أرشيف المقالات

الحرب في أسبوع

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
8 للأستاذ فوزي الشتوي البلقان تجتاز الحرب الآن فترة هدنة قصيرة، تنتظر فيها الأداة الحربية نتيجة المباحثات السياسية، فهي فترة صراع عقلي قاس، يتناول خريطة العالم بأجمعها، فالمباحثات السياسية دائرة في روما وبرلين وطوكيو ولندن وموسكو ووشنجطن، وتتناول موضوعاتها مستقبل الدول في العالم القديم والجديد. ولكن أبرز هذه المباحثات وأكثرها جذباً لأنظار العالم ما يدور حول البلقان، تلك البقعة التي تنبأ لها العالم قبل أن تنشب الحرب بأنها ستكون مسرح نضال عنيف؛ ودامت الحرب عشرة شهور والبلقان تترقب ما تكشف عنه الأيام والحوادث.
فهل تكشف الحوادث الأخيرة عن مصير (نصف دستة) من الدول؟ وهل ينتقل ميدان الحرب إليها أم تتولاها يد الاتفاقات السياسية بالبتر والترقيع؟ هذه أسئلة لا تسهل الإجابة عنها، فالسياسة تلد كل غريب، والمناورات الحربية تخلق المتناقضات، ولا نستطيع أن نجزم إذا كانت المناورات السياسية الحالية مناورات عسكرية يقصد بها شغل الرأي العام عن حركة عسكرية تعد، أم أنها مباحثات سياسية فعلاً؛ فالحرب الآن لا تقتصر على البندقية والمدفع ولكنها تمتد إلى الحالة المعنوية للشعوب. نصيب الأسد وعلى أية حال، فالبلقان الآن في كفه القدر، تتطاحن من أجلها دول أوربا الدكتاتورية علناً، وإن كانت تذيع في الوقت نفسه أنها متفقة كل الاتفاق، وقد تتفق سياسياً كما قالت الأنباء البرقية ولكنه سيكون اتفاق الإكراه، لأن الروسيا سواء اتفقت أم لم تتفق ستخرج من الغنيمة (بنصيب الأسد)، وستضطر إيطاليا إلى ابتلاع أمانيها والتخلي عن أطماعها التي طالما رددها موسوليني، وسترغم ألمانيا على نسيان وعودها.
فالموقف الآن غير ما كان من سنة، فقد رق الآن قناع ستالين وبانت من خلفه أنياب أقسى مما كان موسوليني وهتلر يظنان، وأصبح لروسيا وحدها تقرير مصير تلك الدول. أما إنجلترا فيبدو للناس أنها تتفرج، وربما كان هذا صحيحاً، فالانتظار في مثل هذه الأحوال أصلح من التسرع، لتكشف كل من هذه الدول عن نياتها، حتى يتاح لإنجلترا أن تعمل، وعندئذ تضرب ضربتها في الصميم؛ فقد تأخرت دول البلقان في العمل، وكما نادى ساسة الإنجليز باتحاد تلك الدول، ولكنها ظنت سلامها في الحياد وتمسكت به، إلى أن حانت اللحظة التي صار الحياد فيها انتحاراً، وأصبح اتحادها قليل القيمة، بعد زوال القوة العسكرية الفرنسية من الميدان، وبعدما فرغ الجيش الألماني من أعمال البرية، واستتب له الأمر في ميدان أوربا الغربي، فأصبح جزء كبير من وحداته مطلق السراح. وبرغم الأحداث الأخيرة ما زالت مصالح إنجلترا في البلقان راجحة، وما زالت تركيا واليونان مواليتين لها، ووقفت يوجوسلافيا صامتة. رنين النقود وما كادت الروسيا تستولي على بسارابيا وشمال بكوفينيا حتى هبت (بلغاريا) و (هنغاريا) تطالبان بنصيبهما؛ الأولى تطالب بترانسلفانيا، والثانية تطالب بدوبروجة؛ فقد صبرتا طويلاً وضحتها كثيراً، وهما في معاملاتهما تحدوهما غاية واحدة تنطبق على مثل بلغاري يقول: (إن أحب الموسيقى إليَّ هو رنين النقود التي تملأ كيسي) فهل ملأت معاملات ألمانيا مع هاتين الدولتين في الفترة الماضية كيسهما نقوداً؟ الحقيقة أن الفترة الماضية كانت فترة تضحية من جانب الدولتين، فكانتا تقدمان لألمانيا محصولات بلادهما مقابل بعض المنتجات الألمانية الناقصة أو القليلة القيمة، وكانتا ترسلان إليها المواد الغذائية وتستوردان مدافع تنقصها الذخيرة، وآلات كاتبة أو أدوات تصوير، فقد تحفظت ألمانيا في تسليح هاتين الدولتين حتى لا تكونا خطراً يهددها إذا حانت ساعة الفصل. وهاهما تان الآن تطالبان بالثمن، ولا شك أن الفترة الحالية أحسن فترة تتاح لهاتين الدولتين لمواجهة ألمانيا التي من مصلحتها أن يستقر السلام في مخزن مئونتها في البلقان، فرومانيا متأثرة بصدمة الروسيا وألمانيا تريد التفرغ لإنجلترا ولا تريد شغل نفسها في ميدانين، والروسيا متحفزة لتنفيذ خططها غير مقيدة باتفاق أو تعهد إلا مصلحتها الخاصة. وتنتهز الروسيا - كما شاهدنا حتى الآن - الفرص للعمل فتترك الدول تتطاحن حتى إذا قررت عملاً سبقتها إلى الحصول على ما تريد وتضعها أمام الأمر الواقع، وأهم أغراض الروسيا في البلقان أولاً: الاستيلاء على آبار البترول في رومانيا، وثانياً: الوصول إلى مضيقي البوسفور والدردنيل كما قلنا من قبل، ونجاحها في الحصول على هذه الأغراض رهن بالظروف التي تعدها الدول المتطاحنة. نصيب إيطاليا وانحط مركز إيطاليا في التطاحن الحالي، فبعد أن كان لها صوت مسموع ومركز محترم في البلقان أصبحت كلمتها ثانوية ومن قبيل الاستشارة فحسب، إذ أصبحت تابعة لهتلر تستمد من خططه خطهها، واضطرتها ظروف الحرب الحالية إلى الخضوع للخطط الألمانية خضوعاً تاماً. وقبل أن تنغمر إيطاليا في سياسة المحور كانت ذات أطماع كبيرة، ولم يكن استيلاؤها على ألبانيا إلا خطوة لاعتبارها هي من دول البلقان، فمن ألبانيا فتح أمامها الطريق إلى بلاد اليونان ويوجوسلافيا، فضلاً عن أنها أتمت سيطرتها على بحر الأديارتيك ووضعت منافذ يوجوسلافيا البحرية تحت سطلتها، فإن مضيق أترنتو لا يتجاوز طوله40 ميلاً يسهل أقفاله بالألغام أو السيطرة على منبع مائه بالمدافع الساحلية. ويرجع اهتمام إيطاليا بالبلقان على ما قبل الحرب الماضية، فكانت المنافسة بينها وبين الإمبراطورية على أشدها في البلقان وخصوصاً في ألبانيا؛ فأنشأت كل منهما عدة مدارس لنشر ثقافتها في تلك البلاد، وكانتا تتنافسان في جذب الطلبة إلى معاهدهما فتقدمان لهما الملابس والغذاء مجاناً، وكانت كل منهما تحرص على عدم إغضاب الطلبة وتوقيع العقوبة القاسية عليهم حتى لا ينتقلوا إلى مدارس الأخرى. ولسياسة إيطاليا القديمة يفضلها البلقانيون على ألمانيا ولكن ضعف إيطاليا الحالي واعتمادها على ألمانيا دفعا بالدول البلقانية إلى الارتماء في أحضان ألمانيا لحمايتهم من أطماع الروسيين. ولا نستطيع أن نجزم الآن بما سينتج من المحادثات الدبلوماسية التي تدور الآن، ولكنه