أرشيف المقالات

شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان (2)

مدة قراءة المادة : 86 دقائق .
2شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان (2)
الركن الثاني: إقام الصلاة: الصلاة سُمِّيت صلاة؛ لأنها صلة بين العبد وبين الله، فإن الإنسان إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه ويحاوره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، قال: مجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».   فتأمل؛ محاورةً ومناجاةً بين الإنسان وبين ربه، ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه، تجده يتجوَّل يمينًا وشمالًا، مع أنه يناجي من يعلم ما في الصدور عز وجل؛ وهذا من جهلنا وغفلتنا.   فالواجب علينا - و نسأل الله أن يُعيننا عليه - أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرأ ذمتنا، وحتى ننتفع بها؛لأن الفوائد المترتبة على الصلاة إنما تكون على صلاة كاملة؛ ولهذا كلنا يقرأ قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارًا لمنكر، أو عرفًا لمعروف زائدًا عما سبق حين دخوله في الصلاة؛ يعني: لا يتحرك القلب ولا يستفيد؛ لأن الصلاة ناقصة، هذه الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.   وقد فرضها الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى الرسول، وفرضها عليه في أعلى مكان وَصَلَه بَشَر، وفرضها عليه في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، وفَرَضَها عليه خمسين صلاة في اليوم؛ فهذه أربعة أمور: أولًا: لم يكن فَرْضُها كفرض الزكاة والصيام والحج، بل هو من الله تعالى مباشرة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.   ثانيًا: من ناحية المكان فهو في أعلى مكان وصل إليه البشر، لم تُفرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأرض.   ثالثًا: من ناحية الزمان في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي ليلة المعراج.   رابعًا: في الكمية لم تفرض صلاة واحدة، بل خمسون صلاة، مما يدل على محبة الله لها، وأنه يحب من عبده أن يكون مشغولًا بها، ولكن الله جعل لكل شيء سببًا؛ لما نزل الرسول عليه الصلاة والسلام مُسَلِّمًا لأمر الله قانعًا بفريضة الله، ومر بموسى عليه الصلاة والسلام، وسأله موسى: ماذا فرض الله على أمتك؟ قال: «خمسين صلاة في اليوم والليلة»، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك؛ إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، اذهب إلى ربك واسأله أن يخفف على أمتك.
وهذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري، فذهب إلى الله، وجعل يتردد بين موسى عليه الصلاة والسلام وبين الله عز وجل حتى جعلها الله خمسًا، لكن الله بمنه وكرمه - له الحمد والفضل - قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من باب قَبِيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من باب قَبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلًا، فهذه خمس صلوات عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الحسنة بعشر أمثالها؛ لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكن هذه خاصة، صلِّ خمس كأنما صليت خمسين صلاة، قال: هي خمس في الفعل وخمسون في الميزان، وهذا يدل على عِظَم هذه الصلوات؛ ولهذا فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده في اليوم والليلة خمس مرات لابد منها، لابد أن تكون مع الله خمس مرات تناجيه في اليوم والليلة.   لو أن أحدًا من الناس حصل له مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعُدَّ ذلك من مناقبه ولفرحَ بذلك وقال: كل يوم أجالس الملك خمس مرات، فأنت تناجي ملك الملوك عز وجل في اليوم خمس مرات على الأقل، فلماذا لاتفرح بهذا؟ احمد الله على هذه النعمة وأقم الصلاة.   وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وتقيمَ الصَّلاة»؛ يعني: تأتي بها قويمة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها.   فمن أهم شروطها: الوقت: لقول الله سبحانه: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].   وإذا كانت الصلوات خمسًا فأوقاتها خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة لأهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع؛ فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتًا واحدًا إذا جاز الجمع، والمغرب والعشاء يكون وقتاهما وقتًا واحدًا إذا جاز الجمع، هذان وقتان، والفجر وقت واحد؛ ولهذا فصلها الله عز وجل: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر ﴾ [الإسراء: 78]، ولم يقل: لدلوك الشمس إلى طلوع الفجر! بل قال: ﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾؛ وغسق الليل يكون عند منتصفه؛ لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل؛ لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف؛ ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي: 1- الفجر: من طلوع الفجر الثاني - وهو البياض المعترض في الأفق - إلى أن تطلع الشمس.   وهنا أنبه فأقول: إن تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في أذان الفجر على مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر أنه صلى قبل الوقت، وهذا شيء اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه أيضًا في الرؤية؛ فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر؛ لأنه مقدم، وهذه مسألة خطيرة جدًّا، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك وما صارت فريضة.   وقد حدثني أناس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار، أنهم لا يشاهدون الفجر إلا بعد هذا التقويم بثلث ساعة؛ أي: عشرين دقيقة أو ربع ساعة أحيانًا، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق.   على كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني - وهو البياض المعترض - إلى طلوع الشمس.   2- الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، لكن بعد أن تخصم ظل الزوال؛ لأن الشمس خصوصًا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة، بل العبرة أنك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا بدأ يزيد أدنى زيادة فإن الشمس قد زالت، فاجعل علامةً على ابتداء زيادة الظل؛ فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.   3- ووقت العصر: إلى أن تصفر الشمس، والضرورة إلى غروبها.   4- ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يختلف؛ أحيانًا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع، وأحيانًا يكون ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة؛ و لذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا بأس به، واحدة ونصف (30، 1) غروبي.   5- وقت العشاء: من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل؛ بمعنى أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه؛ فالنصف هو منتهى صلاة العشاء.   ويترتب على هذا فائدة عظيمة: لو طهرت المرأة من الحيض في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب؛ لأنها طهرت بعد الوقت، وقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل».   وليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدًا؛ ولهذا فإن القول الراجح إلى نصف الليل، والآية الكريمة تدل على هذا؛ لأنه فَصَل الفجر عن الأوقات الأربعة؛ ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾؛ أي: زوالها، ﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾؛ جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل؛ فمن ساعة خروج الظهر يدخل العصر، ومن ساعة خروج العصر يدخل المغرب، ومن ساعة خروج المغرب يدخل العشاء، أما الفجر فقال:﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]، فالفجر لا تتصل بصلاة، لا قبلها ولا بعدها؛ لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر.   واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تُقبل حتى ولو كبَّر المصلي تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة، فإنها لا تقبل على أنها فريضة؛ لأن الشيء الموقت بوقت لا يصح قبل وقته؛ كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان، كذلك لو كبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت فإن الصلاة لا تقبل منه على أنها فريضة، لكن إن كان جاهلًا لا يدري، صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة.   أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين: أ- إما أن يكون معذورًا بجهل، أو نسيان، أو نوم، فهذا تُقبل منه. ♦ الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شيء عليه، فإنه يصلي الصلاة متى علم وتُقبل منه؛ لأنه معذور.   ♦ النسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت، فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت.   ♦ والنوم كذلك، فلو أن شخصًا نام على أنه سيقوم عند الأذان، ولكن صار نومه ثقيلًا فلم يسمع الأذان، ولم يسمع المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت، فإنه يصلي إذا استيقظ، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».   ب- فأما الحالة الثانية: فأن يؤخر الصلاة عن وقتها عمدًا بدون عذر، فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصٍ لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.   وقال بعض العلماء: إنه يكفر بذلك كفرًا مخرجًا عن الملة، نسأل الله العافية، فالعلماء متفقون على أنه إذا أخَّرَ الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنه آثم عاص، ولكن منهم من قال: إنه يكفر، ولكن الجمهور - وهو الصحيح - أنه لا يكفر، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال؛ يعني: بعد أن أخرجها عن وقتها عمدًا بلا عذر ثم صلى، فمنهم من قال: إنها تقبل - أي: صلاته - لأنه عاد إلى رشده وصوابه، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك؛ ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمدًا ولو صلى ألف مرة؛ وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»؛ يعني: مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردودًا فلن يقبل، وهذا الذي أخرج الصلاة عمدًا عن وقتها إذا صلاها فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله، فلا تُقبل منه.   و أما المعذور فهو معذور؛ ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لاتقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله ويستقيم، ويكثر من العمل الصالح والاستغفار؛ ومن تاب تاب الله عليه.   الشرط الثاني من إقام الصلاة: الطهارة، فإنه لا تُقبل صلاة بغير طهور؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تُقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».   فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة على الوجه الذي أُمر به، فإن أحدث حدثًا أصغر؛ مثل البول والغائط والريح والنوم وأكل لحم الإبل فإنه يتوضأ.   وفروض الوضوء كما يلي: غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ [المائدة:6]؛ ومن الرأس: الأذنان، ومن الوجه: المضمضة والاستنشاق في الفم والأنف، فلابد في الوضوء من تطهير هذه الأعضاء الأربعة، غُسْلٌ في ثلاثة ومسح في واحد.   وأما الاستنجاء، أو الاستجمار: فهو إزالة النجاسة، ولا علاقة له بالوضوء، فلو أن الإنسان بال أو تغوَّط واستنجى ثم ذهب لشغله، ثم دخل الوقت، فإنه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجة إلى أن يستنجي؛ لأن الاستنجاء إزالة نجاسة، متى أُزيلت فإنه لا يعاد الغسل مرة ثانية، إلا إذا رجعت مرة ثانية.   والصحيح: أنه لو نسي أن يستجمر استجمارًا شرعيًّا ثم توضأ، فإن وضوءه صحيح؛ لأنه ليس هناك علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء. أما إذا كان محدثًا حدثًا أكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل، فيعمم جميع بدنه بالماء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة: 6]، ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما داخلان في الوجه، فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية، والغسل الواجب الذي يكفي أن تعم جميع بدنك بالماء، سواء بدأت بالرأس أو بالصدر أو بالظهر أو بأسفل البدن، أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل.   والوضوء في الغسل سنة وليس بواجب، ويُسن أن يتوضأ قبل أن يغتسل، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية؛ لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بعد اغتساله؛ فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضًا يخشى من استعمال الماء، أو كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء، فإنه يتيمم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6]؛ فبيَّن الله حال السفر والمرض أنه يتيمم فيهما إذا لم يجد الماء في السفر.   أما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فأجنبَ، فتيمَّم وصلى بأصحابه إمامًا، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟ قال: نعم يا رسول الله ذكرت قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، وخفت البرد فتيممت صعيدًا طيبًا فصلَّيت.   فأقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يأمره بالإعادة؛ لأن من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالبًا أو قاطعًا، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء.   واعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم، فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فإنه لابد أن يتطهر بالماء؛ لأن الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عُدم الماء.   وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم - أو قال طهور المسلم - وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرَتُه فإن ذلك خير».   وفي «صحيح البخاري» من حديث عمران بن حصين الطويل، في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصلِّ مع النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: «ما منعك أن تصلي معنا؟»، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك»، ثم حضر الماء، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ماءً وقال: «أفرغه على نفسك»؛ أي: اغتسل به.   فدل هذا على أنه إذا وُجد الماء بطل التيمم، وهذه - ولله الحمد - قاعدة حتى عند العامة، يقولون: إذا حضر الماء بطل التيمم.   أما إذا لم يحضر الماء ولم يَزُل العذر، فإنه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر وليس عنده ماء وتيمم لصلاة الظهر مثلًا، وبقي لم يحدث إلى العشاء فإنه لا يلزمه إعادة التيمم، لأن التيمم لايبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية؛ كما قال الله في القران الكريم: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ْ ﴾ [المائدة: 6]؛ فبيَّن الله أن طهارة التيمم طهارة.   وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»؛ بفتح الطاء؛ أي: أنها تُطهِّر: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ».   وفي حديث آخر: «فعنده مسجده و طهوره»، يعني: فليتطهر وليصلِّ.
هذا من الأشياء المهمة في إقامة الصلاة: المحافظة على الطهارة.
واعلم أن من المحافظة على الطهارة: إزالة النجاسة من ثوبك وبدنك، ومصلاك الذي تصلي عليه.
فلابد من الطهارة في هذه المواضع الثلاث: البدن، والثوب، والمصلى.   1- أما الثوب فدليله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يصلِّين في ثيابهن وهن يحضن بهذه الثياب أن تُزيل المرأة الدم الذي أصابها من الحيض من ثوبها، تحكُّه بظفرها ثم تقرصه بأصبعيها الإبهام والسبابة ثم تغسله.   ولما صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعاله خلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما سلَّم سألهم لماذا خلعوا نعالهم، قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا»؛ فدل هذا على أنه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.   2- أما المكان: فدليله أن أعرابيًّا جاء فبال في طائفة من المسجد؛ أي: في طرف من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه أعرابي - والأعراب الغالب عليهم الجهل - فصاح به الناس وزجروه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته نهاهم، وقال: اتركوه، فلما قضى بوله دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القران»، فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمَّدًا ولا ترحم معنا أحدًا؛ لأن الصحابة زجروه، وأما النبي عليه الصلاة والسلام فكلَّمه بلطف، فظن أن الرحمة ضيقة لا تتسع للجميع، وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا.   ويُذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: «لقد حجَّرت واسعًا يا أخا العرب»، و أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يُصَبَّ على البول ذَنُوبٌ من ماء، مثل الدلو؛ لتطهر الأرض.   3- وأما طهارة البدن: فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله»، وفي رواية: «لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، والعياذ بالله.   فدل هذا على أنه لابد من التنزه من البول، وهكذا بقية النجاسات، ولكن لو فُرض أن الإنسان في البَرِّ وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به، فهل يتيمم من أجل صلاته في هذا الثوب؟ لا يتيمم، وكذلك لو أصاب بدنَه نجاسة؛ رِجله، أو يده، أو ساقه، أو ذراعه، وهو في البر وليس عنده ما يغسله، فإنه لا يتيمم؛ لأن التيمم إنما هو في طهارة الحدث فقط، أما النجاسة فلا يتيمم لها؛ لأن النجاسة عين قذرة تطهيرها بإزالتها، إن أمكن فذاك، وإن لم يمكن تبقى حتى يمكن إزالتها.
