أرشيف المقالات

من أسرار آية: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}

مدة قراءة المادة : 3 دقائق .
2من الأسرار في قوله تعالى ﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴾ [الإسراء: 106]
كان من اعتراضات قريش ومقترحاتهم الدالة على شِرَادِهم عن الحق، وتجافيهم عن الإنصاف - أن قالوا: هلا أنزل القرآن على محمد جملةً واحدة شأن الكتب قبله! جاهلين أو متجاهلين أن تنجيمه وتفريقه خلال نيف وعشرين عامًا أثبت للقلب، وأرسخ للعلم، وأدعى للوعي والحفظ، وأدوم للحجة والإعجاز، وأشيع للحكم والأحكام، وأشع للهدى والنور العام.   إن ذلك قليل من كثير من بدائع الأسرار في تفاريق الذكر أثناء البعثة المحمدية، ولا نريد أن نطيل القول فيما هو منثور ومشهور في كتب التفسير وعلوم القرآن.   والذي نحسبه جديدًا في هذا المقال هو كشف الستار عن صنف آخر من صنوف الإعجاز، لا نعلم أن أحدًا من الكاتبين عرّج عليه أو حام حوله.   ذلك أن مخالفة ترتيب المصحف لترتيب النزول من القضايا الأولية في تاريخ التنزيل، كانت الآيات والسور تنزل طبقًا للمناسبات والحوادث والملابسات والأحوال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوقف أصحابه حين الكتابة والحفظ على ترتيب السور والآي، وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، حتى إذا كانت السنة الأخيرة من حياته الشريفة، عرضه مرتين على الترتيب الذي نعرفه اليوم، فلم ينتقل صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى حتى كان القرآن كله محفوظًا في الصدور، مكتوبًا في السطور، إلا أنه لم يكن مجموعًا في مصحف واحد كما جمعه عثمان رضي الله عنه.   خلص لنا أن ترتيب التلاوة والمصحف لم يكن على نسق التنزيل، فما هي الحكمة يا ترى؟ لعلها - والله أعلم بأسرار كتابه - الإشارة إلى أنه معجز في ترتيله وتنسيقه مجملاً، كما كان معجزًا في تفريقه وتنزيله مفصلاً؛ وإلى أن العبرة - كما يقول العلماء - بعموم اللفظ والدلائل، لا بخصوص السبب والنوازل؛ ومن أجل ذلك لا يعنى الكتاب الكريم بتسجيل الأسماء وتأريخ الحوادث إلا حيث العبرة البليغة، والحكمة العالية؛ ذلك بأنه إنما نزل هدى للمتقين، وتذكرة للعالمين، ولقد كنا نحسب أن أحدًا لم يتنبه قبلنا إلى هذا السر العجيب، وإذا نحن أثناء تصفح إعجاز القرآن للرافعي - رحمه الله - نقرأ كلمة في هذا المعنى في بحث تناسب الآيات والسور، لا ندري أهو أبو عذرها[1]، أم سُبق بها؟ إلا أننا أحببنا أن نختم بها المقال على أي حال.   السنة 8 - عدد 8- 15 ربيع الآخر سنة 1361هـ - أول مايو سنة 1942م


[1] العذر البكارة ؛ وهو مثل لمن لم يسبق بالشيء.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