحق أن الأستاذ بلغ في هذا منتهى ما يصل إليه الخيال من حدود التوفيق، ذلك لأنه كان يقبل على عمله بعاطفة، ولعل هذا يفسره إخراج هذين الكتابين. فإذا كان الأستاذ قد أحب هذه الصفحة من التاريخ الفرنسي، وصرف شطرا من عمره يبحثها وتشبعت روحه بها، فلا أقل من أن يضع بين يدي طلاب الثقافة عصارتها، ومن ثم كان الكتاب سهلاً سائغاً يحبه القارئ وتلذه قراءته.
ولا يفرغ منه إلا ليقرأه من جديد. هناك نقطة أخرى، هي الحقائق لا أكثر ولا أقل، يسود المؤلفون بها صحائف الكتب ويلقونها على تلاميذهم دون أن يحاولوا استخلاص الآراء التي تحتجب وراءها، أو بمعنى أخر دون أن يعلقوا عليها التعليق الذي يجعلها تفيض نضارة وحياة وقوة.
إلى هذا كله فطن الأستاذ حسن جلال، فلم يكن يهمه في كتابه أن يعلم القارئ أن مئات الحوادث قد وقعت، ولكن يهمه أن يصل بالقارئ إلى ظروف حدوثها وكيف كان يفكر أبطالها، ثم إلى أي حد كتب لهم التوفيق ولماذا أصابهم النجاح أو ضرب عليهم الفشل، ونرى في (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف يوجه القارئ بواسطة المعلومات التي ساقها في مهارة ولباقة فائقين، إلى سبل التطور وتتبعها، وتفهم الأصول الاجتماعية والسياسية والخلقية والعقلية والاقتصادية التي أحاطت بالعصر الذي عاش فيه نابليون.
أما مادة الكتاب فلم يكن الأستاذ مخترعاً لها، فالتاريخ إنما يستخلص من المراجع، ولكنا نجد بعض المؤلفين ينقلون صحائف برمتها من هذه المراجع، ثم يكتبون صحائف أخرى بأنفسهم، فلا نجد انسجاماً بين أجزاء الكتاب الواحد.
والقارئ لكتاب الأستاذ جلال يلمس مهارة المؤلف في اختيار مادة كتابه، ويلمس كذلك الترتيب المنطقي للمعلومات، وتبدو شخصية المؤلف الذارة وروحه الخفيفة قويتين بحيث لا نميز خلالهما روح مؤلف ممن رجع إليهم، كل هذا برغم أن الكتابة عن الأشخاص في نظري أبعد أنواع الكتابة التاريخية منالاً. وليس عجيباً أن يكون الأستاذ هادئاً بطبعه، ولكن العجيب أن يكون هادئاً حتى وهو يكتب هذه الحياة العاصفة، لا يميل مع الإنجليزي الذي يمثل نابليون أفعى نفثت سمومها، ولا مع الفرنسي الذي يصور الرجل من قادة البشر إلى الجريمة والإخاء والمساواة، بل يجلس الأستاذ بينهما مجلس القضاء. ومهارة الأستاذ في القصص، تفوق مهارته في التاريخ، فأنت حين تقرأ وصفه للقاء نابليون بجزفين بعد عودته من مصر، تنسى التاريخ وتنسى كل شيء إلا ذلك التصوير الرائع، ولكنك لا تكاد تنتهي منه حتى تصدمك عنوانات تاريخية جافة (حالة فرنسا في غياب بونابرت - انقلاب برومير - دستور 1799) فتوقظك من ذلك الحلم وتعيدك إلى حظيرة التاريخ مرة ثانية؛ ذلك نصادفه كثيرا في كتاب الأستاذ؛ فهل نعتبر الكتاب قصيدة منثورة أو نعتبره قطعة من التاريخ؟ أما رأيي فهو أن الكتاب تاريخ شعري، وما أحوج التاريخ إلى أن يكون سائغاً جميلاً، ولاسيما إذا تنبهنا إلى أن الأستاذ لم يكتب لنا مؤلفاً نضعه في عداد المراجع التاريخية، أو سفراً له قيمة السجلات الرسمية، ولكنه صاغ حلقة من سلسلة المعارف العامة التي تعنى لجنة التأليف والترجمة والنشر بوضعها بين أيدي طلاب الثقافة.
وآخر كلمة أقولها بعد أن قرأت (حياة نابليون) أن الأستاذ المؤلف قد عرض المؤرخين الذين ترجموا لهذا البطل صفاً صفاً، استملاهم جميعا فأفرغوا ما كان يملأ جعباتهم (من وحي الهوى وتصوير الإعجاب وإملاء المقت وصدى الحفيظة) ثم ناقشهم الحساب العسير حتى عرف البواعث التي أملت ما قالوا، وأخيراً قال كلمة العدالة التي عصبت عينيها، ورفعت الميزان في إحدى يديها، وأمسكت بالأخرى سلاحها، فكانت كلمته فصل الخطاب. عبد الفتاح السرنجاوي

شارك الخبر

المرئيات-١