والله اعلم.   أحكام المسح على الخفين والجبيرة: سبق أن الطهارة تتعلق بأربعة أعضاء من البدن؛ وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فأما الوجه فيُغسل، وأما اليدان فتغسلان، وأما الرأس فيمسح، وأما الرجلان فتغسلان أو تمسحان؛ اثنان يغسلان، وواحد يمسح، وواحد يغسل أو يمسح.   أما الوجه فلا يمكن أن يمسح إلا إذا كان هناك جبيرة؛ أي: لزقة على جرح أو ما أشبه ذلك.   فلو أن إنسانًا غطَّى وجهه بشيء من سموم الشمس أو غيره فإنه لا يمسح عليه، بل يزيل الغطاء ويغسل الوجه؛ إلا إذا كان هناك ضرورة فإنه يمسح ما غطَّى به وجهه على سبيل البدل من الغسل، وأما اليدان فكذلك لا تمسحان، بل لا بد من غسلهما إلا إذا كان هناك ضرورة، مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء وجعل عليها لفافة، أو لبس قفازين من أجل أن لا يأتيهما الماء، فلا بأس أن يمسح مسح جبيرة للضرورة.   وأما الرأس فيُمسح، وطهارته أخف من غيره؛ ولهذا لو كان على رأس المرأة حنَّاء ملبَّد عليه، أو لبَّدَ المُحْرِمُ رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يمسح هذا الملبَّدَ ولا حاجة إلى أن يزيله.   أما الرِّجلان فتُغسلان وتُمسحان، ولهذا جاء القرآن الكريم على وجهين في قراءة قوله تعالى: ﴿ وَأَرْجُلِكُمْ ﴾ بالفتح والكسر؛ ففي قراءة ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ وفي قراءة ﴿ وَأَرْجُلِكُمْ ﴾.   أما قراءة الكسر ﴿ وَأَرْجُلِكُمْ ﴾؛ فهي عطفًا على قوله: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ ﴾؛ أي: وامسحوا بأرجلكم. وأما النصب ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾؛ فهي عطفًا على قوله تعالى: ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾؛ يعني: واغسلوا أرجلكم.   ولكن متى تُمسح الرجل؟ تُمسح الرجل إذا لبس عليها الإنسان جوارب أو خفين. الجوارب: ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه.   والخفان: ما كان من الجلد أو شبهه، فإنه يمسح عليهما، لكن بشروط أربعة. الشرط الأول: الطهارة؛ أي: طهارة الخفين أو الجوربين، فلو كانا من جلد نجس فإنه لا يصح المسح عليهما؛ لأن النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته وغسلته، أما إذا كانتا متنجستين، فمن المعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما، فلا يمسح عليهما.   الشرط الثاني: أن يلبسهما على طهارة بالماء؛ فإن لبسهما على تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ فلو أن شخصًا مسافرًا لبس الجوارب على طهارة تيمُّم ثم قدم البلد فإنه لا يمسح عليهما؛ لأنه لبسهما على طهارة تيمم، وطهارة التيمم إنما تتعلق بالوجه والكفين، ولا علاقة لها بالرجلين، وعلى هذا يكون الشرط مأخوذًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: «إني أدخلتهما طاهرتين».   الشرط الثالث: أن يكونا في الحدث الأصغر؛ أي: في الوضوء، أما الغسل فلا تُسمح فيه الخفان ولا الجوارب، بل لابد من خلعهما وغسل الرجلين، فلو كان على الإنسان جنابة فإنه لا يمكن أن يمسح على خفيه.   الشرط الرابع: أن يكون في المدة المحددة شرعًا: وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، تبتدئ من أول مرةِ مسحٍ بعد الحدث، أما ما قبل المسح الأول فلا يُحسب من المدة.   فلو فُرض أن شخصًا لبسها على طهارة في صباح اليوم الثلاثاء، وبقي إلى أن صلَّى العشاء في طهارته، ثم نام في ليلة الأربعاء، ولما قام لصلاة الفجر مسح، فيوم الثلاثاء لا يحسب عليه؛ لأنه قبل المسح، بل يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء؛ لأن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم.   وقال صفوان بن عسال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.   فالعبرة بالمسح لا باللبس، ولا بالحدث بعد اللبس.   فيتم المقيم يومًا وليلة؛ أي: أربعًا وعشرين ساعة، ويتم المسافر ثلاثة أيام بلياليهن؛ أي: اثنتين وسبعين ساعة، فإن مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة، فإنه يتمِّمُ مسحَ مسافر ثلاثة أيام.   مثلًا: لو لبس اليوم لصلاة الفجر ومسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد الظهر، فإنه يتمم ثلاثة أيام، يمسح ثلاثة أيام.   ولو كان بالعكس: مسح وهو مسافر ثم أقام، فإنه يتمم مسح مقيم؛ لأن العبرة بالنهاية لا بالبداية، العبرة في السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية.   وهذا هو الذي رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله، وكان بالأول يقول: إن الإنسان إذا مسح مقيمًا ثم سافر أتم مسح مقيم، ولكنه رجع عن هذه الرواية وقال: إنه يتمم مسح مسافر.   ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله؛ لأن الحق يجب أن يتَّبع، فمتى تبيَّن للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، فالإمام أحمد رحمه الله أحيانا يروى عنه في المسألة الواحدة أكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسألة واحدة، وهو رجل واحد، أحيانا يصرِّح بأنه رجع وأحيانًا لا يصرِّح، إن صرَّح بأنه رجع عن قوله الأول فإنه لا يجوز أن يُنسب إليه القول الذي رجع عنه، ولا يجوز أن ينسب له إلا مقيَّدا، فيقال: قال به أوَّلًا ثم رجع، أما إذا لم يصرح بالرجوع فإنه يجب أن تُحسب الأقوال كلها عنه، فيقال: له قولان، أو له ثلاث أقوال، أو أربعة أقوال.   والإمام أحمد تكثر الرواية عنه؛ لأنه أثري يأخذ بالآثار، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر على قول منها، لكن الآثار تتجدد، يُنقل له حديث اليوم، ويُنقل له حديث في اليوم الثاني، وهكذا.   واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو على طهارة فإنه لا تنتقض طهارته، لكن لو انتقضت فلا بدَّ من خلع الخفين وغسل القدمين، لكن مجرد تمام المدة لا ينقص الوضوء.   كذلك أيضًا إذا خلعها بعد المسح وهو على طهارة، فإنها لا تنتقض طهارته، بل يبقى على طهارته، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع.   والقاعدة في هذا حتى لا تشتبه: أنه متى نُزع الممسوح فإنه لا يعاد ليمسح، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا أراد الوضوء.   الشرط الثالث: استقبال القبلة: فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به؛ لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 150]؛ أي: جهته.   وكان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قِبَلَ وجهه، ولكن بعد ذلك ترقَّب أن الله سبحانه وتعالى يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلِّب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام، كما قال الله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلينَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة:144]؛ فأمره الله عز وجل أن يستقبل المسجد الحرام؛ أي: جهته.   إلا أنه يُستثنى من ذلك ثلاث مسائل: المسالة الأولى: إذا كان عاجزًا كمريض وجهه إلى غير القبلة، ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، وقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».   المسألة الثانية: إذا كان في شدة الخوف، كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من نار، أو هارب من واد يغرقه! المهم أنه في شدة خوف، فهنا يصلي حيث كان وجهه؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]، فإن قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ عام يشمل أي خوف، وقوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ على أنَّ أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه، ومن ذلك استقبال القبلة.   ويدل عليه أيضًا: ماسبق من الآيتين الكريمتين والحديث النبوي في أن الوجوب معلَّق بالاستطاعة.   المسألة الثالثة: في النافلة في السفر، سواء كان على طائرة، أو على سيارة، أو على بعير، فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل الوتر وصلاة الليل والضحى وما أشبه ذلك.   والمسافر ينبغي له أن يتنفَّل بجميع النوافل كالمقيم سواءً إلا في الرواتب، كراتبة الظهر والمغرب والعشاء، فالسنة تركها، وماعدا ذلك من النوافل فإنه باقٍ على مشروعيته للمسافر، كما هو مشروع للمقيم.   فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر على طائرته، أو على بعيره، أو على حماره، فليتنفَّلْ حيث كان وجهه؛ لأن ذلك هو الثابت في «الصحيحين» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.   فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة.   أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة، لكن إذا اجتهد وتحرَّى ثم تبيَّن له الخطأ بعد الاجتهاد، فإنه لا إعاده عليه، ولا نقول: إنه يسقط عنه الاستقبال، بل يجب عليه الاستقبال، ويتحرَّى بقدر استطاعته، فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبيَّن له الخطأ، فإنه لا يعيد صلاته؛ ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة، كانوا يُصلُّون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء، فجاءهم رجل فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه قرآن وأُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، فاستداروا، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا وبقوا في صلاتهم، وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إنكار له، فيكون ذلك مشروعًا.   فإذا أخطأ الإنسان في القبلة جاهلًا فإنه ليس عليه إعادة، ولكن إذا تبيَّن ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة.   فلو فُرِض أن إنسانًا شرع يصلي إلى غير القبلة يظن أنها القبلة، فجاءه إنسان وقال له: القبلة عن يمينك أو يسارك، وجب عليه أن يستدير على اليمين أو على اليسار دون أن يستأنف الصلاة؛ لأنه في الأول كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي فلا يبطل.   فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.   وهنا مسألة: يجب على من نزل على شخص ضيفًا و أراد أن يتنفَّل أن يسأل صاحب البيت عن القبلة، فإذا أخبره اتجه إليها؛ لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم، ويمنعه الحياء - وهو حياء في غير محله - عن السؤال عن القبلة.   فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف! لا يضر، فليقولوا ما يقولونه، بل اسأل عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت.   وأحيانًا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم أو الحياء، ويتجه بناءً على ظنه إلى جهة ما يتبيَّن له أنها ليست القبلة، وفي هذه الحال وجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأنه استند إلى غير مستند شرعي، والمستند إلى غير مستند شرعي لا تُقبل عبادته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».   الشرط الرابع: النيَّة: فإن الصلاة لا تصح إلا بنيَّة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث.   وقد دلَّت الآيات الكريمة على اعتبار النية في العبادات؛ مثل قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29]، وقال تعالى:﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه ﴾ [البقرة: 272]، والآيات في هذا كثيرة، وقال: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء: 100]،   فالنية شرط من شروط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهي في الحقيقة ليست بالأمر الصعب، كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلًا فإنه قد نواه، فلا تحتاج إلى تعب ولا على نُطقٍ؛ محلُّها القلب: «إنما الأعمال بالنيات».   ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بالنية، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقرَّه على ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح؛ لأنك كأنما تشاهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال: اللهم إني نويت أن أصلي.   وما أظرف قصة ذكرها لي بعض الناس عليه رحمة الله، قال لي: إن شخصًا في المسجد الحرام قديمًا أراد أن يصلي، فأقيمت الصلاة، فقال: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله تعالى خلف إمام المسجد الحرام، لَمَّا أراد أن يكبر، قال له الرجل إلى جواره: اصبر بقي عليك! قال: ما الباقي؟ قال له: قل: في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة، فتعجب الرجل!   والحقيقة أنه محل التعجب، هل أنت تُعْلِمُ الله عز وجل بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك، هل نعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، الله يعلم هذا.   فالنية محلها القلب.   ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام: نفل مطلق، ونفل معين، وفريضة. الفرائض خمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر، فماذا تريد أن تصلي؟ أتريد أن تصلي المغرب؟! لا، بل الفجر. جئت وكبرت وأنت ناوٍ الصلاة، لكن غاب عن ذهنك أنها الفجر.   وهناك مسألة: إذا جئت وكبرت، وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيرًا، لا سيما إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة؛ فمثلًا جئت وحضرت وكبرت ولكنك لم تستحضر أنك تريد الفجر؛ فهنا لا حاجة، ووقوع هذه الصلاة في وقتها دليل على أنه إنما أردت هذه الصلاة؛ ولهذا لو سألك أي واحد: هل أردت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء؟ لقال: أبدًا، ما أردت إلا الفجر.   إذاً لا حاجة إلى أن أنوي أنها الفجر، صحيح أنني إن نويتها الفجر أكمل، لكن أحيانًا يغيب عن الذهن التعيين، فنقول: يعينها الوقت.   إذًا الفرائض يكون تعيينها على وجهين: الوجه الأول: أن يعينها بعينها بقلبه أنه نوى الظهر مثلًا، وهذا واضح. الوجه الثاني: الوقت؛ فما دمت تصلي الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.   هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فُرض أن على إنسان صلوات مقضية؛ كما لو نام يومًا كاملًا عن الظهر والعصر والمغرب، فهنا إذا أراد أن يقضي لابد أن يعينها بعينها؛ لأنه لا وقت لها.   النوافل المعينة؛ مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب للصلوات الخمس، فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا باللسان، فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلًا وكبَّرت ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر، فهذا لا يصح؛ لأن الوتر نفل معين، والنوافل المعينة لابد أن تعيَّن بعينها.   أما النوافل المطلقة فلا تحتاج إلى نية إلا نية الصلاة؛ فإنه لا بد منها, مثل إنسان في الضحى توضأ وأراد أن يصلي ما شاء الله، نقول: تكفي نية الصلاة؛ وذلك لأنها صلاة غير معينة.   إذا أراد الإنسان أن ينتقل في أثناء الصلاة من نية إلى نية، هل هذا ممكن؟ ننظر، الانتقال من معين إلى معين، أو من مطلق إلى معين لا يصح.   مثال المطلق: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة، وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصلِّ راتبة الفجر، فنواها لراتبة الفجر؛ نقول: لا تصح لراتبة الفجر؛ لأنه انتقال من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله، فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم.   ومثال معين إلى معين: رجل قام يصلي العصر، وفي أثناء صلاته ذكر أنه لم يصل الظهر، أو أنه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر، فهل تصح للظهر أم لا؟ هنا لا تصح للظهر؛ لأنه من معين إلى معين، ولا تصح أيضًا صلاة العصر التي ابتدأ؛ لأنه قطعها بانتقاله إلى الظهر.   إذًا لا تصح ظهرًا ولا عصرًا؛ فهي لا تصح عصرًا لأنه قطعها، ولا ظهرًا لأنه لم يبتدئها ظهرًا، وصلاة الظهر من تكبيرة الإحرام إلى السلام.   أما الانتقال من معين إلى مطلق فانه يصح ولا بأس؛ مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة، ثم لما شرع ذكر أنه على ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه، فنواها نفلًا، فإنها تصح إذا كان الوقت متسعًا ولم يفوِّت الجماعة.   هذان شرطان: الشرط الأول: إذا كان الوقت متسعًا، والثاني: إذا لم يفوِّت الجماعة. فمثلًا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق؛ لأن هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة.   إذا كان الوقت ضيقًا فلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق؛ لأن صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها، لكن الوقت في سعة والجماعة قد فاتته، نقول: لا بأس أن تحولها إلى نفل مطلق وتسلم من ركعتين وتذهب إلى وعدك، ثم بعد ذلك تعود إلى فريضتك.   فصار الانتقال ثلاثًا: 1- من مُطلقٍ إلى معيَّن: لا يصح المعين ويبقى المطلق صحيحًا. 2- من مُعيَّن إلى معيَّن: يبطل الأول ولا ينعقد الثاني. 3- من مُعيَّن إلى مُطلق: يصح ويبقى المعين عليه.   نيَّةُ الإمامة والائتمام: الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، وأقلها اثنان: إمام ومأموم؛ وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله، ولابد من نية المأموم والإتمام، وهذا شيء متفق عليه، يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت معه، ولكن كما قلنا: النية لا تحتاج إلى كبير عمل؛ لأن من أتى إلى المسجد فإنه قد نوى أن يأتم.   أما الإمام فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن ينوي أن يكون أو لا يجب؟! فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي أنه الإمام؛ وعلى هذا لو جاء رجلان ووجدا رجلًا يصلي ونويا أن يكون الرجل إمامًا لهما، فصفَّا خلفه وهو لا يدري بهما، لكن هم نويا أنه إمام لهما وصارا يتابعانه، فمن قال: إنه لابد للإمام أن ينوي الإمامة قال: إن صلاة الرجلين لا تصح؛ وذلك لأن الإمام لم ينو الإمامة.   ومن قال: إنه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة، قال: إن صلاة هذين الرجلين صحيحة؛ لأنهما ائتما به. فالأول: هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.   والثاني: هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في رمضان وحده، فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إمامًا.   واستدلوا كذلك بأن ابن عباس رضي الله عنهما بات عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ و دخل معه في الصلاة.   ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة، لكن نواها في أثناء الصلاة، ولا بأس بأن ينويها في أثناء الصلاة.   وعلى كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول: إنه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما، فإن سكت فقد أقرَّهما، وإن رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه، هذا هو الأحوط والأولى.   ثانيًا: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية؟ بمعنى: هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟ ننظر في هذا: أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا بأس بهذا؛ لأن السنة قد دلت على ذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمنى، فوجد رجلين لم يصليا، فقال: ما منعكما أن تصليا في القوم؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا - يحتمل أنهما صليا في رحالهما لظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة، أو لغير ذلك من الأسباب - فقال: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة».   «فإنها» أي: الثانية؛ لأن الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة.
