أرشيف المقالات

حول أصل قاسم أمين

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للأستاذ محمد حسن البرازي قرأت في العدد رقم 255 من الرسالة الغراء مقالة الأستاذ الجليل الذي أجهل أسمه - فهو لا يوقع أسمه - وأقر بفضله وأعجب بأدبه وسعة معارفه ودقة ملاحظاته.
وعنوانها (قاسم أمين، هل كان كردياً؟) وكنت أطلعت قبل ذلك على قصيدة الأستاذ الجارم بك أما بيت القصيدة الذي يشير إلى أصل قاسم أمين الكردي: يا فتى الكرد، كم بززت رجالاً ...
من صميم الحمى ومن أعرابه فقد كنت، شأن الأستاذ الجليل، استعجبت منه ومن قائله؛ ولكن عجبي قد يختلف عن عجب الأستاذ بعض الاختلاف. تعجبت من هذا القول، بل استنكرته، لأن فيه استخفافاً بقوم من الأقوام، فكأن الأستاذ الجارم سامحه الله يقول في بيته: (على الرغم من أنك كردي، أيها القاسم الأمين، فقد فقت العرب، وعلى الرغم من أنك غريب فقد سبقت أهل البلاد). إنني لا أدري إذا كان قاسم أمين كردي الأصل حقاً أم عربياً.
ولكني أستفظع أن ينقص أصله لأنه كردي.
فالكرد ليسوا من حيث المواهب والمؤهلات دون غيرهم من الشعوب.
ولئن كنت أسلم مع الأستاذ الجليل ويسلم كل رجل يدين بالديمقراطية ويخضع لسلطان العقل والعلم، بأن (المرء بفضله لا بأصله) وأن (الإنسان - كما قال بديع الزمان - من حيث يوجد لا من حيث يولد).
بيد أني لا أرى مجالاً لهذا الاستشهاد بصدد أصل قاسم أمين، لأنه ليس يزري بقاسم أمين أن يكون كردياً لا من حيث العلم والفضل، بل من حيث المنبت والأصل. فهل طيب الأرومة وكرم العنصر وقف على قوم دون قوم وعرق دون عرق؟ إنني كما ينتقد الأستاذ الجليل من يقول من أبناء فرنسا مباهياً (أنا فرنسي، أنا ابن الغول) آخذ أيضاً على كل من يقول من المتكلمين بالعربية: (أنا عربي أنا من نسل قحطان أو عدنان) بمعرض المفاخرة على غيره من أبناء العربية المستعربين، أكراداً كانوا بالنسب، أم شراكسة، ألباناً أم صقليين. إنها العصبية تسربت إلى الأستاذ الجارم في بيته (يا فتى الكرد) والعصبية نزعة قديمة بعثت حديثاً في بعض البلاد، كافحتها في القديم الأديان السماوية العالمية كالإسلام، والنصرانية، وتحاربها الآن جميع المذاهب التي ترمي إلى التقريب بين بني الإنسان وإحلال الوئام والسلام محل البغضاء والخصام لقد كانت العصبية في الجاهلية مبدأ سائداً تقوم عليه الحياة الاجتماعية والسياسية فقد كانت الوحدة القبلية قبل الإسلام شبيهة بالرابطة تجمع بين أفراد الدولة الواحدة في عهدنا هذا.
وقد بعثت العصبية من جديد في عهد بني أمية، بالرغم من مخالفتها روح الإسلام لغاية سياسية، خلاصتها دعم العرش الأموي ومقاومة خصوم الأمويين من آل البيت الذين كان أكثر دعاتهم وأقوى أنصارهم من غير العرب وجلهم من الفرس والأكراد. اضمحلت العصبية بعد بني أمية.
ولم يعد لها أثر يذكر إلا في الأدب العربي.
وخاصة في الشعر لأسباب لا محل لتفصيلها الآن أجلها تقليد الأوائل ولا سيما الجاهليين ولئن قامت في بعض البلاد الأوربية نزعات ومذاهب تشبه العصبية العربية كالقومية.
في ألمانيا فهي تبرر عند أربابها على الأقل بأسباب حيوية لا نظير لها في البلاد العربية - ما خلا فلسطين التي نزلت بها من الصهيونية نازلة خاصة - فقد يكون للألمان بعض العذر بأن يتسلحوا بالقومية لمناوأة اليهود.
لأن اليهود يتظاهرون في كل بلد يقيمون فيه بأنهم من صميم أهله في حين أنهم رغم السنين والقرون تمر عليهم، ورغم ما يفيدون من البلاد التي تلقتهم وآباءهم قبلهم من حقوق سياسية ومدنية يظلون يهوداً قومياً وعاطفياً تجمعهم جامعة قومية يهودية، ويبقون أمة داخل أمة.
