أرشيف المقالات

الفلسفة الشرقية

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
8 بحوث تحليلية للدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين - 26 - الفلسفة الصينية العصر المنهجي - كونفيشيوس حياته ليست كلمة (كونفيشيوس) هي الاسم الصيني الصحيح لهذا الحكيم، وإنما هو تركيب (لَتَّنَهُ) الأوربيون كما اقتضت طبيعة لغاتهم إذ أصلها (كونج فوتسيه).
فأما (كونج) فهو اسم الأسرة، وأما (فووتسيه) فمعناها الأستاذ المبجل ولد هذا الحكيم في مدينة (تسيئو) سنة 551 قبل المسيح من إحدى الأسر الملكية الماجدة التي أثبت تاريخ دوحات الأسر العريقة أنها تصعد إلى عهد أسرة (تشو) في القرن الحادي عشر قبل المسيح، وأن رئيس هذه الأسرة في ذلك العهد الغابر الذي سبق مولد (كونفيشيوس) بأكثر من خمسة قرون كان يدعى دوق (دي سونج) تزوج (شوليانج - هي) والد حكيمنا للمرة الأولى وعاش مع زوجته زمناً طويلاً دون أن يرزق بولد، وكان إذ ذاك حاكماً على مدينة (تسيئو) فلما بلغ من العمر سبعين سنة تزوج مرة ثانية فرزق هذا الحكيم الذي منت به السماء على الصين، ليحفظ تراثها الغابر، ويبعث مجدها الدائر، ويسطع في سماء مستقبلها سطوعاً يسجل اسمها بين أسماء الأمم الخالدة؛ ولكنه لم يكد يبلغ العام الثالث حتى توفي والده وترك الأسرة في حالة من الضنك يرثى لها، بيد أن مجد الأسرة وسمعتها الأدبية ساعداها على تربية هذا الطفل وتثقيفه كما يتثقف أبناء طبقتها من الأثرياء، وقد كونت هذه التربية العالية (كونفيشيوس) تكويناً قيماً كان أساس تلك الفلسفة الباه لا يعرف التاريخ عن حياته الخاصة أكثر من أنه متزوج في التاسعة عشرة من عمره، وأنه لم يكن موفقاً في زواجه، ففارق زوجته بعد بضعة أعوام من تاريخ الزواج، ولكنه أعقب منها غلاماً وفتاة زوجها فيما بعد لأحد تلاميذه الأوفياء، وأنه بعد زواجه بزمن يسير عين مراقباً في إحدى إدارات الزراعة فكان هذا التعيين ثقيلاً على نفسه، لأنه كان يراه من ناحية غير متناسب مع سمو مكانته، وكان من ناحية ثانية متنافياً مع مواهبه وثقافته، ولكن ضرورة البأساء قد ألجأته إلى قبوله فقبله على مضض؛ ثم ظل يتحرق إلى مهنة التعليم التي كان يعتقد أنه خلق لأجلها، فلما حيل بينه وبينها أخذ يقوم بها في أسرته، وأخيراً عين أستاذاً في مدينة (لُو) حيث كرس مجهوداته كلها للعلم والتعليم والبحث وراء الحقيقة، ونشر الفضائل الأخلاقية.
وكان منزله أرقى ناد في المدينة يجتمع فيه أجل الشبان المهذبين الراغبين في العلم والأخلاق والتقدم الاجتماعي؛ وكان جميع المهذبين من شيوخ وشبان مفتونين بما حواه رأس هذا الحكيم الشاب من معارف سامية.
وفي الحق أن رأيه كان موسوعة لعلوم عصره وفنون زمنه.
وإليك ما يصف به نفسه في كتاب (لون - يو): (في الخامسة عشرة كنت أفرغ كل عنايتي في الدراسة، وفي الثلاثين كنت أسير بخطى أكيدة وحازمة فوق صراط الفضيلة، وفي الأربعين لم يكن لدي أي ريب، وفي الخمسين كنت أحيط علماً بناموس السماء، وفي الستين كنت أفهم كل ما تسمعه أذني، وفي السبعين كانت كل رغبات قلبي متجهة إلى عدم مخالفة أية قاعدة أخلاقية) في سنة 525 قبل المسيح ارتحل إلى (لو) مدينة (لاهو - تسيه) ليكمل معارفه بالاطلاع على محفوظات الدار الملكية كما أشرنا إلى ذلك آنفاً؛ وبعد أن أقام بهذه المدينة سنة عاد إلى بلده.