إذًا إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والأمام هو الذي يصلي الفريضة فلا باس بذلك، كما دلت عليه هذه السنة.   أما العكس: إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان، إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح، فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟   هذا محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة؛ لأن الفريضة أعلى، ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام.   ومنهم من قال: بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة؛ لأن السنة وردت بذلك، وهي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء،ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة؛ فهي له نافلة ولهم فريضة، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.   فإن قال قائل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: إن كان قد علم فقد تم الاستدلال؛ لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه قد شُكِيَ إلى الرسول عليه الصلة والسلام في كونه يطوِّل صلاة العشاء، فالظاهر والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أُخبر بكل القضية وبكل القصة.   وإذا قُدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن معاذًا معه، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم، فإن رب الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم، وهو الله جلا وعلا، لا يخفى عليه شي في الأرض ولا في السماء، وإذا كان الله قد علم ولم يُنزل على نبيه إنكارًا لهذا العمل دل هذا على جوازه؛ لأن الله تعالى لا يقرُّ عباده على شيء غير مشروع لهم إطلاقًا.   فتم الاستدلال حينئذ على كل تقدير.   إذًا فالصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة، والقياس الذي ذُكر استدلالًا على المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحًا فاسدًا لا يعتبر.   إذًا إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصلِّ العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم إن كنت قد دخلت في أول ركعة، فإذا سلم الإمام فصلِّ ركعتين لتتم الأربع، وإن كنت قد دخلت في الثانية فصلِّ إذا سلَّم الإمام ثلاث ركعات؛ لأنك صليت مع الإمام ركعة، وبقي عليك ثلاث ركعات.   وهذا منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى مع أن مذهبه خلاف ذلك، لكن منصوصه الذي نص عليه هو شخصيًّا أن هذا جائز.   إذن تلخَّصَ الآن: من صلى فريضة خلف من يصلي فريضة جائز. من صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فيها خلاف. من صلى نافلة خلف من يصلي فريضة جائز قولًا واحدًا.   المسألة الثالثة: في جنس الصلاة، هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة؟ أي: ظهر مع ظهر، وعصر مع عصر، وهكذا، أم لا؟ ج: في هذا أيضًا خلاف؛ فمن العلماء من قال: يجب أن تتفق الصلاتان، فيصلِّي الظهر خلف من يصلي الظهر، ويصلي العصر خلف من يصلي العصر، ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب، ويصلي العشاء خلف من يصلي العشاء، ويصلي الفجر خلف من يصلي الفجر، وهكذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه».   ومن العلماء من قال: لا يشترط، فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر، أو الظهر خلف من يصلي العصر، أو العصر خلف من يصلي العشاء؛ لأن الإتمام في هذه الحال لا يتأثر، وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم، فكذلك اختلاف الاسم لا يضر؛ وهذا القول أصح.   فإذا قال قائل: حضرت لصلاة العشاء بعد أن أُذِّن، ولما أقيمت الصلاة تذكرت أنني صليت الظهر بغير وضوء، فكيف أصلي الظهر خلف من يصلي العشاء؟   نقول له: ادخل مع الإمام وصلِّ الظهر، أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر، «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه»، فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية؛ لأنه فصَّل وبيَّن فقال: «فإذا كبَّر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا»؛ أي: تابعوه ولا تسبقوه، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يُفسِّر بعضه بعضًا.   وهذا البحث يُفرَّع عليه بحث آخر: إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا؛ مثل ظهر خلف عصر؛ العدد واحد والهيئة واحدة، هذا لا إشكال فيه.   لكن إذا اختلفت الصلاتان، بأن كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربعًا، أو بالعكس، أو المأموم ثلاثًا والإمام أربعًا، أو بالعكس؛ فنقول: إن كانت صلاة المأموم أكثر فلا إشكال، مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب، ولما أقيمت الصلاة ذكر أنه صلى العصر بلا وضوء، فهنا صار عليه صلاة العصر، نقول: ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر، وإذا سلم الإمام فإنك تأتى بواحدة لتتم لك الأربع؛ وهذا لا إشكال فيه.   أما إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم فهذا نقول: إن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال، وإن دخل في الركعة الأولى فحينئذ يأتي الإشكال، ولنمثل: إذا جئت والإمام يصلي العشاء، وهذا يقع كثيرًا في أيام الجمع، يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمطر وما أشبه ذلك، فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء، لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين، نقول: ادخل معهم بنيَّة المغرب، صل الركعتين، وإذا سلَّم الإمام تأتي بركعة ولا إشكال.   وإذا جئت ووجدتهم يصلون العشاء الآخرة لكنهم في الركعة الثانية، نقول: ادخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر؛ لأنك ما زدت ولا نقصت، هذا أيضًا لا إشكال فيه.   وعند بعض الناس فيه إشكال: يقول: إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية، وهي لك الأولى، فتكون جلست في الأولى للتشهد.   نقول: هذا لا يضر، ألسْتَ إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى؟ هذا نفسه ولا إشكال، وإنما الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى ودخلت معهم في الركعة الأولى، حيئنذ ستصلي ثلاثًا مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة، فماذا تصنع؟ إن قمت معه زدت ركعة، صليت أربعًا والمغرب ثلاث لا أربع، وإن جلست تخلفت عن الإمام، فماذا تصنع؟ نقول: اجلس، وإذا كنت تريد أن تجمع فانو مفارقة الإمام، واقرأ التحيات، وسلِّم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء؛ لأنك يمكن أن تدركه.   أما إذا كنت لا تنوي الجمع، أو ممن لا يحق له الجمع، فإنك في هذه الحال مخيَّر، إن شئت فاجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه، وإن شئت فانوِ الانفراد وتشهَّد وسلِّم.   هذا الذي ذكرناه هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.   ونية الانفراد هنا للضرورة؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يزيد في المغرب على ثلاث، فالجلوس لضرورة شرعية، ولا بأس بهذا، ومما يدخل في قوله: «وتقيم الصلاة» أركان الصلاة.   والأركان هي الأعمال القولية والفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها.   فمن ذلك: تكبيرة الإحرام: أن يقول الإنسان عند الدخول في الصلاة: الله أكبر، لا يمكن أن تنعقد الصلاة إلا بذلك فلو نسي الإنسان تكبيرة الإحرام، جاء ووقف في الصف ثم نسي وشرع في القراءة وصلى، فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقًا؛ لأن تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل علمه كيف يصلي، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبِّر».   فلابد من التكبير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مداومًا على ذلك.   ومن ذلك أيضًا: قراءة الفاتحة: فإن قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20]، وهذا أمر.   وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبهم في قوله: ﴿ مَا تَيَسَّرَ ﴾، وأن هذا هو الفاتحة، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».   وقال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج»؛ أي: فاسدة غير صحيحة.   فقراءة الفاتحة ركن على كل مصلٍّ: الإمام، والمأموم، والمنفرد؛ لأن النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئًا، وإذا لم يستثن الله تعالى ورسوله شيئًا فإن الواجب الحكم بالعموم؛ لأنه لو كان هناك مستثنى لبيَّنه الله ورسوله، كما قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89].   ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم، لا في السريَّة والجهريَّة، لكن الفرق بين السرية والجهرية، أن الجهرية لا تقرأ فيها إلا الفاتحة، وتسكت وتسمع لقراءة إمامك.   أما السرية فتقرأ الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلَّت السنة على أنه يستثنى من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فإنه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة؛ ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع في المسجد، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟!»، قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله! قال: «زادك الله حرصًا ولا تعد».   لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الذي دفع أبا بكرة لسرعته والركوع قبل أن يصل إلى الصف هو الحرص على إدراك الركعة، فقال له: «زادك الله حرصًا ولا تعد»؛ أي: لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا».   ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضائها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يؤخِّر البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه مبلِّغ، والمبلِّغ يبلِّغ متى احتيج إلى التبليغ.   فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل له: إنك لم تدرك الركعة عُلِمَ أنه قد أدركها، وفي هذه الحال تسقط عنه الفاتحة.   وهناك تعليل أيضًا مع الدليل، وهو أن الفاتحة إنما تجب مع القيام، والقيام في هذه الحال قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه، فصار الدليل والتعليل يدلان على أن من جاء والإمام راكع فإنه يكبِّر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرأ، بل يركع، لكن إن كبَّر للركوع مرة ثانية فهو أفضل، وإن لم يكبِّر فلا حرج، وتكفيه التكبيرة الأولى، ويجب أن يقرأ الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلًا، تجده يجلس ولا يقوم مع الإمام وهو يقرأ الفاتحة، فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة، ثم يقوم وهو قادر على القيام؛ نقول لهذا الرجل: إن قراءتك للفاتحة غير صحيحة؛ لأن الفاتحة يجب أن تُقرأ في حال القيام، وأنت قادر على القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة.   أما ما زاد عن الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين على الفاتحة،وإن قرأ أحيانًا في العصر والظهر شيئًا زائدًا عن الفاتحة فلا بأس به، لكن الأصل الاقتصار على الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول إن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة إن كانت ثلاثية.   ومن أركان الصلاة: الركوع، وهو الانحناء تعظيمًا لله عز وجل؛ لأنك تستحضر أنك واقف بين يدي الله، فتنحني تعظيمًا له عز وجل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل»؛ أي: قولوا سبحان ربي العظيم؛ لأن الركوع تعظيم بالفعل، وقول: سبحان ربي العظيم، تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله؛ لأنك لا تنحني هكذا إلا لله تعظيمًا له، فيجتمع في الركوع ثلاثة تعظيمات: 1- تعظيم القلب. 2- تعظيم الجوارح. 3- تعظيم اللسان.   فالقلب: تستشعر أنك ركعت لله، واللسان: تقول سبحان ربي العظيم، والجوارح: تُحني ظهرك.   والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مسِّ ركبتيه بيديه.
