أرشيف المقالات

الثقافة الإسلامية

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
8 1 - مصادرها لمناسبة اهتمام معالي وزير المعارف بأمر الثقافة الإسلامية.

.
.
للأستاذ إبراهيم جمعة ثقافة العرب الجاهليين - العرب يستقبلون الإسلام أبعد ما يكونون عن علم أو فلسفة - أثر اليهود والنصارى فيهم - أثر النساطرة من أتباع الكنيسة الشرقية - فضل الإسكندرية على الثقافة الإسلامية - مراكز العلم في حران ونصيبين وجنديسابور - مهمة النساطرة والسريان في النقل عن الإسكندرية إلى الشرق الأدنى - اشتغال العرب بالعلم والفلسفة متأثرين بالنساطرة وبالصابئة في حران - حركة النقل وما نقل العرب عن الأمم الأخرى الثقافة الإسلامية كما يؤخذ من اسمها وليدة الإسلام، فالإسلام، هو العامل الوحيد في نشوئها، والعرب هم حملة لواء الإسلام فهم إذن الكواهل التي نهضت بهذه الثقافة وأقامت على الزمن بنيانها المكين.
ولم يكن العرب ليؤدوا هذه الرسالة الكبيرة وهي رسالة علم جامع شامل، لو لم يكن في طبيعتهم لذلك استعداد وقبول والعرب الجاهليون أميون، أبعدتهم تضاعيف شبه الجزيرة العربية عن الأمم ذات الحضارة، وعزلتهم عنها انعزالاً لم يخفف من حدته سوى خروج بعض الأعراب وبخاصة من قريش في التجارة إلى الشام ومصر.
وقد ذقت أخفاف الإبل على وجه الجزيرة العربية طريقين هامين: الأول طريق حضرموت والبحرين والخليج الفارسي، والثاني طريق اليمن والعسير ومكة والبطراء، فإذا ما انتهت المتاجر إلى خليج فارس وتخوم الشام كان اختلاط بين العرب وسكان الحضر، وكان تبادل في التجارة، وكان امتزاج فيه مصلحة مادية، وفيه تبادل أفكار، وفيه أخذ وعطاء فكريان إلى جانب الأخذ والعطاء المعروفين في التجارة وقد حل عرب الحجاز محل اليمنيين في السيطرة على الحركة التجارية وعلى مسالك التجارة قبل انبثاق فجر الإسلام بقليل، وكاد عرب الحيرة بسبب شدة ولائهم لفارس، ورغبتهم في تنحية ما عداهم من الأعراب عن خدمة الفرس يستأثرون بتجارة إيران. وظلت متاجر الهند والحبشة والبقاع الخصبة في جنوب شبه الجزيرة العربية تنقل إلى تلك البلاد حتى جاء الإسلام فشغل العرب بالجهاد في سبيله، وانصرفوا إلى الفتح، وما يصحبه من شواغل، واستوطنوا أرضاً جديدة أو قل استوطن كثير منهم البلاد المفتوحة فوجدوا فيها غناء صرفهم عن الكدح في سبيل العيش على النحو الذي عرفوه في جاهليتهم، وكفاهم سواد العراق أول الأمر مشقة السعي المضني وراء الرزق في هجير البادية - ثم استقبلتهم وديان الشام بما خصها الله من خير، وانفتحت لهم أبواب مصر فأبدلتهم بقتاد الصحراء جنة فيحاء، فكان استقرارهم وامتزاجهم بالعناصر الأجنبية سبباً في التحضر وترك عيشة البداوة، والاقتباس الذي زاد على الزمن وانفرجت دائرته، فأحاطت بالشيء الكثير مما عرفت أمم إيران والجزيرة والشام ومصر من مظاهر التمدن.
وعلى هذا كان اختلاط العرب بالأمم المجاورة قبل الإسلام بسبب التجارة وامتزاجها بها بعد الإسلام بسبب الفتوح أول خطوة في سبيل تكون ثقافة جديدة لم يكن يعرفها العالم من قبل هؤلاء العرب الذين شهدوا الحضر شهوداً موقوتاً وهم يقومون على أمر قوافل التجارة أو الذين نزلوه واستقر بهم المقام فيه جنوداً أو بطوناً مهاجرة لم يكن لهم من مظاهر الثقافة إلا ما كان للعرب الجاهليين عامة من لغة وشعر وقصص وأمثال.