على أن العصبية أو القومية - أنى كانت وفي أي زمن وجدت - إذ تتخذ شكل رجحان عرق على عرق وجنس على جنس، ممقوتة ظالمة، خاطئة تنقضها الفكرة الحرة ويفندها العلم وتستنكرها المثل العليا الإنسانية. لقد قام الإسلام الذي يدين به أكثر العرب على أساس غير قومي، فدين الإسلام كما قلنا فيما تقدم عالمي لا قومي، ومحمد (ص) لم يرسل للعرب وحدهم بل أرسل للبشر عامة، ولا فضل في نظر صاحب الرسالة (لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى).
ولكم نهى النبي (ص) عن العصبية بالتصريح، فقال (ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية). فاستحقار الأقوام غير العربية بالنسبة للعرب لا يقره إذن الإسلام الذي رفع من شأن العرب وأكسبهم مجدهم الخالد. وفي نظر علماء الاجتماع والمتشرعين ما خلا الألمان لا تقوم الأمة على العرق والجنس، بل عن ما يكون الأمة حقاً الآن بعد أن ضعفت الرابطة الدينية، ولم يعد الدين العنصر المؤلف للأمم، هو الرضاء والرغبة في العيش عيشة مشتركة في الحاضر، مضافة إلى ذكريات ماضية مشتركة، وآمال مستقبلة واحدة (نظرية رنان) إذن فلا الإسلام يقر مبدأ القومية وتفوق قوم على قوم أو جنس على جنس، ولا العلم الحديث والمثل العليا الإنسانية تؤيد هذا المبدأ وهذه النظرية ولئن كنا نستنكر ادعاء فئة من الغربيين تفوق العرق الآري - والكرد آريون - على العرق السامي، فأننا نأنف أيضاً من الاعتقاد يرجحان السامي على الآري.
فاستحقار الأقوام غير العربية بالنسبة للعرب لا يقره الإسلام الذي رفع من قدر العرب وأكسبهم مجدهم الخالد، ولا يقبله العلم، ولا يرضى عنه الشعور الإنساني.
بل أن فكرة الوحدة العربية التي تعلق عليها الأمم العربية آمالها لتحرر وتقوي وتستعيد مجدها الغابر، لا يمكن أن تتخذ العصبية أو القومية لها سلماً.
وليس من العقل والحكمة في شيء أن يلهج بصددها بفكرة الجنس والعرق لأن الأقوام الآهلة بها البلاد الناطقة بالضاد مؤلفة من شتيت من الأجناس والأعراق.
فالرابطة التي توحد بين أفراد كل أمة من هذه الأمم العربية ليست العصبية أو القومية، والجامعة التي تقرب بين الدول والأقطار العربية لا يمكن أن تكون آصرة جنسية، بل أنها رابطة سياسية عاطفية، قائمة على الإرادة والشعور والمصلحة أردت من عرض هذه الفكرة أو التذكير بها - لأنها ليست مجهولة - أن أؤيد ما جاء به الأستاذ الجليل من تفنيد التفريق بين أفراد الأمة الواحدة بحسب أصولهم، وأبين الخطأ في النظر - لقاسم أمين إذا عد كردياً - ولكل من يحسب غير عربي من أشباهه كرجل خامل بنسبه وإن كان نابهاً بحسبه. فليس يضر القاسم الأمين رحمه الله أو غيره من رجال الأمم العربية أن يكون أصله كردياً، بعد أن كان أمثال صلاح الدين بطل الشرق والإسلام والعرب، وكثير ممن تلاه من الملوك الأيوبيين ذوي الفضل العميم على مصر والشام أكراداً؛ بل له الفخر كل الفخر إذا جاز لإنسان أن يفخر بأصله بجانب فضله أن يمت بالنسب إلى قوم أخرجوا أمثال هؤلاء الرجال وأشباه أولئك الأبطال الذين ما زال تاريخ العرب والإسلام والإنسانية يباهي بعظمتهم وعبقريتهم. هذا وإني على يقين من أن الأستاذ العالم الجارم لم يقل البيت الذي حملنا على كتابة هذه الكلمة عن عصبيته، أو إيمان بمذهب (القومية) بل اعتقادي أنه نظم هذا البيت من قصيدته تأثراً من نغمة طالما سمعها في شعر العرب، وتلذذاً من حيث لا يشعر بالطباق بين العجم (أو الكرد) والأعراب.
وقصيدة شاعرنا اللغوي النحوي في جلالة الملك فاروق سليل الأسرة العلوية الألبانية الأصل التي حبت مصر مجداً طريفاً يضاف إلى مجدها التالد، دليل على أن العرب العاربة والعرب المستعربة في نظره سواء. دمشق محمد محسن البرازي دكتور في الحقوق وأستاذ في الجامعة السورية

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١