فالانحناء اليسير لا ينفع، فلابد من أن تَهْصِرَ ظهرك حتى تتمكن من مسِّ ركبتيك بيديك.   وقال بعض العلماء: إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام؛ والمؤدى متقارب؛ المهم أنه لابد من هصر الظهر.   ومما ينبغي في الركوع أن يكون الإنسان مستوي الظهر لا مُحْدَودِبًا، وأن يكون رأسه محاذيًا لظهره، وأن يضع يديه على ركبتيه مُفَرَّجتي الأصابع، وأن يجافي عضديه عن جنبيه، ويقول سبحان ربي العظيم، يكِّررها ويقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».   ويقول: «سبوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح».   ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ [الحج: 77].   وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن نسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - و أشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين».   فالسجود لابد منه؛ لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.   وتأمل الحكمة أنك في الركوع تقول: سبحان ربي العظيم؛ لأن الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود تقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأن الهيئة هيئة نزول، فالإنسان نزَّل أعلى ما في جسده - وهو الوجه - إلى أسفل ما في جسده - وهو القدمين - فترى في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون في التنزيه؛ ولهذا تقول: سبحان ربي الأعلى؛ أي أُنَزِّهُ ربي الأعلى الذي هو فوق كل شيء عن كل سُفل ونزول.   أمَّا أنا فمنزل رأسي وأشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول: سبحان ربي الأعلى، تكررها ما شاء الله، ثلاثًا أو أكثر حسب الحال، وتقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وتقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وتُكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين ومن أمور الدنيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم»، وقال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، فأكثر من الدعاء بما شئت، من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ، وهكذا، وسؤال بيت جميل، وامرأة صالحة، وولد صالح، وسيارة، وما شئت من خير الدين والدنيا؛ لأن الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا، قال الله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]، وقال: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186].   وفي هذه الأيام العصيبة ينبغي أن نُطيل السجود، وأن نكثر من الدعاء بأن يأخذ الله على أيدي الظالمين المعتدين، ونلح ولا نستبطئ الإجابة؛ لأن الله حكيم قد لا يستجيب الدعوة بأول مرة أو ثانية أو ثالثة، من أجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله فيزدادوا دعاء، والله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما أُمرنا به من كثرة الدعاء.   ويسجد الإنسان بعد الرفع من الركوع، ويسجد على ركبتيه أولًا ثم كفيه، ثم جبهته وأنفه، ولا يسجد على اليدين أوَّلًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير»؛ وبروك البعير يكون على اليدين أولًا كما هو مشاهد، كل من شاهد البعير إذا بركت يجد أنها تقدم يديها، فلا تقدم اليدين، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك؛ لأن تشبه بني آدم بالحيوان - ولا سيما في الصلاة - أمر غير مرغوب فيه.   ولم يذكر الله تعالى تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم؛ استمع إلى قول الله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: 175،176]، وقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قَيْئِهِ»، وقال صلى الله عليه وسلم: «الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا».   فأنت ترى أن تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم؛ ولهذا نهى المصلِّي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه! بل قدِّم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر؛ كرجل كبير يشق عليه أن يُنزل الركبتين أولًا، فلا حرج، أو إنسان مريض، أو إنسان في ركبتيه أذى، وما أشبه ذلك.   ولا بد أن يكون السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف تبعٌ لها، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين؛ فهذه سبعة أمرنا أن نسجد عليها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، والذي أمرنا ربنا عز وجل، فنقول: سمعًا وطاعة، ونسجد على الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجدين فلا يجوز أن نرفع شيئًا من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقى هذه الأعضاء ما دمنا ساجدين.   وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضهما إلى بعض ولا يفرج، أما الركبتان فلم يرد فيهما شيء، فتبقى على ما هي عليه على الطبيعة، وأما اليدان فتكونان على حذو المنكبين؛ أي: الكتفين، أو تقدمهما قليلًا حتى تسجد بينهما، فلها صفتان: الصفة الأولى أن تردها حتى تكون على حذاء الكتف، والصفة الثانية: أن تقدمها قليلًا حتى تكون على حذاء الجبهة، كلتاهما وردتا عن الرسول عليه الصلاة والسلام.   وينبغي أن تُجافي عَضُديك عن جنبيك، وأن ترفع ظهرك، إلا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذ جارك؛ لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه.   وقد رأيت بعض الإخوة الذين يحبون أن يطبِّقوا السنة يمتدُّون في حال السجود امتدادًا طويلًا، حتى تكاد تقول: إنهم منبطحون، وهذا لا شك أنه خلاف السنة، وهو بدعة؛ بل السنة أن ترفع ظهرك وأن تعلو فيه.   وهذه الصفة التي أشرت إليها من بعض الإخوة كما أنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن؛ لأن التحمل في هذه الحال يكون على الجبهة والأنف، وتجد الإنسان يضجر من إطالة السجود، ففيها مخالفة السنة وتعذيب البدن؛ فلهذا ينبغي إذا رأيتم أحدًا يسجد على هذه الكيفية أن تُرشدوه إلى الحق، وتقولوا له: هذا ليس بسنة.   وينبغي في حال السجود أيضًا أن يكون الإنسان خاشعًا لله عز وجل مستحضرًا علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنك سوف تقول: سبحان ربي الأعلى؛ أي تنزيها له بعلوه عز وجل عن كل سُفلٍ ونزول، ونحن نعتقد بأن الله عالٍ بذاته فوق جميع مخلوقاته؛ كما قال الله: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، وإثبات علو الله في القرآن والسنة أكثر من أن يُحصَر.   والإنسان إذا دعا يرفع يديه إلى السماء إلى الله عز وجل، وفي السماء فوق كل شيء، وقد ذكر الله أنه استوى على عرشه في سبع آيات من القرآن، والعرش أعلى المخلوقات، والله فوق العرش جلا وعلا.   ومن أركان الصلاة: الطمأنينة؛ أي: الاستقرار والسكون في أركان الصلاة، فيطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود، وفي الجلوس بين السجدتين، وفي بقية أركان الصلاة؛ وذلك لِمَا أخرج الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا جاء فدخل المسجد فصلى، ثم سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرَدَّ عليه السلام، وقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»؛ يعني: لم تصلِّ صلاة تجزئك، فرجع الرجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه، وقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فرجع وصلى ولكن كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صلى الله وسلم عليه، فرد عليه، وقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسنُ غير هذا، فعلمني.   وهذه هي الفائدة من كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلِّمه لأول مرة، بل ردَّده حتى صلى ثلاث مرات، من أجل أن يكون متشوفًا للعلم، مشتاقًا إليه، حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل على أرض يابسة تقبل الماء؛ ولهذا أقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمه.   ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يعلِّمه، لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يُعلَّم صار أشد تمسكًا وحفظًا لما يُلقى إليه.   وتأمل قَسَمَهُ بالذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحق؛ فقال: «والذي بعثك بالحق»، وما قال: «والله»؛ لأجل أن يكون معترفًا غاية الاعتراف بأن ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم حق.   فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قمت للصلاة فأسبغ الوضوء»؛ أي: توضأ وضوءًا كاملًا، «ثم استقبل القبلة فكبر»؛ أي: قل: الله أكبر، وهذه تكبيرة الإحرام، «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»؛ وقد بيَّنت السنة أنه لابد من قراءة الفاتحة، «ثم اركع حتى تطمئن راكعًا»؛ أي: لا تسرع، بل اطمئن واستقر، «ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا»؛ أي: إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع؛ ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام بعد الركوع متساويين أو متقاربين، «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»؛ أي: تطمئن وتستقر، «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا»؛ وهذه الجلسة بين السجدتين، «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»؛ هذا هو السجود الثاني، قال: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»؛ أي: افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية، في جميع الصلاة.   الشاهد من هذا قوله: «حتى تطمئن»، وقوله فيما قبل: «إنك لم تصلِّ»؛ فدل هذا على أنه من لا يطمئن في صلاته فلا صلاة له، ولا فرق في هذا بين الركوع والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين، كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها.   قال بعض العلماء: والطمأنينة أن يستقر بقدر ما يقول الذِّكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول: سبحان ربي العظيم، وفي السجود كذلك، بقدر ما تقول: سبحان ربي الأعلى، وفي الجلوس بين السجدتين بقدر ما تقول: ربي اغفر لي، في القيام بعد الركوع بقدر ما تقول: «ربنا ولك الحمد»، وهكذا.   ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك؛ لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول: سبحان ربي العظيم في الركوع لا يظهر لها أثر؛ لأن الإنسان إذا قال: الله أكبر، سبحان ربي العظيم، ثم يرفع، أين الطمأنينة؟ فالظاهر أنه لابد من استقرار بحيث يقال: هذا الرجل مطمئن.   وعجبًا لابن آدم كيف يلعب به الشيطان! هو واقف بين يدي الله عز وجل يناجي الله ويتقرب إليه بكلامه وبالثناء عليه وبالدعاء، ثم كأنه ملحوق في صلاته، كأن عدوًّا لاحقٌ له، فتراه يهرب من الصلاة، لماذا؟ أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك، لو بقيت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلًا، تقف على قدميك، ولا تنتقل من ركوع إلى سجود، وإلى جلوس، وتفرح أن هذا الملك يكلمك، ولو جلس معك مدة طويلة، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، و أمدَّك، وأعدَّك، تناجيه وتهرب هذا الهروب؟!   لكن الشيطان عدو للإنسان، والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتَّخذ الشيطان عدوًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6].   فالواجب على الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة، وكذلك أقوالها.   مسألة: ما حكم من لم يُقِم الصلاة؟ الجواب عن ذلك أن نقول: أما من لم يقمها على وجه الكمال؛ يعني أنه أخلَّ ببعض الأشياء المكملة للصلاة، فإن هذا محروم من الأجر الذي يحصل له بإكمال الصلاة، لكنه ليس بآثم؛ فمثلًا: لو اقتصر على سبحان ربي العظيم في الركوع مع الطمأنينة لكان كافيًا، لكنه محروم من زيادة الأجر في التسبيح.   وأما من لم يُقمها أصلًا؛ يعني أنه تركها بالكلية، فهذا كافر مرتد عن الإسلام كفرًا مخرجًا عن الملة، يخرج من عداد المسلمين في الدنيا، ويكن في عداد الكافرين في الآخرة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحشر مع فرعون وهامان، وقارون، وأُبيِّ بن خلف، وهؤلاء رؤوس الكفرة يُحشر معهم، والعياذ بالله.   أما في الدنيا فإنه كافر مرتد يجب على ولي الأمر أن يدعوه للصلاة، فإن صلى فذاك، وإن لم يُصلِّ قتله قتل ردة والعياذ بالله، وإذا قُتِل قَتْل ردة حُمِل في سيارة بعيدًا عن البلد، وحُفِر له حفرة، ورُمِس فيها حتى لا يتأذى الناس برائحته، ولا يتأذى أهله وأصحابه بمشاهدته، فلا حرمة له لو أُبقي على وجه الأرض هكذا؛ ولهذا لا نغسِّله، ولا نكفِّنه، ولا نصلي عليه، ولا نُدْنيه من مساجد المسلمين للصلاة عليه؛ لأنه كافر مرتد.   فإذا قال قائل: ما هذا الكلام؟ أهذا جزاف، أم تحامل، أم عاطفة؟ قلنا: ليس جزافًا، ولا تحاملًا، ولا عاطفة، ولكننا نقوله بمقتضى دلالة كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أصحاب رسوله رضي الله عنهم.   أما كلام الله: فقد قال الله تعالى في سورة التوبة عن المشركين: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، وإن لم يكن؟ فليس إخوانًا لنا في الدين، وإذا لم يكونوا إخوانًا لنا في الدين فهم كفرة؛ لأن كل مؤمن ولو كان عاصيًا أكبر معصية لكنها لا تُخرج من الإسلام فهو أخٌ لنا، إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فمن المعلوم أن قتال المسلم كفر، لكن لا يخرج من الملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ومع ذلك فإن هذا المقاتل لأخيه أخٌ لنا، ولا يخرج من دائرة الإيمان؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9].   إذًا الطائفتان المقتتلتان إخوة لنا مع أنها معصية عظيمة؛ فإذا قال الله في المشركين: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، إذًا إذا لم يقوموا بهذه الأعمال فليسوا بإخوة لنا، هذا من القرآن.   أما من السنة: فاستمع إلى ما رواه مسلم في «صحيحه»، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، والبَيْنِيَّة تقتضي التمييز والتفريق، وإن كل واحد غير الآخر؛ «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»؛ فإذا تركها صار غير مسلم، صار مشركًا أو كافرًا.   وما رواه أهل «السنن» عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، العهد الذي بيننا وبين الكفار؛ أي: الشيء الفاصل الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، صار منهم وليس منا.   وهذا نصٌ في الموضوع! أما ما قاله الصحابة رضي الله عنهم: فاستمع إلى ما قاله عبد الله بن شقيق، وهو من التابعين المشهورين، قال رحمه الله: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة».   وقد نقلَ إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاقُ بن رَاهَوَيْه الإمام المشهور رحمه الله، وبعض أهل العلم، وإذا قُدِّر أن فيهم من خالف فإن جمهورهم أهل الفتوى منهم يقولون: إنه كافر.   هذه أدلة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم.   وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وناهيك به: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة»، ولا نافية للجنس، تنفي الكثير والقليل، والذي لاحظ له لا قليل ولا كثير في الإسلام ما هو إلا كفر.   إذًا فمن ترك الصلاة فهو كافر.   ويترتب على ترك الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية: الأمور الدنيوية: أولًا: أنه يُدعى إلى الصلاة، فإن صلى وإلا قُتل، وهذا واجب على ولاة الأمور وجوبًا، وهم إذا فرَّطوا في هذا فسوف يسألهم الله تعالى إذا وقفوا بين يديه؛ لأن كل مسلم ارتدَّ عن الإسلام فإنه يُدعى إليه، فإن رجع وإلا قتل؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من بدَّل دينه فاقتلوه».   