وينسب إليهم بعض المؤرخين دراية بالطب والتنجيم والأنساب والأنواء.
وليس من العدل في شيء أن ننسب إلى جماعة هبط مستواهم الاجتماعي إلى مثل ما هبط مستوى عرب الجاهلية علماً منظماً.
بل إن كل ما عرفه العرب من هذا القبيل معلومات تقوم على الخبرة التقليدية التي كثيراً ما تخطئ وقليلاً ما تصيب.
يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام: (ومن الخطأ أن تسمى هذه الأشياء علماً كما يفعل الألوسي وغيره فيقول - ومن علومهم علم الطب وعلم الأنواء وعلم السماء، ثم يشيدون بذكر ذلك حتى يوهموك أنه كان عندهم علم منظم بأصول وقواعد، فإن ما كان عندهم من هذا القبيل لا يتعدى معلومات أولية وملاحظات بسيطة لا يصح أن تسمى علماً ولا شبه علم) وقد جهل العرب الجاهليون الفلسفة جهلا تاماً وكل ما عرف عنهم خطرات فلسفية يقول عنها الأستاذ أحمد أمين أيضاً: (.

هناك فرق كبير بين مذهب فلسفي وخطرة فلسفية؛ فالمذهب الفلسفي نتيجة البحث المنظم، وهو يتطلب توضيحاً للرأي، وبرهنة عليه، ونقضاً للمخالفين وهكذا.

وهذه منزلة لم يصل إليها العرب في الجاهلية.
أما الخطرة الفلسفية فدون ذلك لأنها لا تتطلب إلا التفات الذهن إلى معنى يتعلق بأصول الكون من غير بحث منظم وتدليل وتفنيد، وهذه الدرجة وصل إليها العرب) إذن استقبل العرب الإسلام وهم خلو من كل علم صحيح أو فلسفة حقة.
ويجدر بنا قبل أن نتعرض إلى الموارد التي تطرق إليها العرب ونهلوا منها علماً وفلسفة خارج ديارهم - أن نذكر شيئاً عن أثر الديانتين اليهودية والنصرانية.
أما اليهود فالمعروف أنه كانت لهم جاليات في يثرب وتيماء وفدك وخيبر ووادي القرى.
وللثقافة اليهودية ناحيتان: الأولى مادية، فقد نشروا بين الأعراب معرفة بضاعة المعادن ولاسيما الأسلحة، كما عرفوا الزراعة.
والأخرى معنوية، فقد بثوا بين الأعراب كثيراً من تعاليم التوراة قبل الإسلام، فعرف هؤلاء شيئاً عن البعث والحساب والعقاب، وظل تأثير اليهود باقياً على شكل أساطير وخرافات، ومن ذلك ما بثه في الإسلام كبار من أسلموا من اليهود مثل كعب الأحبار الذي نقل إلى الإسلام فكرة (تحريم التصوير) وهو في ذلك ناقل عن تعاليم اليهود ومتأثر بطبيعة الجنس اليهودي، تلك الطبيعة التي تكره التصوير لأنها تعجز عنه وتقصر دونه ومن أهم المصادر الثقافية التي أخذ عنها العرب أيضاً المسيحيون في شبه الجزيرة قساوستهم ورهبانهم ومنهم الشعراء والبلغاء أمثال أمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة واليهود والمسيحيون متأثرون بالثقافة اليونانية التي ازدهرت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وغزت بلاد الشرق الأدنى وامتزجت بنفوس سكانه، واتخذت لها مواطن تركزت فيها أشهرها حران وإنطاكية والإسكندرية؛ فكأن شيئاً من الثقافة اليونانية كان قد وصل العرب عن طريق انتشار اليهودية والمسيحية في بلاد شبه الجزيرة قبل الإسلام، ولكن الأثر البالغ لهذه الثقافة الإغريقية وصل إلى العرب عند ما انطلقوا من عقالهم والتقوا خارج بلادهم بممثلي هذه الثقافة في مراكزها أو بعبارة أخرى في البؤرات التي تركزت فيها وأشهر الأوساط الثقافية التي كان لها على العرب فضل لا يعدله فضل (الإسكندرية) مدينتنا العظيمة، ففيها اختلط ما كان للإغريق من علم وفلسفة، وهناك امتزجت الفلسفة بالدين امتزاجاً جعل منها ضرباً من ضروب التصوف الفلسفي.
