أرشيف المقالات

من أحكام الأيمان

مدة قراءة المادة : 34 دقائق .
2من أحكام الأيمان
التزام الكفر في اليمين: قال هؤلاء: التزامه الوقوع كالتزامه الكفر؛ ولو التزمه لم يكفر بالاتفاق؛ بل عليه كفارة يمين في إحدى القولين كما تقدم [1].
إذا قال والله لا أحلف على يمين ثم أعتق أو علق؟ وقال أيضاً: إنما يكون الاستثناء فيما يكون فيه كفارة والطلاق والعتاق لا يكفران.
وهذا الذي قاله ظاهر وذلك أن إيقاع الطلاق والعتاق ليسا يميناً أصلاً وإنما هو بمنزلة العفو عن القصاص والإبراء من الدين ولهذا لو قال: " والله لا أحلف على يمين ثم إنه أعتق عبداً له أو طلق امرأته أو أبرأ غريمه من دم أو مال أو عرض؛ فإنه لا يحنث؛ ما علمت أحداً خالف في ذلك.
فمن أدخل إيقاع الطلاق والعتاق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمينٍ فقال: إن شاء الله، لم يحنث" فقد حمل العام ما لا يحتمله[2].
وهنا ينبغي تقليد أحمد بقوله: الطلاق والعتاق ليسا من الأيمان؛ فإن الحلف بهما كالحلف بالصدقة والحج ونحوهما.
وذلك معلوم بالاضطرار عقلا وعرفا وشرعا؛ ولهذا لو قال: والله لا أحلف على يمين أبدا.
ثم قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق.
حنث.
وقد تقدم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سموه يمينا وكذلك الفقهاء كلهم سموه يمينا وكذلك عامة المسلمين سموه يمينا ومعنى اليمين موجود فيه فإنه إذا قال: أحلف بالله لأفعلن إن شاء الله[3].
إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: والرجل إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فهو مخطئ قطعاً، ولا إثم عليه باتفاق[4].
إذا علق الحلف على المشيئة: وقد اتفق السلف والفقهاء على أن من حلف فقال: لأصلين غدا إن شاء الله أو لأقضين ديني غدا إن شاء الله ومضى الغد ولم يقضه أنه لا يحنث[5].
ولهذا تنازع الفقهاء فيمن أراد باستثنائه في اليمين هذا المعنى وهو التحقيق في استثنائه لا التعليق: هل يكون مستثنيا به أم تلزمه الكفارة إذا حنث؟ بخلاف من ترددت إرادته فإنه يكون مستثنيا بلا نزاع[6].
وأيضا فقد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع العلماء أنه لو حلف ليقضينه حقه في غد إن شاء الله تعالى فخرج الغد ولم يقضه مع قدرته على القضاء من غير عذر وطالبه المستحق له لم يحنث، ولو كانت المشيئة بمعنى الأمر لحنث؛ لأنه مأمور بذلك، وكذلك سائر الحلف على فعل مأمور إذا علقه بالمشيئة[7].
ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجبا أو مستحبا، ولو قال إن أحب الله حنث إذا كان واجبا أو مستحبا[8].
وأجمع علماء المسلمين على أن الرجل لو قال: لأصلين الظهر غدا إن شاء الله، أو لأقضين الدين الذي علي وصاحبه مطالبه، أو لأردن هذه الوديعة ونحو ذلك، ثم لم يفعله أنه لا يحنث في يمينه ولو كانت المشيئة بمعنى الأمر لحنث[9].
ولهذا لو حلف ليسرقن هذا المال إن شاء الله ولم يسرقه لم يحنث باتفاق المسلمين؛ لأن الله لم يشأ سرقته[10].

ولو قال: رجل والله لأفعلن ما أوجب الله علي، أو ما يحبه الله لي إن شاء الله ولم يفعل لم يحنث باتفاق الفقهاء، ولو قال: والله لأفعلن ما أوجب الله علي إن كان الله يحبه ويرضاه حنث إن لم يفعله بلا نزاع نعلمه[11].