ثانيًا: لا يُزوج إذا خطب، وإن زَّوج فالعقد باطل، والمرأة لا تحل له أن يطأها، وهو يطأ أجنبية والعياذ بالله؛ لأن العقد غير صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: 10].   ثالثًا: أنه لا ولاية له على أولاده، ولا على أخواته، ولا على أحد من الناس؛ لأن الكافر لا يمكن أن يكون وليًّا على مسلم أبدًا، حتى بنته لا يزوِّجها.   لو فرضنا واحدًا بعدما تزوج، وكبر وصار له بنات، صار لا يصلي والعياذ بالله، فإنه لا يمكن أن يزوِّج بنته، ولكن إذا قال قائل: هذا مشكل، يوجد أناس عندهم بنات وهم لا يصلون، كيف نعمل؟ نقول: في مثل هذا الحال إذا كان لا يمكن التخلُّص من أن يعقد النكاح للبنات فإن الزوج يجعل أخاها أو عمها مثلًا أو أحدًا من عصباتها الأقرب فالأقرب، حسب ترتيب الولاية، يعقد له بالسر عن أبيها حتى يتزوج امرأة بعقد صحيح، أما عقد أبيها لها وهو مرتد كافر فلا يصح، ولو يعقد ألف مرة فليس بشيء.   رابعًا: لو ترك الصلاة في أثناء زواجه انفسخ نكاحه؛ ومثاله: رجل تزوج امرأةً وهي تصلي وهو يصلي، وبعد ذلك ترك الصلاة، فإننا نقول: يجب التفريق بينه وبين المرأة وجوبًا حتى يصلي، فإذا فرَّقنا بينهما واعتدت فإنه لا يمكن أن يرجع إليها، أما قبل انتهاء العدة، فإنه إذا أسلم ورجع إلى الإسلام وصلى فهي زوجته، أما إذا انتهت العدة فقد انفصلت منه، ولا تحل له إلا بعقد جديد على قول جمهور أهل العلم، وبعضهم يقول: إنها إذا انتهت من العدة ملكت نفسها، ولكن لو أسلم وأرادت أن ترجع إليه فلا بأس بدون عقد، وهذا القول هو الراجح؛ لدلالة السنة عليه، لكن فائدة العدَّة هو أنها قبل العدة إذا أسلم لا خيار لها، وأما بعد العدة فلها الخيار إذا أسلم، إن شاءت رجعت إليه، وإن شاءت لم ترجع.   خامسًا: ومن ذلك أيضًا أنه لا ولاية له على أحد ممن يتولاه لو كان مسلمًا؛ لأن من شروط الولاية العدالة، والكافر ليس بعدل، فلا يكون تارك الصلاة وليًّا على أحد من عباد الله المسلمين أبدًا، حتى لو كانت ابنته فإنه لا يزوجها؛ لأنه ليس له ولاية عليها.   سادسًا: ومن ذلك أيضًا أنه لا يُغسل، ولا يكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويُحفر له حفرة يُرمس فيها رمسًا لا قبرًا؛ لأنه ليس له حرمة.   ولا يحل لاحد يموت عنده شخص وهو يعرف أنه لا يصلِّي أن يغسله أو يكفنه أو يقدمه للمسلمين يصلون عليه؛ لأنه يكون بذلك غاشًّا للمسلمين، فإن الله تعالى قال لنبيِّه عليه الصلاة والسلام في حق المنافقين، وهم كفار لكنهم يظهرون الإسلام، قال: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ﴾ [التوبة: 84]؛ فدل هذا على أن الكفر مانع من الصلاة، ومن القيام على القبر بعد الدفن.   وقال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة: 113].   ويسأل بعض الناس عن الرجل المتهم بترك الصلاة يقدَّمُ للصلاة عليه بعد موته وأنت شاكٌ هل هو يصلي أولا؟ فنقول: إذا كان هذا الشك مبنيًّا على أصل فإنك إذا أردت أن تدعوا له تقول: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، فتقيِّده، وبهذا تسلم من شره.   وأما الأمور الأخروية المترتبة على ترك الصلاة فمنها: 1- العذاب الدائم في قبره، كما يُعذَّب الكافر أو أشد. 2- أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف. 3- أنه يدخل النار فيخلد فيها أبد الآبدين.   وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يكفر كفرًا خارجًا عن الملة، واستدلوا ببعض النصوص، ولكن هذه النصوص لا تخرج عن أحوال خمسة: 1- إما أنه ليس فيها دلالة أصلًا على هذه المسألة؛ مثل قول بعضهم: إن هذا يعارضه قول الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، ومن جملته تارك الصلاة.   فنقول: إن تارك الصلاة في ظاهر حديث جابر الذي رواه مسلم أنه مشرك وإن كان لا يسجد للصنم، لكنه متبع لهواه، وقد قال الله: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الجاثـية: 23].   ثم على فرض أن مفهوم الآية أن ما دون الشرك تحت المشيئة، فإن هذا المفهوم خُص بالأحاديث الدالة على أن تارك الصلاة كافر، وإذا كان المنطوق - وهو أقوى دلالة من المفهوم - يخصَّص عمومه بما دل على التخصيص، فما بالك بالمفهوم؟
2 - أو استدلوا بأحاديث مقيَّدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».   فإن قوله: «يبتغي بذلك وجه الله»، تمنع منعًا باتًّا أن يدع الإنسان الصلاة؛ لأن من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، فلابد أن يعمل عملًا لما يبتغيه وهو وجه الله، وأعظم عمل يحصل به رضا الله عز وجل هو الصلاة.   فهذا الحديث ليس فيه دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأنه مُقَيَّدٌ بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة.   3- أو مقيد بحالٍ يُعذر فيها من ترك الصلاة؛ مثل: حديث حذيفة الذي أخرجه بعض أهل «السنن» في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله، وهذا في وقت اندراس الإسلام، وصار لا يعلم عن شيء منه إلا قول: لا إله إلا الله؛ فإنها تنجيهم من النار؛ لأنهم معذورون بعدم العلم بفرائض الإسلام، ونحن نقول بهذا، لو أن قومًا في بادية بعيدون عن المدن، وبعيدون عن العلم، لا يفهمون من الإسلام إلا لا إله إلا الله، وماتوا على ذلك فليسوا كفارًا.   4- واستدلوا بأحاديث عامة، وهذه الأحاديث من قواعد أصول الفقه أن العام يخصَّص بالخاص، فالأحاديث العامة الدالة على أن من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة، وما أشبه ذلك، نقول: هذه مقيَّدة أو مخصوصة بأحاديث كفر تارك الصلاة.   5- واستدلوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة، فضلًا عن أن تعارضها فهي لا تعارض ولا تقاوم الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة.   ثم إن بعضهم لَمَّا لم يتيسَّر له إقامة الدليل على أن تارك الصلاة لا يكفر قال: إنه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، على الكفر الأصغر والشرك الأصغر، فيكون بمعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: «كفر دون كفر».   فيقال: ما الذي يوجب لنا أن نحمل الحديث على ذلك؛ لأن الكفر إذا أُطلق ولم يوجد له معارض فهو الكفر الحقيقي الأكبر، كيف وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الكفر والشرك»، فجعل هنا حدًّا فاصلًا: «بين»؛ والبَيْنِيَّة تقتضي أن المتباينين منفصلان بعضهما عن بعض، وأن المراد بالكفر الكفر الأكبر، وحينئذ تكون أدلة القول بكفر تارك الصلاة موجبة لا معارض لها ولا مقاوم لها.   والواجب على العبد المؤمن إذا دلَّ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام أن يقول به؛ لأننا نحن لسنا بمشرِّعين، بل المشرِّع الله، ما قاله تعالى وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الشرع، نأخذ به ونحكم بمقتضاه، ونؤمن به سواء وافق أهواءنا أم خالفها، فلا بد أن نأخذ بما دل عليه الشرع.   واعلم أن كل خلاف يقع بين الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري، فإن صاحبه لا يلام عليه ولا يضلَّل؛ لأنه مجتهد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».   وليس من حق الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضى الدليل عنده. أما مَن عاند و أصرَّ بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام.   وبهذا التقرير نعرف أنه يجب الحذر التام من التهاون بالصلاة، وأنه يجب على من رأى شخصًا متهاونًا فيها أن ينصحه بعزيمة وجِدٍّ، لعل الله أن يهديه على يده فينال بذلك خيرًا كثيرًا.   المصدر: «شرح رياض الصالحين» (1 /354 - 411)



شارك الخبر

المرئيات-١