ولا غرابة في ذلك فقد كان معظم المشتغلين بالعلم في العصور الوسطى من رجال الدين وقد لجأ هؤلاء إلى الفلسفة والمنطق يؤيدون بهما تعاليم المسيحية واشتهر النساطرة واليعاقبة من أتباع الكنيسة الشرقية باحتفاظهما بعلوم الأقدمين وفلسفتهم، وهم في واقع الأمر حلقة الاتصال بين العلمي اليوناني وبين العرب.
وكان النساطرة مترجمين لكثير من كتب الفلسفة واللاهوت عن اليونانية إلى اللغة السريانية كما حذقوا الطب والكيمياء وعرفوا بهما في فارس وفي البلاط العباسي.
والعلاقة وثيقة - كما يقول الأستاذ الدكتور بطلر في كتابه (فتح العرب لمصر) - بين لغة السريان وبين العلم.
والظاهر أنه كان لابد لكل من يريد أن يحذق علوم الأقدمين من الإلمام باللغة السريانية أولا، وأن يتتلمذ على أساتذة من النساطرة ثانياً ويهمنا بنوع خاص كمصريين أن نتعرف مقدار ما أفاد العرب من الإسكندرية.
والمؤرخون العرب والسوريون يعتبرون الكاتب والمؤرخ (حنا الأجرومي) أصدق ممثل للحركة العلمية الإسكندرية وآخر رجالها، وإليه وإلى الفيلسوف السفسطائي (اصطفان الإسكندري) وإلى اصطفان الأثيني وهو طبيب مؤلف ومعلق على بعض تصانيف (جالين) الطبيب الإسكندري يرجع الفضل فيما نقل العرب من علوم الإسكندريين وحنين بن اسحق من أكبر الناقلين لعلوم الإسكندرية يذكر لمناسبة نقله لمقالات جالينوس إلى السريانية والعربية أنه قبل الفتح العربي بقليل تضافرت جهود أطباء الإسكندرية على جمع سبعة من مصنفات جالينوس الطبية، أصبحت أساساً للدراسات الطبية في وقت كاد لواء العلم فيه يسقط أو قل سقط بالفعل في مدينة الإسكندرية، اللهم إلا إذا اعتبرنا تلك الاجتماعات التي كانت تعقد ليتذاكر فيها المجتمعون من محبي العلم عامة والطب خاصة بعضاً مما وضع جالينوس، أو بنقلها إلى لغة أخرى من غير كبير تقيد بتعاليم جالينوس نفسه وممن يذكر المؤرخون العرب أنهم اشتركوا في العمل الطبي الكبير في أخريات أيام العلم الإسكندري: حنا فليوتس واسطفان الإسكندري وجسيوس وبلاديوس ومارينوس، الذين علقوا على مؤلفات أبقراط وجالين ومما شهد العرب في الإسكندرية مدرسة فلسفية مسيحية أعقبت المدرسة (الأفلاطونية الحديثة) التي كان يتزعمها (الشيخ اليوناني) أفلوطين الإسكندري كما يصفه الشهرستاني ومن أشهر فلاسفة هذه المدرسة الفلسفية المسيحية الفيلسوف المسيحي السرياني (حنا الأفامي) نسبة إلى أفامية إحدى مدن سوريا الشمالية، والطبيب (سرجيوس الرسعني) المعروف باسم تيودوسيوليس الذي نقل عدداً لا بأس به من مقالات جالينوس إلى اللغة السريانية.
وقد أنتجت هذه المدرسة نفسها الطبيبين المصنفين (بولس الأجانيطي) و (أهرون) وقد أثر عن هذا الأخير كتابه (الفتاوى الطبية) الذي نقل من السريانية إلى العربية وكان له أثره المحسوس في الطب الإسلامي في أوائل عهد العرب بالاشتغال بالعلوم الطبية ومن الطريف أن نعرف كما يقول الأستاذ الدكتور ماكس مايرهوف أن الحجة الذي يحدثنا عن مدرسة الإسكندرية في عصر من عصور اضطراب الإسكندرية وركود حركتها العلمية إنما هو (الفارابي) الفيلسوف العربي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، يقول في كتابه عند ذكر الفلسفة اليونانية وهو كتاب مفقود الآن إلا فقرات منه وعاها كتاب (عيون الأنباء) لابن أبى أصيبعة تفيد أن إمبراطور المسيحيين كان يتدخل في حرية البحث والدراسة ويقصر ما يدرس من علم المنطق في كتب أرسطو على نقط لا تتعدى باب (الأشكال الوجودية) وكان يحرم دراسة ماعدا ذلك لتعارضه مع التعاليم المسيحية.