الحلف بالمخلوق: فأما " الحلف بالمخلوقات " كالحلف بالكعبة أو قبر الشيخ أو بنعمة السلطان أو بالسيف أو بجاه أحد من المخلوقين: فما أعلم بين العلماء خلافا أن هذه اليمين مكروهة منهي عنها وأن الحلف بها لا يوجب حنثا ولا كفارة[12].   وقال شيخ الإسلام رحمه الله إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان.
فالأيمان " ثلاثة أقسام " " أحدها " ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات.
كالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء؛ وتربتهم ونحو ذلك: فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء؛ بل هي منهي عنها باتفاق أهل العلم والنهي نهي تحريم في أصح قوليهم.
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وقال " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " وفي السنن عنه أنه قال: " من حلف بغير الله فقد أشرك ".
" والثاني " اليمين بالله تعالى كقوله: والله لأفعلن.
فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين[13].   والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعى وأحمد وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك[14].   فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنها آياته ومخلوقاته.
فهي دليل على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزته فهو سبحانه يقسم بها لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه.
ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع.
بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصحابة على ذلك بل ذلك شرك منهي عنه[15].   وأما قول القائل: أسألك أو أقسم عليك بحق ملائكتك أو بحق أنبيائك أو بنبيك فلان أو برسولك فلان أو بالبيت الحرام أو بزمزم والمقام أو بالطور والبيت المعمور ونحو ذلك.
فهذا النوع من الدعاء لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان بل قد نص غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه - كأبي يوسف وغيره من العلماء - على أنه لا يجوز مثل هذا الدعاء فإنه أقسم على الله بمخلوق ولا يصح القسم بغير الله[16].   ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها[17].   حكم اليمين بالله في الإيلاء: فحكم المولى في كتاب الله أنه: إما أن يفيء، وإما أن يعزم الطلاق، فإن فاء فإن الله غفور رحيم، لا يقع به طلاق، وهذا متفق عليه في اليمين بالله تعالى[18].   الحلف بالكفر والإسلام: وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالكفر والإسلام أنه لا يلزمه كفر ولا إسلام[19].   ولو قال اليهودي: إن فعلت كذا فأنا مسلم وفعله لم يصر مسلما بالاتفاق[20].   وأما " نذر اللجاج والغضب " فقصد الناذر أن لا يكون الشرط ولا الجزاء: مثل أن يقال له: سافر مع فلان.
فيقول: إن سافرت فعلي صوم كذا وكذا أو علي الحج.
فمقصوده أن لا يفعل الشرط ولا الجزاء وكما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا.
أو إن فعل كذا فهو كافر ونحو ذلك؛ فإن الأئمة متفقون على أنه إذا وجد الشرط فلا يكفر بل عليه كفارة يمين عند أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.
وعند مالك والشافعي لا شيء عليه.   ثم يقال: لا فرق بين أن يكون الجزاء حكما شرعيا أو أن يكون ملازما له.
كالسبب والمسبب اللازم له؛ فإنه لو قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا.
فقد التزم حكما وذلك لا يلزمه عند وقوع الشرط بلا نزاع[21].   بل كما لو قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر إن فعل كذا فإن المعلق هنا وجود الكفر عند الشرط: ثم إذا وجد الشرط لم يوجد الكفر بالاتفاق،بل يلزمه كفارة يمين أو لا يلزمه شيء[22].   ومن نذر أن يطلق لم يلزمه طلاق بلا نزاع، ولكن في لزوم الكفارة له قولان[23].   أو يقول اليهودي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: فهو يمين حكمه حكم الأول الذي هو بصيغة القسم باتفاق الفقهاء[24].   (أحدها) أن الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني وقول الذمي إن فعلت كذا فأنا مسلم: هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط ولا يلزمه ذلك بالاتفاق[25].   فعل المحلوف عليه نسياناً أو خطأً: ولا يمكن أحد أن يقول: إنه إذا حلف بالطلاق والعتاق على امرأته لا يفعله ففعله ناسيا أو جاهلا بأنه المحلوف عليه لم يحنث؛ ويقول إذا حلف على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه أنه يحنث؛ لأن الجهل المقارن لعقد اليمين أخف من الجهل المقارن لفعل المحلوف عليه وغايته أن يكون مثله؛ ولأن اليمين الأولى منعقدة اتفاقا.