من الواضح أن الدولتين اللتين تسعيان لسيطرتهما على دول البلقان هما الروسيا وألمانيا، فرومانيا تستغيث بألمانيا وتقدم لها فروض الطاعة، وتسير لها التجارة أملاً في حمايتها، ولإيجاد مصالح قوية تحتم على ألمانيا الدفاع عنها. ولا نعتقد أن أنباء الاتفاق الأخير بين رومانيا من ناحية والمجر وبلغاريا من الناحية الأخرى على إعطاء الدولتين الأخيرتين بعض ما تطمعان فيه في رومانيا اتفاقاً نهائياً، فهو كما يبدو لنا مجرد تهدئة أعصاب لا يلبث أن يمحى عندما تضع الحرب أوزارها، لأن معناه أن تخرج ألمانيا من البلقان صفر اليدين وهذا ما لا ترضاه، إذ من الراجح أن تكون يوجوسلافيا من نصيب إيطاليا بحكم قربها منها ولطول سواحلها على بحر الإدرياتيك مما يهدد سيادة إيطاليا البحرية في الصميم؛ والغالب أن تنقض ألمانيا هذه الاتفاقات عندما تسنح لها الفرصة لتحقق أطماعها في البلقان سواء بالسيطرة التجارية أو العسكرية. فرنسا تعتنق الهتلرية نعم فرنسا التي كانت تدين منذ عهد الثورة الفرنسية بمبادئ الحرية والمساواة والإخاء، تقبر الآن الحرية والمساواة والإخاء لتقلد الهتلرية، فينادي قادتها بالديكتاتورية ويدعون إلى ترك المبادئ التي طالما كانت تضئ للعالم سبل المدينة والتقدم، لترجع إلى مبادئ القبيلة، لتقدس الأسرة بعدما كانت تقدس العالمية، وتعمل للفرد بعدما كانت تعمل للعالم، فتنكمش مثلها العليا من التعميم إلى التخصيص، وتنحصر أفكارها فبعد ما كانت تقود العالم بآراء مفكريها، ومبادئ أهلها، تزول عنها الصبغة الدولية لتحل محلها صبغة الأسرة. وسبقتها ألمانيا في هذا السبيل من قبل، وفي مثل ظروف الهزيمة واليأس التي تعانيها فرنسا الآن، ولكن ألمانيا في عهد غليوم الثاني كانت أقرب إلى الدكتاتورية منها إلى الديمقراطية؛ تكونت في عهد ولهلم الأول وبسمارك دولة حديثة العهد لم تتم وحدتها إلا بعد حرب الأمم، فلم يتعاقب على وحدتها جيلان حينما حلت بها كارثة الحرب العظمى، ولم يشعر أهلها حتى ذلك الوقت بثقل وطأة النظام الفردي، فلم يقدموا المبادئ الديمقراطية ما قدمت فرنسا من ضحايا، ولم يحطموا من مظاهر الظلم والجور ما حطم الفرنسيون في سجن الباستيل، ولم تمر بهم خطوات التقلب من الملكية المطلقة، إلى حكومة الإدارة، إلى الإمبراطورية إلى الجمهورية. لم تتقلب ألمانيا المتحدة في تجارب أنوع الحكم من جمهورية وإمبراطورية كما تقلبت فرنسا، فلم يتول حكم ألمانيا إلا عاهلان فتيسر لو لهلم الأول بناء وحدتها، وجاء غليوم الثاني فكان نكبة عليها، وظل الاتحاد الجرماني طول عهده بالحياة في ظل الحرب وللاحتفاظ بالوحدة، ولم يفكر أهله تفكيراً جدياً في نظام الحكم الملائم. تقليد غير موفق فهل ينطبق هذا على فرنسا التي عاشت القرون الطويلة متحدة تجرب ألوان الحكم من فردية مطلقة، إلى فردية مقيدة، إلى حكومة شعبية؟ وهل يستطيع الفرنسي أن ينزع من قلبه حب الحرية ليعيش مقيد الحرية، محصور التفكير، تعد عليه أنفاسه وتفرض عليه تصرفاته كما يريد هتلر ونصيره بتان؟ كلا.