ولا يهمنا ذلك إلا للدلالة على أن الإسكندرية لم تصبح قبيل الفتح الإسلامي وسطاً صالحاً للدراسة الحرة كما كانت من قبل، بل أصبحت الحركة العلمية فيها وقفاً على رجال الدين؛ ولم يكن من خير العلم أن يتناوله رجال الدين؛ فيخضعونه للدين وسلطانه ويذكر الفارابي أيضاً أن أستاذه المسيحي (يوحنا بن حيلان) رفض أن يعلمه فصولاً بذاتها من علم المنطق لأرسطو كان محظوراً على فلاسفة الإسكندرية في ختام القرن التاسع الميلادي تعليمها إلا حين أبيح ذلك في وقت ما للمسلمين دون سواهم ولا يعزب عن البال أن الحركة العلمية وإن تكن قد فقدت في الإسكندرية مرتعها الخصب فقد وجدت في النسطورية المنتشرة في الشرق الأدنى وتطرقها إلى جوف الإمبراطورية الساسانية ما أيقظ في الناس هناك رغبة صادقة في العلم في شكله الهليني السرياني ويعرف التاريخ أنا الإمبراطور (زينو) كان قد أمر بتحطيم مدرسة علمية نسطورية عام 489م كانت مزدهرة في (أودسا) فأعقبتها على الأثر مدرسة قامت في (نصيبين) ببلاد الفرس.
ونرى أنه قامت بجند يسابور بإقليم خوزستان بفارس أيضاً مدرسة طبية ذات بال ظلت حتى القرن التاسع الميلادي، وفيها تخرج كثير من الأطباء الذين خدموا بلاط الخليفة العباسي ببغداد وجلهم من المسيحيين.
ويهمنا ذلك للدلالة على أن النساطرة كانوا على أقل تقدير منذ القرن الخامس الميلادي يشتغلون بالعلم وبالطب خاصة في أودسا ونصيبين وجنديسابور من أعمال فارس فلم بكن غريباً أن يكونوا حلقة الاتصال بين علم الإسكندرية والعرب فيكون منهم نقلة هذا العلم والحفظة عليه في عصر عصفت فيه أنواء الاضطراب فهددت الثروة العلمية الهيلينية بالزوال ويحدثنا الأستاذ ماكس مايرهوف عن وثائق قيمة يتضمنها كتاب تاريخ الحكماء لابن أبي أصيبعة وأصلها عن كتاب لأبي نصر محمد الفارابي مفقود تتضمن (أنه بعد خضوع الإسكندرية للإسلام انتقل مركز الثقافة منها إلى (إنطاكية) وهناك استقر طويلا حتى قضى معظم أساتذة العلم نحبهم غير رجلين هجرا إنطاكية يحملان ما اقتنيا من كتب، أحدهما من (حران) في أعالي أرض الجزيرة، والثاني من (مرو) في بلاد العجم.
وكانا من تلاميذ (المروزي) هذا إبراهيم المروزى ويوحنا بن حيلان.
أما تلاميذ (الحراني) فكان منهم القس (إسرائيل) و (الكويري) وهذا الاسم الأخير تحريف للاسم السريانى كيوريه اوقيرس وقد أفادت بغداد من علم الكويري والقس إسرائيل وحنا بن حبلان ما أفادت وانتفع بلاط العباسيين بطب هؤلاء، وأخذت عن هذا وذاك الثقافة الإسلامية ما أخذت عن طب القدماء وفلسفتهم. وكان انتقال مركز العلم من الإسكندرية مستقر العلم الهليني اليوناني إلى إنطاكية في خلافة عمر بن عبد العزيز ومن إنطاكية إلى حران في خلافة المتوكل العباسي.
وانتهى العلم في زمن المعتضد إلى عالمين هما (الكويري) و (يوحنا بن حيلان) الذي مات ببغداد في خلافة المقتدر، وعن هؤلاء انتقل إلى (إبراهيم المروزي) و (محمد بن كرنيب) وأبى بشر متي بن يونس وهما تلميذان لإبراهيم المروزي.
وينسب إلى متي هذا إنه علق على كتب أرسطو في علم المنطق.
