أرشيف المقالات

شرح البيقونية: المدلس

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2شرح البيقونية: المدلس   ...............
وما أتى مدلسًا نوعان الأول الإسقاط للشيخ وأن ينقل عمن فوقه بعن وأن والثانِ لا يسقطه لكي يصف أوصافه بما به لا ينعرف   المدلس في اللغة: المدلس مأخوذٌ من التدليس، وأصله من الدلسة، وهي الظلمة.   والتدليس في البيع: هو أن يظهر المبيع بصفة أحسن مما هو عليه في الواقع، مثل أن يصري اللبن في ضرع البهيمة، أو أن يصبغ الجدار بأصباغ يظن الرائي أنه جديد، وهو ليس كذلك[1].   قال الحافظ ابن حجر: التدليس في اللغة مشتق من الدلس وهو الظلام. قال ابن السيد: وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه[2].   وفي الاصطلاح: هو الحديث الذي أُخفي عيبٌ في إسناده؛ لكي يصير ظاهره حسنًا[3].   قال الحافظ ابن حجر: "والمدلس - بفتح اللام - سمي بذلك لكون الراوي لم يسمِّ مَن حدَّثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يُحدِّثه به"[4].   أقسام التدليس: "التدليس في الحديث ينقسم إلى قسمين كما قال المؤلف رحمه الله: "وما أتى مدلسًا نوعان"، وبعض العلماء يُقسمه إلى ثلاثة أقسام"[5].   ومنهم من يقسمه إلى أكثر من ذلك، أما على تقسيم المؤلف فالنوعان هما: 1- تدليس الإسناد. 2- تدليس الشيوخ.   القسم الأول: تدليس الإسناد ويسمى تدليس السماع: هو أن يروي الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمع دون أن يذكر أنه سمعه صراحة، وذلك بأن يأتي بلفظ موهم للسماع؛ مثل: "عن" أو "أن" أو "قال"[6].   وعرَّفه العراقي فقال: "هو أن يسقط اسم شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه، فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم له؛ كقوله عن فلان، أو أن فلانًا أو قال فلان موهمًا بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه"[7].   مثال تدليس الإسناد: قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة فقال الزهري: فقيل له: حدثكم الزهري فسكت، ثم قال الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري، فقال: لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبدالرازق عن معمر عن الزهري[8].   وهذا النوع هو تدليس الإسناد الذي قال فيه الناظم: الأول الإسقاط للشيخ وأن *** ينقل عمن فوقه بعن وأن   أما القسم الثاني فهو تدليس الشيوخ: قال العراقي: "وهو أن يصف المدلس شيخه الذي سمع ذلك الحديث منه بوصف لا يعرف به؛ من اسم أو كنية، أو نسبة إلى قبيلة أو بلد أو صنعة، أو نحو ذلك؛ كي يوعر الطريق إلى معرفة السامع له[9].   مثاله: "قول أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراء: حدثنا عبدالله بن أبي عبدالله، يريد بن عبدالله بن أبي داود السجستاني"[10].   وهذا القسم هو تدليس الشيوخ الذي قال فيه الناظم: والثان لا يسقطه لكن يصف *** أوصافه بما به لا ينعرف   قوله "والثان" حذف الياء لضرورة النظم أو اجتزاء عنها بالكسرة.   قوله: "لا يسقطه" أي لا يسقط شيخه الذي روى عنه أو شيخ شيخه، بل يذكره.   قوله: "لكن يصف أوصافه بما به لا ينعرف"؛ أي: يصف شيخه بما لم يَشتهر به من اسم أو لقبٍ أو كنية، أو نسبةٍ إلى قبيلة أو بلدة أو حرفة؛ توعيرًا لطريق معرفته، وهذا هو تدليس الشيوخ.   قوله: "لا ينعرف"، قال الأجهوري: "هو لحن؛ إذ لا يقال: (انعرف) كما لا يقال (انعدم)، ولو قال الناظم: (بما به لا يتصف)، لكان هو الصحيح"[11].   واستُدرك على الناظم بإبدال كلمة "والثاني" بكلمة "والثالث".
