أرشيف المقالات

الصمد جل جلاله

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
2الصَّمَد جل جلاله   قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4]، وعن أُبي بن كعب (رضي الله عنه) أن المشركين قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم): "يا محمد، انسب لنا ربك"، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4][1].   معنى الاسم في حق الله تعالى: عرَّف العلماء (الصَّمَد) تعاريفَ كثيرة؛ منها: ♦ (الصَّمَدُ) جلَّ جلاله: هو الذي كَمُلَ في أنواع الشرف والسؤدد.   ♦ (الصَّمَدُ) جلَّ جلاله: "هو الذي لا جوف له، فلا يأكل ولا يشرب، وهو يُطعِم ولا يُطعَم"[2].   ♦ (الصَّمَدُ) جلَّ جلاله: "هو الذي لا يموت ولا يورث؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، والله لا يموت ولا يورث"[3].   ♦ (الصَّمَدُ) جلَّ جلاله: هو الذي تقصده الخلائق كلها، إنسها وجنُّها، بل العالم بأسره العلوي والسفلي، بحاجاتها وملماتها الدقيقة والجليلة.   • وأصح هذه المعاني ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله): "وهو سبحانه المصمود إليه في الحوائج والنوازل، المقصود إليه في الرغائب، المستغاث به عند المصائب"[4].   • قال الإمام الخطابي (رحمه الله): "الصَّمَدُ: هو السيد الذي يُصمَد إليه في الأمور، ويُقصد في الحوائج والنوازل، وأصل الصمد: القصد، ويقال للرجل: اصمد صمْدَ فلان؛ أي: اقصدْ قصدَه، وجاء في التفسير أن الصَّمَدَ الذي قد انتهى في سؤدده، وقيل: الصَّمَدُ الدائم، وقيل: الباقي بعد فناء خلْقه، وأصح هذه الوجوه ما شهد له معنى الاشتقاق، والله أعلم"[5].   • وقال السعدي: "هو المصمود إليه المقصود في جميع الحوائج والنوائب"[6].   وقال أيضًا: "هو الذي تقصده الخلائق كلها في جميع حاجاتها وأحوالها وضروراتها؛ لما له من الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله"[7].   و(الصَّمَدُ) جلَّ جلاله: هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب، المفزوع إليه وقت النوائب؛ ففي كل لحظات حياتك أنت بحاجة إليه، فإن لم ترجع إليه اختيارًا، رجعت إليه اضطرارًا.   كيف نعبد الله باسمه (الصَّمَد)؟ أولًا: أن نحبه تعالى الحب الخالص الأكبر: الذي تصمد إليه الخلائق، وتُهرَع إليه في قضاء حوائجها، وتفريج كرباتها، حريٌّ بأن يُحب الحب الخالص الأكبر؛ ذلك لأن النفوس الأبية جُبلت على حبِّ من يعاونها ويقضي لها حاجاتها، فكيف بالصمد جلَّ جلاله الذي لا يكشف السوءَ غيرُهُ، ولا يجيب المضطرَ سواه؟! ولازم هذه المحبة الإقبالُ على طاعته، والسعي في سبيل مرضاته.   ثانيًا: ألا يقصد العبد بحوائجه إلا الله، ولا يعلق الآمال إلا بالله: أن يُفرده العبد بالتوجه والقصد والسؤال والطلب، والتوكل والتعلق والثقة؛ كما قال عليٌّ (رضي الله عنه): "لا يخافنَّ أحدُكم إلا ذنبه، ولا يَرْجُوَنَّ إلا ربَّه"[8].   • قال الإمام القرطبي: "فيجب على كل مكلف أن يعْلَمَ أن لا صمدانية ولا وحدانية إلا لله وحده، فلا يقصد غيره ولا يلجأ في حوائجه إلا إليه..."[9].   ♦ فلا تضِقْ ذرعًا بهمِّك أو بمرضك أو بدَيْنك؛ فالصمد جلَّ جلاله إذا التجأت إليه لن يخذلك ولن يضيعك، فقط اصْدُق في لُجوئك إليه، وإنزال حاجتك به، واعلَم أن انتظار الفرج عبادة، ودوام الحال محال، والليالي حبالى بالعجائب، والغيب مستور، وإن مع العسر يسرًا. يا صاحب الهم إن الهمَّ منفرجٌ أبشِر بخير فإن الفارجَ الله اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه لا تيئَسنَّ فإن الكافي الله فإن بُليت فثقْ بالله وارضَ به إن الذي يكشف البلوى هو الله   • فحينما يقول المؤمن: يا صمد، فليعلم أنه صمَد إلى عظيم، والتجأ إلى قوي واعتصم بقادرٍ، لا تُعجزه ولا تُعضله أمنية. هذا الطريق سلكه الأنبياء ووعتْه قلوبهم، فعاشوا مطمئنين، وأكرمهم أكرم الأكرمين في الدنيا ويوم الدين.   ♦ أبو الأنبياء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام )، قُذِفَ في النار، فذكر ربه ولجأ إلى الصمد، فتغيرت طبيعة النار من حرارة وحرق إلى برودةٍ وسلام.   ♦ موسى (عليه السلام) عندما أدركه الغرق، ولجأ إلى الصمد ووثِق به، شقَّ له البحر وفلَقه، وهيَّأ له أرضًا مُمَهدةً للسير، فلا خوفٌ من غرق، ولا خشية من إدراك العدو، فنجا وهلك عدوُّه.   وهكذا، كل من فرَّغ قلبه من غير الله، ولجأ إلى الله، وسأل الصمد، أجاب دعاءه وأعطاه سؤله.   ♦ "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك"[10].   ثالثًا: أن يتخلق العبدُ بهذا الاسم، فيجعل نفسه مقصودًا للخير متعاونًا عليه: ♦ قال القرطبي: "ثم عليه أن يتخلق بأخلاق السيادة والسادة؛ حتى يكون مصمودًا وبابه مقصودًا، روى هشام بن عروة عن أبيه قال: أدركت سعد بن عبادة ومنادٍ ينادي على أُطْمة: من أحب شحمًا ولحمًا، فليأتِ سعدًا، ثم أدركت ابنه قيسًا ينادي مثل ذلك"[11]؛ فالسعيد من قصده الناس لقضاء حوائجهم.   • فقد قال (صلى الله عليه وسلم): "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"[12].   • وقال (صلى الله عليه وسلم): "من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته"[13]، فتخيل أن الله تعالى هو الذي يقضي لك حاجتك، هل تبقى حاجة لك لا تُقضى؟   • وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله (عز وجل) سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ مِن أن أعتكف في المسجد شهرًا..."[14].   • وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم): "صنائع المعروف تقي مصارع السُّوء، والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدُّنيا هم أهل المعروف في الآخرة»[15].   اقضِ الحوائجَ ما استطعتَ وكُنْ لهَمِّ أخيكَ فارِجْ فَلَخيرُ أيَّامِ الفَتى يَومٌ قَضى فِيهِ الحَوائجْ   رابعًا: أن يعتني العبد بسورة (الصَّمَد) قراءةً وتدبرًا وفهمًا: سورة الصَّمَدِ فضائلها كثيرة، وحسبك أنها تعدل ثلث القرآن؛ فعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟"، قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"[16].   • قال النووي: "قال القاضي: قال المازري: قيل: معناه أن القرآن على ثلاثة أنحاء، قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، وقل هو الله أحد متمحضة للصفات، فهي ثلث وجزء من ثلاثة أجزاء"[17].   • عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري (رضي الله عنه) أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)َ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا - [أي: يراها قليلة] - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"[18].   • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَرَأَ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنْ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"[19].   • وكان صحابيٌّ يقرأ لأصحابه في صلاتهم كلها بــ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، فذكروا ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال: "أخبروه أن الله يحبه"[20].   ♦ تأمل كيف بدأت السورة بـ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾؛ ذلك لأنها تتعلق بأعظم وأشرف علم ينبغي أن يتلقاه الناس، وهو العلم بالله سبحانه وتعالى، فإن قيل: إن كثيرًا من آي القرآن فيها تلقين العقيدة من غير أن يكون فيها ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، فالجواب: أن لهذه السورة خصائص: ١- أنها كلها من أولها إلى آخرها في أمر التعريف بالله عزَّ وجلَّ، وهذا ليس لغيرها من السور.   ٢- أن فيها معانيَ خاصة انفردت بها؛ كاسم الله (الصَّمَد)، فهو من الأسماء العظيمة الذي كلما تأمَّلتَه، وجدتَ القلب يتزلزل منه مِن وَقْعِه وثِقَلِه؛ ولهذا استُحِبَّ للعبد أن يقرأ هذه السورة في مواطن عديدة؛ منها: • في الركعة الأخيرة من الوتر. • دبر الصلوات. • في الركعة الثانية من ركعتي سنة الفجر وسنة المغرب. • في الركعة الثانية من ركعتي الطواف. • عند النوم. • عند المرض. • في أذكار الصباح والمساء.   ♦ فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن من قرأها مع سورتي الفلق والناس ثلاث مرات صباحًا ومساءً، كفاه الله كل شيء"[21]. ♦ وأخبر (عليه الصلاة والسلام) أن من قرأها عشر مرات بنى الله له بيتًا في الجنة[22]. فحريٌّ بسورة الصمد أن تُتَعلَّمَ وتُدرَّسَ وتُتَدبَّرَ.   خامسًا: أن ندعو الله تعالى باسمه (الصَّمَد): فعن عبدالله بن بريدة عن أبيه [بريدة بن الحصيب] قال: سَمِعَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، قَالَ: فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى»[23].   فاللهم يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، يا من ليس له ولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أنزِل السكينة على قلوبنا، واقضِ اللهم حاجاتنا، وسكِّن آلامنا، واجبُر كسرنا، وقوِّ اللهم ضَعفنا، إنك نعم المولى ونعم النصير.


[1] رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني. [2] تفسير الطبري. [3] صحيح الترمذي عن أبي بن كعب. [4] تفسير سورة الإخلاص. [5] شأن الدعاء. [6] بهجة قلوب الأبرار. [7] تفسير السعدي. [8] أخرجه سعيد بن منصور في سننه. [9] الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. [10] صحيح الترمذي عن ابن عباس مرفوعًا. [11] الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. [12] رواه مسلم. [13] صحيح أبي داود والترمذي. [14] أخرجه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني في الصحيحة. [15] رواه ابن حبان في صحيحه، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع. [16] رواه مسلم. [17] شرح النووي على مسلم. [18] رواه البخاري. [19] رواه مسلم. [20] رواه البخاري. [21] رواه الترمذي وصححه الألباني. [22] رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع. [23] رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني.



شارك الخبر

المرئيات-١