أرشيف المقالات

الحرب في أسبوع

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ فوزي الشتوي مفاجأة.

ولكن كانت أبرز حوادث الأسبوع الماضي حادثة تسليم الجيش البلجيكي بأمر ملكه.
وكانت الحادثة مفاجأة لم يتوقعها العالم، بل لم تدر قيادة جيوش فرنسا وإنجلترا من أمرها شيئاً.
فهي مفاجأة لم يقل وقعها على نفوس القراء من المفاجآت الهتلرية.
واختلفت الناس في تقديرها، فمن قائل إنها نوبة يأس استولت على الملك ليوبولد في ساعة فزع واضطراب أعصاب، ولا سيما بعد ما والى الجيش الألماني هجومه في الليل، فلم يخلد إلى الراحة كالمعتاد.
ومن قائل إنها خيانة صريحة ارتكبها الملك بالاتفاق مع الألمان. ومن فريق ثالث يقول: كانت خطوة متوقعه سار فيها الملك ليوبولد الثالث على مثال قرار قيادة الجيش الهولندي عندما أمرت جيوشها بوضع السلاح وليس لنا أن تقرر الدوافع لهذه الخطوة، فعلمها كما قال المستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانية عند الملك وحده، ولا يجدر بنا الحكم على فعلته الآن، ولكن هذه الخطوة ترينا ظاهرتين مختلفتين في أخلاق شعبين عظيمين.
فبينما الشعب الفرنسي يقابلها بمرارة وغضب ظهرا في حديث المسيو رينو، قابلها الشعب البريطاني ببرود وثبات ظهر في حديث رئيس الوزارة البريطانية والبرود والثبات في قيادة الجيوش من أكبر وسائل تحقيق النصر، فهما خلتان كبيرتان للاحتفاظ بالعقل والمنطق.
وأذكر أن الجنرال فرانش قائد الجيوش البريطانية في فرنسا سنة 1914 لم يجد كلمة يمدح بها أحد قواده في أحد المعارك ابغ من أنه كان مثال البرود والسكينة في تلقي الأنباء وإصدار الأوامر بين تسليمين ويختلف موقف تسليم الجيوش البلجيكية الآن عن تسليم الجيوش الهولندية اختلافاً بيناً.
فقد كان الجيش الهولندي يقاتل وحده ولا تحتل معه قوات الحلفاء مواقع تشد أزره أو يشد أزرها.
ولم تكن المعركة حامية لم يقرر مصيرها بعد هي الحال مع جيوش الحلفاء الشمال.
ولم يكن قرار هولندا لا يؤثر إلا على موقف جيوشها وحدها، وهذا أمر لهم وحدهم حق تقريره.
بينما انسحاب القوات البلجيكية من مواقعها قد أخلى ثغرات واسعة في صفوف القوات المتحالفة. فإذا عرفنا أن من تقاليد الجيوش البريطانية والفرنسية ألا تلقي السلاح تبين لنا مقدار الخطأ الفادح الذي جره إلقاء الجيش البلجيكي لسلاحه.
وإذا كان ثمة خطأ يسند إلى الملك ليوبولد، فلأنه لم ينذر قيادة الحلفاء بالخطوة التي اعتزمها لتتخذ من التدابير ما يربأ الصدع الذي يحدثه انسحاب قواته. بين المساء والصباح أضعف إلى ذلك ما وافتنا به تلغرافات صباح يوم الثلاثاء من أنباء تهلل لها وجه الناس بالبشر والأمل، فقد وصلت جيوش الحلفاء إلى بابوم، وهي تقع في منتصف النتوء الألماني بين حوض نهر السوم ومدينة أراس.
ومعنى هذا أن جيوش الحلفاء تمكنت من الضغط على رقبة النتوء الألماني الممتد من هذا المكان إلى سواحل البحر.
ولو تيسر لها أن تصل خطوطها بين جيشي الشمال والجنوب من هذه الناحية لسهل عليها أن تحصر هذه القوات وتعزلها عن قواعد تموينها، وبالتالي تقض عليها قضاء مبرماً. وذهب بعض الناس إلى أن هذه الخطوة معناها انتصار الحلفاء وبدء الخاتمة.
فقد سحبت ألمانيا كثيراً من قواتها من خط سيجفويد ومن على الحدود السويسرية لتعزيز أماكنها كما أيدت مواقعها بقوات ميكانيكية هائلة هي في الواقع صفوة القوات الألمانية التي أعدت الخطيرة الحاسمة.
ويدلنا هذا على أن احتياطي القوات الهتلرية قد نفذ فاعتمدت على قوات رئيسية وقد رأيت كثيراً من الناس يضعون دبابيس كبيرة في هذا الموضع ويضغطونها بشدة على خرطهم كأنها مسامير توضع في نعش الجيش الألماني، ثم يوصلونها بمواقع الحلفاء بخيوط خضراء رمزاً للسلام يسود العالم.
ولكن ما كادت تلغرافات الصباح تصل بنبأ تسليم الجيش البلجيكي حتى وجم محررو الجرائد، ووقفوا أمام خرطهم مترددين أين يضعون دبابيسهم، وكيف يفهمون الموقف على ضوء الحوادث الأخيرة وأنعش خطاب المستر تشرشل وتصريحات وزراء بلجيكا كثيراً من الأفئدة فعادت لها ثقتها بالنصر.
وإن كان كثيرون قد قدروا أن يطول أمد الحرب.