وفي سنة 516 شبت حرب أهلية بين كبار الملاك في مقاطعته، فغادرها إلى مقاطعة أخرى، فاستقبله رئيسها أعظم استقبال، وأخذ يستنصحه في كثير من نواحي الحياة، ولكنه لم يتبع نصائحه في حياته العملية، فلما قدم إليه المال رفضه الحكيم قائلاً: (إن الرجل الفاضل لا يتسلم من المال إلا بقدر ما يقوم به من الأعمال، وإني قدمت إلى الأمير نصائح فلم يعمل بها، فإذا حسب بعد ذلك أنني سأقبل ماله فهو بعيد عن فهمي) وبعد إقامته خمسة عشر عاماً في هذه المقاطعة عاد إلى بلاده، وكانت المياه فيها قد رجعت إلى مجاريها، وهناك عين مديراً أعلى لمدينة (تشونج - تو) فمكنه هذا التعيين الجديد من أن يخرج مبادئه إلى حيز العمل وأن يحقق أفكاره العمرانية الراقية.
إذا صدقنا ما يقوله أحد معاصريه المؤرخين، جزمنا بأن عصره كان عصر إعجاز في النجاح الإداري.
فالرقي الذي ظهر في تلك المدينة والسلوك الأخلاقي الذي استحدث فيها جعلا أمراء المدن الأخرى يتخذونها نموذجاً لمدنهم، بل إن دوق مدينة (لو) سأل (كونفيشيوس) عما إذا كان من الممكن تطبيق قواعد إدارته على جميع مدن الدولة، فلما أجاب بالإيجاب عينه الدوق نائباً للسكرتير العام للدولة ثم وزيراً للحقانية فلم يكد يتولاها حتى انقطعت جميع الجرائم وتعطل تطبيق قانون العقوبات تعطيلاً تاماً، لأنه لم يعد في الدولة جانون يطبق عليهم لا ريب أن في هذا شيئاً من المبالغة، ولكن الذي لاشك فيه هو أن البلاد قد قطعت في عهد إدارة (كونفيشيوس) شوطاً بعيداً في التقدم الأخلاقي والعمراني والسياسي، وأن هذا الحكيم قد أعاد إليها صورة العصر الذهبي وأشعرها من جديد بالرخاء والسعادة.
وبمعاونة صديقيه (تسيه لو) و (تسيه يو) اللذين كانا يشغلان وظيفتين عاليتين من وظائف الدولة قد تمكن من تقوية سلطة الأمراء وإضعاف قوة الأسر المتمردة فاستتب الأمن وسادت السكينة في البلاد غير أن هذه النعمة لم تدم طويلاً، إذ لم يكد حكيمنا يصل إلى أوج الشهرة الحقة حتى حسده جماعة من معاصريه وهيأوا للدوق أسباب اللذة؛ فلما أفرط فيها أصم أذنيه عن سماع نصائح (كونفيشيوس) فهدده هذا بالاستعفاء إن لم يستقم ويُعْنَ بمرافق الدولة.
فلما أصر الدوق على عناده لم يسع الحكيم إلا اعتزال الخدمة، وقد فعل، فاستقال في سنة 496 ومنذ هذا التاريخ أخذ (كونفيشيوس) يرتحل من بلد إلى بلد حتى آخر حياته دون أن يقيم في بلد أكثر من ثلاثة أعوام، وكان يستقبل في كل مكان بالإجلال والإعظام، ولكن لم يتبع نصيحته أي ملك، بل كثيراً ما تعرضت حياته للخطر، وكان قلبه من أجل ذلك مفعماً بالمرارة والحزن في جميع أسفاره التي كان لا يرافقه فيها إلا تلاميذه المخلصون والتي أذاقته من التشاؤم واليأس ما دفعه يوماً إلى أن يسائل نفسه قائلاً: (هل أنا إذن، يقطينة مرة لا يستطيع أحد من بني الإنسان أن يذوقها) بعد أن أنهكته هذه الأسفار المختلفة ألقى عصا التسيار في مدينة (لو) وكانت سنه إذ ذاك تسعة وستين عاماً فاستقبله دوقها الجديد بكل ترحاب وإجلال، ولكنه نهج نهج أسلافه فلم يتبع نصائح الحكيم في أي شأن من شؤون الدولة، فلم يكن ذلك جديداً على نفس (كونفيشيوس) ولكن الذي حطم قلبه في هذه الشيخوخة هو أنه رأى بعينيه الفانيتين موت ابنه الوحيد وتلميذيه المختارين (هُوِي) و (تسيه - لو).
