أرشيف المقالات

عبرة الهجرة

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 للإمام المسلمين الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر يذكرنا كر الغداة ومر العشيّ وما فيهما من نُعمى وبؤسى، وشدة ورخاء، وإقبال وإدبار - تقلب الأحوال وتبدلها في هذه الحياة.
ويذكر كل أحد من الخلق بطي صحيفة من صحف الأجل، وبالخاتمة التي لا معدى عنها، وفي ذلك عبرة.
(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) ويذكرنا العام الهجري خاصة بأكبر حادث في تاريخ الإسلام له أجمل الأثر في انتصاره، وفيه أكمل عبرة: شريف من أشراف قومه، وقومه من أشرف الأقوام؛ ورجل قوي الخلق، حلو الشمائل، فصيح اللسان، قوي البنيان، كامل الإنسانية، مهذب الطبع، رضي النفس، شجاع مؤيد بالوحي الإلهي وبقوة الحق - ينبو به وطنه ومكان مولده، فيهجر أرضاً حلت فيها تمائمه، ويفارق دياراً عرفها وعرفته، ومشاهد حلت لنفسه واتصلت بها، وأهلا وإخواناً أعزاء رجل هذه صفاته، وتلك مكانته، يضيق لها صدر القوم، ويتنكر له الناس، ويكيدون له حتى يخرجوه! رجل هذه صفاته، يفارق دياره وأهله؛ ولو لم يكن صاحب دعوة إلى الحق والى غير ما ألفه الناس وأخذوه عن الآباء والأجداد، لكن المحبب إلى النفوس، والمرموق بالأبصار، والمفدى بالأهل والولد.
لكن الحق أزعج الباطل فلم يطق صبراً، ودفع أهله إلى قتله أو إخراجه؛ (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين)؛ وغطى على القلوب فأفسد على العقل ملكة التقدير (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا، ولو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين) هذا موضع العبرة وليس من غرضنا أن نلم بتاريخ الهجرة وما لابسها، فذلك معروف في السير، كذلك ما لاقاه النبي ﷺ، وما أصاب صحبه المتقين من جهد البلاء، وجهل الجهلاء، وكيد الكائدين، لا يغيب أكثره عن أكثر المسلمين الأجسام الإنسانية معرضة للأمراض كسائر الكائنات الحية؛ وقد تعطل الأمراض وظائف الأعضاء أو تضعضعها.
ومن الأمراض ما هو خاص ببعض البلاد أو بعض البيئات.
وحال النفوس الإنسانية لا يختلف عن الجسوم: تصاب بالجهل، وبالعناد، وبالغرور، وبالحرص على لذات الدنيا من مال وثراء وجاه وعزة، وبالحقد على أصحاب النعم موروثة ومكتسبة، وبحب الانتقام والإسراف فيه، وبحب ما هو موروث عن الآباء والأجداد من مال وعقار وصفات وخلال وعقائد وتقاليد مثل هذه النفوس المريضة لا يسهل تحولها من الشر إلى الخير، ولا يسهل قبولها الحق وهي بحاجة إلى داع قوي بصبره، قوي بحجته، فيه من المناعة الخلقية ما يقوى به على احتمال الأذى والمكروه في نفسه وذويه، وعلى احتمال ما يرمي به مما يستفز الحليم، ويستنفد صبر الكريم، ويعجب له الرجل العادي، وبعده ضعيف الطبع شذوذاً وخروجاً عن المألوف.
تجمعت هذه الأمراض في قريش فاستعصى العلاج وتحير الحق، ولم يكن أمامه إلا أن يخلد إلى الذلة والاستكانة، أو يفر بنفسه من عنت الباطل إلى أن يجد السبيل ويعد العدة لمنازلته؛ فليست هذه البيئة مما ينفذ إليها ضياء الحق بالدليل والحجة، بل هي في حاجة إلى السيف يضرب الرقاب ويفلق الهام، والى أسنة الرماح تصل إلى القلوب فتشعرها بوجوب التنبه والإصغاء إلى صوت الحق.
تلك أسباب الهجرة.
وقد ترك النبي ﷺ هذه البيئة الموبوءة خوف أن يختنق الحق في مهده، ورجاء أن يجد له متنفساً في أرض حرة تحضنه، وأن يجد له قوة تعينه، حتى يحين الأجل المضروب، ولكل أجل كتاب هاجر وتم له ما أراد، إذ فتح الله له فتحاً مبينا وأعز دينه وأعلى كلمته ونصر جنده، ودانت له تلك القبائل التي ناصبته العداء، ولم يرض إلا بعد أن رضي الحق وانتصر، وبعد أن انتصر غفر.
فهو خادم الحق وأمينه، وناصره ومعينه، لا يرى أن نفسه له، ولا أن أهله له، ولا أن شيئاً في الحياة له، بل كل شيء عنده وفي مقدوره للحق وفي سبيل الحق.
ولم يكن السيف في يده إلا مشرط الجراح يبتر به ما فسد من الأعضاء، ولم تكن الأسنة إلا الإبر التي يبزل بها الطبيب مكان الداء ليخرج أذاه.
وليس بدعاً من الحوادث حادث الهجرة وما لابسه إذا عرض على مقاييس العقول واعتبر الناس بسنن الاجتماع وهديه.
ولا تزال هذه السنن مستمرة في هذه الحياة؛ ولا زالت تعمل عملها وتحدث أثرها.
والعاقل من يعتبر.
(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) وقد سار النبي ﷺ على هذه السنن، وامتاز بأكمل ما امتاز به الأنبياء وكبار الدعاة إلى الحق من اليقظة والحكمة، وتخير الأوقات والأمكنة، واختيار الأصحاب والأنصار.
ولم ير الاكتفاء بالحجة والبرهان في مواضع لا تنفع فيها الحجة ولا يقنع البرهان، بل أعمل الحيلة وأدار الرأي وطلب القوة في مظانها.
لذلك كانت الهجرة، وبذلك أدرك ما أراد.
فظهر الإسلام وبسط ظله على أمم قوية كثيرة العدد والعُدد، وحول أولئك الأميين إلى أئمة هدى وولاة عدل وفقهاء نفس وساسة يفخر التاريخ بهم، وعلماء تروى آثارهم ويتحدث الناس بطيب أخبارهم، وأساة للإنسانية وجروحها تتفجر منهم ينابيع الرحمة ويضعون نظم الإصلاح وقواعد الاجتماع.
رفعوا قدر العلم بعد أن أنكروه، وجعلوا العقل هادياً ومرشداً، والقرآن إماماً.
لم يخونوا أمانات الله ورسوله فأحياهم الله حياة طيبة، وأعد لهم مكان صدق عند مليك مقتدر (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون.
يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون)
محمد مصطفى المراغي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١