بل قال عضهم إنه خير يأتي من الشر، فتتركز قوات الحلفاء في فرنسا ويستقر القتال في ميدان واحد بدل تشعبه في عدة ميادين، وتقل خطوط مواصلات الحلفاء، وتعود الحرب إلى جبهة واحدة بدل جبهتين فقد كانت بلجيكا عبثاً على الحلفاء. سياستان وإذا قارنا بين الحرب الحالية والحرب الماضية وجدنا وجوه الشبه في أسسها واحدة.
فألمانيا تبدأ الحرب بقوة هائلة تضعف على مر الأيام تبعاً لقلة مواردها واستعداها، بينما يبدأ الحلفاء حربهم بقوات قليلة تكبر كلما طال بها الأمد.
فخلف إنجلترا وفرنسا إمبراطوريتان واسعتان تقدمان لهما الإمداد الذي تصقله الأيام وتزيد إنتاجه فقد بدأت ألمانيا استعدادها لهذه الحرب منذ تولي هتلر الحكم سنة 1933.
فأخضع جميع موارد ألمانيا لهذه اللحظة.
بينما بدأ الحلفاء استعدادهم من سنة 1938.
واتخذت الخطوات الحاسمة لهذا الاستعداد في الأسبوع الماضي عند ما وضعت الأفراد والمصالح رهن الاستعداد العسكري.
ولعل البعض يرى في هذه الحركة تمهلاً من الخلفاء.
إلا أن من يدرس مشروعاتهم واستعدادهم وسياستهم لرفاهية شعوبهم يقدر خطورة هذه الخطوة الأخيرة ومدى ما تدره على الأداة الحربية من تحسين فالحلفاء يضعون خططهم ويعدونها لوقت الحاجة حتى إذا احتاج إليها الأمر نفذت في الحال.
ولو عدنا بالذاكرة إلى بدء اشتعال الحرب، وشاهدنا ما فعله الحلفاء في تنظيم وزارة الحرب الاقتصادية عندما نفذ الحصر البحري رأينا مدى دقتهم في وضع مشروعاتهم. ففي 24 ساعة كان الحصر البحري على ألمانيا نافذاً، وفي 24 ساعة تقدم ممثلو إنجلترا السياسيين إلى الدول المحايدة بقوائم تبين حاجة كل منهم من الخامات المسموح لها بالمرور من الحصر البحري والتي لا تترك لهم فائضاً يمكن لألمانيا أن تعتمد عليه.
لو رجعنا إلى هذه الحوادث استطعنا أن ندرك كيف يسير المشروع الجديد وكيف يدعم إعداد الحلفاء العسكري. كيف تساعدهم ولا تفوتنا أن نذكر في هذا السبيل الولايات المتحدة وما تعده لتموين الخلفاء.
فإن الخطوات التي اتخذت حتى الآن لا تتجاوز أن تكون مناضلة لإقرار مبدأ المساعدة وعلى أية صورة يكون.
وقد ينتهي بدخولهم الحرب بقوات حربية، وليس بعتاد حربي فقط.
وهي لم تقدم إلى الحلفاء مساعدة جدية حتى الآن بل أن مصانعها تستعد لمواجهة الحالة، ولم يتعد إمدادها عدداً قليلاً من الطائرات.
ومن يعرف براعة الأمريكيين في تنظيم أعمالهم، وتشغيل مصانعهم لإنتاج كميات وفيرة، يدرك مدى السيل الذي يصل إلى الحلفاء كل فترة قصيرة والغالب أن يستقر الموقف الحالي في البلجيك على شيئين: فأما أن ينسحب الحلفاء ويخلوا البلجيك وينقلوا قواتهم إلى فرنسا عن طريق البحر، وإما أن يستقروا في هذا الميدان بعد أن يمدوا قواتهم هناك بقوات جديدة على أن تكون صلاتهم عن طريق البحر.
واعتقد من سير الأمور حتى كتابة هذه السطور أن الحلفاء ينسحبون من بلجيكا ويحولون ضرباتهم من فرنسا حيث أعدوا خطوط قتال قوية تسهل عليهم الاحتفاظ بمراكزهم إلى أن تتحطم ألمانيا اقتصادياً أو عسكرياً. الخطوة التالية أما في الميدان فإن جنود الحلفاء في حالة حسنة وفي موقف عسكري قوي يعملون على تطهيره من القوات المعادية.
ولا يمكننا أن نجرم بخطوة ألمانيا التالية بعد استقرارها في الميدان الشمالي في البلجيك: هل تهاجم الجبهة الفرنسوية الشمالية الممتدة على نهر السوم إلى لونجوي؟ أم تهاجم فرنسا باحتراق حدود سويسرا؟ أم تتجه اتجاهاً آخر للاستيلاء على موارد جديدة بالهجوم على البلقان؟ فالواضح من الاستقرار الأخير في جبهة فرنسا الشمالية أن قتالها يطول وهذا مالا تحتمله الموارد الألمانية.
فإذا هاجمت فرنسا باختراق سويسرا عن طريق مقاطعة بازل فلا ينتظر أن تصيب فيها من التقدم ما أصابته في بلجيكا، لأن الحلفاء لن يلدغوا من حجر مرتين.
أما في البلقان فقد أعلنت الروسيا حرصها على الاحتفاظ بالحالة الراهنة هناك وإلا فإنها تحارب المعتدي.
ولهذه فينتظر أن ترى فترة هدوء ونضال سياسي لتحويلها عن رأيها، وإن كنت أعتقد أنه ليس من مصلحة ألمانيا أن تشتبك في جبهتين كما قلت في مقالي السابق. فوزي الشتوي بكالوريوس في الصحافة

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