فلما حلت به هذه الكارثة أحالت الدنيا في نظره ظلاماً، ولكنها لم تقعده عن واجبه في الحياة، فكرس الشهور الأخيرة من حياته لجمع ونسخ الكتب القديمة المقدسة التي أشرنا إليها في حديثنا عن مصادر الفلسفة الصينية وأخيراً هوى هذا الكوكب في اليوم الحادي عشر من الشهر الرابع من سنة 478 قبل المسيح بعد مرض لم يدم إلا أحد عشر يوماً كونفيشيوس وجد حقاً كتب أحد المؤلفين الإنجليز وهو: (هـ.
ج.
ألين) كتاباً سخيفاً بعنوان (كونفيشيوس أسطورة) عانى فيه عَرَقَ القِرْبة كما يقول العرب لإنكار (كونفيشيوس) ومحاولة تصويره في صورة الأساطير الخيالية.
ولست أحب أن أرد على هذا المتعالم الإنجليزي بأحسن من تعليق الأستاذ (زانكير) الذي اقتطف منه ما يلي: (في ذلك العصر المحزن أي الربع الأخير من القرن التاسع عشر الذي كان الناس يظنون فيه أن العلم ينحصر في الإنكار والشك في الحوادث والشخصيات التاريخية الثابتة، فأنكروا (لاهو - تسيه) و (بوذا) والمسيح.
في ذلك العصر الأسيف هب إنجليزي خامل، بنية إنشاء الضجيج حول اسمه الذي لولا هذا الإنكار لما ذكره أحد، فزعم أن (كونفيشيوس) أسطورة من الأساطير، ولكن إذا كان ينبغي لنا أن نشك في وجود حكيم (تو) فلست أدري لماذا نحن نؤمن بوجود (سقراط) و (يوليوس قيصر) و (شارلمان) بل، ولكي لا ننسى الإنجليز في ردنا نقول لهذا الزاعم أيضاً: وكذلك يجب أن نؤمن بوجود (غليوم الفاتح)، وأظن أنه ليس لدينا من الأسباب ما يحملنا على إنكار واحد من هؤلاء ولكن لحسن الحظ قد بدأ العقلاء يعدلون عن النظر إلى هذا النوع من العلم نظرة جدية أما الذي لا يقبل الريبة بحال: فهو أن (كونفيشيوس) - بالرغم من قلة مصادرنا العلمية عنه - قد وجد وجوداً حقيقياً لأن تلاميذه ومعاصريه قد أعطونا عنه صوراً مادية وأخلاقية أمينة أخلاقه الشخصية إن أهم ما اشتهر به هذا الحكيم من أخلاق سامية هو الهدوء الذي لا حد له؛ إذ حدثنا تلاميذه أنه لا الظلم المروع، ولا الألم المبرح، ولا الخطر المميت، كانت تهزه أو تحدث في نفسه أقل اضطراب.
ومن هذه الأخلاق أيضاً ما يروونه لنا عن وداعته الفائقة، وتواضعه المنقطع النظير الذي يصفه لنا هو شخصياً فيقول: (كيف أستطيع أن أشبه نفعي بالحكيم أو بالرجل الذي يعمل للفضيلة؟! إن كل ما أستطيع أن أقوله عن نفسي: هو أنني أقهرها على محاولة مساواتهما بدون ملل، وعلى تعليم الآخرين دون انفكاك) ومع ذلك فقد كان عنده ثقة عظيمة في نفسه وفي رسالته الأخلاقية، غير أنه كما أن تواضعه لم يهنه أمام من هم أقوى منه، كذلك ثقته بنفسه لم تدفعه إلى الكبرياء على من هم دونه ومن محامده الجليلة أنه لم يسمح يوماً لعاطفته أن تتعدى حدودها المرسومة لها في أي ناحية من نواحي حياته العلمية أو العقلية حتى قيل عنه: إن التفكير العاطفي لم يجد له مكاناً قط بين تعقلاته.
وقد كان هذا القول حقاً إذ أنه حين سأله تلاميذه عن رأيه في حكمة (لاهو - تسيه) القائلة: (أحبوا أعداءكم كما تحبون أصدقاءكم) أجاب بقوله: (إذا أحببتم أعداءكم وكافأتم بغضهم إياكم بحب من جانبكم، فبماذا إذاً تكافئون حب أصدقائكم؟ كلا، بل أجيبوا على البغض بالعدل وعلى الحب بالحب) ولكن ليس معنى هذا أنه كان جافاً محروماً كل عاطفة نبيلة، كلا، لأنه كان يحمل بين جنبيه قلباً يفيض بالعطف على أصدقائه وتلاميذه، وبالحب الحار لوطنه، وبالإشفاق القوي على الضعفاء (يتبع) محمد غلاب

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