وبوفاة متي هذا ببغداد في خلافة (الراضي) انتقلت الفلسفة العربية إلى أبي نصر محمد بن محمد الفارابي أحد تلاميذ حنا بن حيلان وهو أشهر من يرجع إليهم في المسائل الفلسفية من العرب والذي لم يكن ينافسه غير مسيحي واحد هو (أبو زكريا يحيى بن عدي) ولقد سبق أن عرفنا أن دراسة الفلسفة اليونانية على الشكل الذي انتهت إليه في الإسكندرية هاجرت إلى (حران) مغادرة إنطاكية؛ وغدت حران بذلك وسطا لدراسة الفلسفة اليونانية، وعلم النجوم كما عرفه اليونانيون ولاسيما وقد صادفت هذه الناحية من نواحي الدراسة في حران فئة (الصائبة) من عبدة النجوم فوجدوا فيها مرتعاً ووجدت فيهم تلاميذ مخلصين.
وهنا في حران نشأ بعض أعاظم فلكيي العرب أمثال (ثابت بن قرة) والبتاني وغيرهما وقد تجلت العقلية العربية الهاضمة بكل مزاياها ومميزاتها في حركة النقل الكبرى في عصر المأمون فترجمت إلى العربية أشهر الكتب في كل ناحية من نواحي الثقافة.
ويمكننا أن نعتبر هذه الثروة الفكرية الهائلة التي نجمت عن هذه الحركة أساس الثقافة الإسلامية كلها، وهي ثقافة متشعبة الأصول واسعة الأطراف يحتاج الإلمام بفكرة إجمالية عنها إلى مقال خاص ولا غنى لطالب الثقافة الإسلامية عن الإلمام بالنواحي المختلفة التي شملتها هذه الثقافة وبعضها فكري بحت والبعض مادي له اتصال وثيق بالحضارة.
وهذا الجانب المادي في اعتبارنا هو الطابع الجديد الذي طبعه العرب على وجه العالم منذ القرن السابع الميلادي حتى العصر الذي فشت فيه المدنية الأوربية بما استصحبت من ذوق جديد شغف العالم به فكان قاضياً على كثير من نواحي الحضارة الإسلامية، فحب الإيرانيين وشغفهم بتقليد الأوربيين في زمن الدولة الصفوية في القرن السادس عشر طبع التصوير الفارسي وهو مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية بطابع أوربي أفقده مميزاته الأساسية التي هي سر جماله وسحره، وانتشار الطراز الأوربي في البناء قضى في مصر مثلاً على الطراز التركي العثماني وهو آخر مدرسة من مدارس العمارة الإسلامية ولعل هذه العناية التي بدت من جانب وزارة المعارف لإحياء الثقافة الإسلامية لا تكون قاصرة على إحياء الجانب الفكري منها، بل لعلها تتناول الجانب المادي أيضاً منها، فيعود إلى الحياة طراز إسلامي في البناء تتسم به مصر الإسلامية وينبعث منها إلى البلاد الإسلامية المجاورة، وتعنى مصانع النسج بإخراج أقمشة ذات أنماط فارسية بارعة الجمال كالتي عرفناها في دراساتنا.
وتتمتع بلادنا بمركزها الجغرافي بمكانة طالما أدت بها أجل الخدمات كوسيط بين الشرق والغرب.
وقد أغرم الغرب يوماً ما بفنون الشرق والغرب.
وقد أغرم الغرب يوماً ما بفنون الشرق وحضارته وكان ناقلاً عنه بإعجاب شديد.
ويعي تاريخ الفنون كثيراً من المعلومات عما كان بالبندقية في القرن السادس عشر من مدارس فنية مهمتها تقليد التحف النحاسية الشرقية والخزف الشرقي وما كان لصقلية من (طراز) أو مصانع النسج التي كانت تخرج منتجاتها محاكية الأنماط المصرية والفارسية محاكاة تدعو إلى كثير من الاغتباط والإعجاب ولنا في موضوع الثقافة الإسلامية جولات مستقبلة إن شاء الله نتناول في إيجاز حركة النقل ونشوء المدارس والجمعيات العلمية الإسلامية في مقالنا التالي (دار الآثار العربية) إبراهيم جمعة خريج معهد الدراسات العليا للآثار الإسلامية بدرجة الشرف

شارك الخبر

المرئيات-١