إن حب الحرية في دم كل فرنسي، فإذا شغلته النكبة الحالية عن مبادئه، فلن يلبث أن يعود إلى رشده ويذكر حريته عندما تستقر الحال، فالصدمة الحالية لن تسلب الفرنسي الحقوق التي سطرها بدمه، فهو الآن في نوبة من الغيبوبة التي تزول عندما تزول الصدمة. وهذه المظاهر التي أعلنها المارشال بتان إنما هي تقليد أعمى يخالف الثقافة الفرنسية، ويتنافر مع طريقة المعيشة الفرنسية، ولعل الدافع للمارشال بتان على هذا التقليد ما يراه من تشابه بين حال فرنسا الآن وحال ألمانيا عقب الحرب الكبرى، من انهيار استقلال أمته وتغير أقيسة المعيشة فيها؛ فإذا كانت هذه نظرته، فقد فاته ما بين الشعبين من اختلاف في التقدير والحالة العامة. فقد خرجت ألمانيا من الحرب الكبرى بعد نضال دام أربع سنوات أكل الأخضر واليابس؛ فأنهكت موارد البلاد حتى عم الجوع وتضخم النقد حتى فقد قيمته الشرائية، وأصبحت ألمانيا في حالة إفلاس، وانتشرت البطالة والشيوعية بين الشعب، فلم يجد الناس عملاً يكتسبون الرزق من ورائه، وظهرت الفتن والثورات. تشغيل العاطلين في هذه الظروف برز هتلر فوزع الوعود ما وسعه الكلام، وما سمحت به الاستعارات؛ وكان الشعب في حالة اضطراب، لا يصدق أنه خسر الحرب بعدما بذل من جهد ومال، فقال لهم: ما جذبهم إليه إذ اتهم اليهود بأنهم سبب خسارة الحرب بما نسجوا من دسائس ومؤامرات. وزاد على ذلك أن استدرج الشعب فجعل من حزبه مكتباً لتشغيل العاطلين، وعلى هذا الأساس بنى حزبه، متوسلاً إلى تحقيق برنامجه باضطهاد اليهود وفصلهم وإحلال الألمان محلهم، وبتكوين فرق مقاتلة تحمي المصانع الكبيرة من جهة، وتكره أصحاب الأعمال على إطاعته من جهة ثانية. فهل هذه حال فرنسا الآن؟ هل عمت البطالة فرنسا وانهار نقدها وجاع أهلها؟ إن فترة الحرب كانت قصيرة فلم تمهد لهذه الأحداث؛ وفرنسا دولة قليلة السكان لم يشك أهلها كما شكى العالم من أزمة البطالة الحادة في السنوات الماضية. استقرار الحكم فليس للشعب الفرنسي من الأسباب ما يدفعه إلى كره مبادئه والسخط عليها، وإذا كانت هناك أخطاء فهي أخطاء القادة من أمثال بتان؛ أضف إلى ذلك أن نصر ألمانيا لم يتم، وما زالت إنجلترا في الميدان، وما زال دي جول يمثل الشعب الفرنسي، وفي نصر إنجلترا خلاص فرنسا من كارثتها الحالية. فتجربة بيتان تجربة وقتية لن تلبث أن تزول، لأنها لا تقوم على أسس صحيحة، ولم يبلغ يأس الشعب الفرنسي حده ليترك مبادئه السامية ويشايع الهتلرية؛ وإن كانت هناك أخطاء في عدم استقرار الحكم. فليحاول هتلر أن يقلب رجال الحكم ويضع مكانهم رجالاً نازيين، وليحاول بيتان أن يجاريه في تنفيذ هذه السياسة ما وسعته المجاراة فإن فرنسا لم تصدم الصدمات التي تنسي شعبها حبه للحرية والمبادئ التي ضحى من أجلها. فوزي الشتوي بكالوريوس في الصحافة

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