وسبب هذا الاستدراك تقسيم بعض العلماء التدليس إلى ثلاثة أقسام بدلًا من قسمين.   قال العراقي: "التدليس على ثلاثة أقسام، ذكر ابن الصلاح منها قسمين فقط، القسم الأول: تدليس الإسناد، القسم الثاني: تدليس الشيوخ"[12].   والناظم تابع ابن الصلاح.   أما القسم الثالث الذي زاده البعض فهو تدليس التسوية: وهو: رواية الراوي عن شيخه ثم إسقاط راو ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر.   قال العراقي: "وصورته: أن يروي حديثًا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الإسناد كله ثقات..."[13].   مثال تدليس التسوية: ما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثني بقية حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر حديث: "لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه".   فقال أبو حاتم: هذا الحديث له أمر قلَّ مَن يفهمه، روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبيدالله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكنَّاه بقيَّة، ونسبه إلى بني أسد؛ كيلا يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا[14].   "فتدليس الإسناد وهو الأكثر: أن يسقط الراوي شيخه، ويحدث عن شيخ شيخه بعن أو بأن. وتدليس الشيوخ: بأن يصف شيخه بما لا يتميز به أي بصفة لا يعرف بها حقًّا أنه فلان. وتدليس التسوية، يعني: أن يسقط الراوي شيخ شيخه، ويجعله عن شيخه عن الشيخ الثالث"[15].   وهناك أنواع أخرى من التدليس؛ منها: ♦ تدليس العطف: كأن يقول: "حدثنا فلان وفلان وهو لم يسمع من الثاني المعطوف".   ♦ تدليس السكوت: كأن يقول: "حدثنا أو سمعت ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة أو الأعمش موهمًا أنه سمع منهما وليس كذلك"[16].   الأغراض الحاملة على التدليس: (أ) الأغراض الحاملة على تدليس الشيوخ أربعة وهي: 1- ضعف الشيخ أو كونه غير ثقة. 2- تأخُّر وفاته بحيث شاركه في السماع منه جماعة دونه. 3- صغر سنة بحيث يكون أصغر من الراوي عنه. 4- كثرة الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذكر اسمه على صورة واحدة.   (ب) الأغراض الحاملة على تدليس الإسناد خمسة، وهي: 1- توهيم علو الإسناد. 2- فوات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير. 3- 4- 5- الأغراض الثلاثة الأولى المذكورة في تدليس الشيوخ.   بم يعرف التدليس؟ يعرف التدليس بأحد أمرين: (أ) إخبار المدلس نفسه إذا سئل مثلًا، كما جرى لابن عيينة. (ب) نص إمام من أئمة هذا الشأن بناءً على معرفته ذلك من البحث والتتبع.   أشهر المصنفات في التدليس والمدلسين: هناك مصنفات في التدليس والمدلسين كثيرة أشهرها: (أ) ثلاثة مصنفات للخطيب البغدادي، واحد في أسماء المدلسين، واسمه "التبيين لأسماء المدلسين"[17]، والآخران أُفرد كلٌّ منها لبيان نوع من أنواع التدليس[18].   (ب) التبيين لأسماء المدلسين: لبرهان الدين بن الحلبي المشهور بسبط ابن العجمي (وقد طبعت هذه الرسالة).   (جـ) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس للحافظ ابن حجر (وقد طبعت أيضًا).


[1] "شرح البيقونية"؛ لابن عثيمين ص (94). [2] "النكت على ابن الصلاح" (2/ 614). [3] انظر: "التقييد والإيضاح" (78)، و"تدريب الراوي" (1/ 223). [4] "نزهة النظر - مع النكت" (ص 104). [5] "شرح البيقونية"؛ لابن عثيمين ص (94). [6] انظر: "الباعث الحثيث" (52)، و"تدريب الراوي" (1/ 186). [7] "فتح المغيث"؛ للعراقي ص(79-80). [8] "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص (130)، و"فتح المغيث" للعراقي ص (80). [9] "فتح المغيث"؛ للعراقي ص (83). [10] "علوم الحديث"؛ لابن الصلاح (74)، "فتح المغيث"؛ للعراقي ص (83). [11] انظر: "حاشية الأجهوري" ص (164). [12] "فتح المغيث"؛ للعراقي (79). [13] "فتح المغيث" للعراقي (84). [14] "علل الحديث"؛ لابن أبي حاتم (2/ 155)، "فتح المغيث"؛ للعراقي (84). [15] "الثمرات الجنية" (85). [16] "الباعث الحثيث" (54). [17] "الكفاية" ص (361). [18] "الكفاية" ص (357).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١