وأما الثانية ففي انعقادها نزاع بينهم.
والله أعلم[26].   لكن في صورة النسيان والخطأ والجهل لا يحنث، وتبقى اليمين معقودة عند جماهير العلماء، وليس فيه نزاع إلا وجه ضعيف لبعض المتأخرين[27].   إذا قصد بالتعليق اليمين فهو مخير بين الحنث والتكفير وبين الوفاء: ومعلوم أن التزامه لوجوب الفعل المقتضي للحكم الثاني الذي هو الوقوع أقوى من التزامه الوقوع؛ فإنه هناك التزم حكمين وفعلين وهو هنا التزم أحد الحكمين وأحد الفعلين فالذي التزمه في موارد النزاع في بعض ما التزمه في مواقع الإجماع.
فإذا كان له أن لا يلتزم هذا فذاك بطريق الأولى.
فهو في مواقع الإجماع إذا قصد بالتعليق اليمين فهو مخير بين أن يحنث ويكفر يمينه وبين أن يوفي بما التزمه فيوقع العتق والطلاق والصدقة فكذلك الذي التزمه في مواقع النزاع بطريق الأولى[28].   سقوط الإثم بمجرد الكفارة: بل تجب الكفارة في العمد واليمين الغموس، واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرد الكفارة[29].   ضابط اليمين: بل ما كان معناه يمينا أو أمرا أو نهيا عند العجم فكذلك معناه يمين أو أمر أو نهي عند العرب.
وهذا أيضا يمين الصحابة رضوان الله عليهم؛ وهو يمين في العرف العام ويمين عند الفقهاء كلهم[30].   عدم انعقاد الحلف بغير الله: وأما " الثالث " وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل: أن يحلف بالطواغيت؛ أو بأبيه.
أو الكعبة: أو غير ذلك من المخلوقات: فهذه يمين غير محترمة لا تنعقد ولا كفارة بالحنث فيها باتفاق العلماء؛ لكن نفس الحلف بها منهي عنه فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى.
فليقل لا إله إلا الله " وسواء في ذلك الحلف بالملائكة والأنبياء وغيرهم باتفاق العلماء[31].   وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه، ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه: إما نهي تنزيه، وإما نهي تنزيه[32].   الكفارة في اليمين بغير الله: وقال شيخ الإسلام رحمه الله إذا حلف الرجل يمينا من الأيمان.
فالأيمان " ثلاثة أقسام " " أحدها " ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات.
كالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء؛ وتربتهم ونحو ذلك: فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء؛ بل هي منهي عنها باتفاق أهل[33].   • (الثاني) الحلف بالمخلوقات: كالحالف بالكعبة فهذه لا كفارة فيها باتفاق المسلمين[34].   اليمين المنعقدة فيها الكفارة: والنهي نهي تحريم في أصح قوليهم.
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وقال " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم " وفي السنن عنه أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك ".
" والثاني " اليمين بالله تعالى كقوله: والله لأفعلن.
فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين[35].   والأيمان التي يحلف بها الخلق ثلاثة أنواع (أحدها) يمين محترمة منعقدة: كالحلف باسم الله تعالى، فهذه فيها الكفارة بالكتاب والسنة والإجماع[36].   ومن حلف بأيمان الشرك مثل أن يحلف بتربة أبيه أو الكعبة أو نعمة السلطان أ و حياة الشيخ أو غير ذلك من المخلوقات فهذه اليمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها إذا حنث باتفاق أهل العلم[37].   فالأيمان ثلاثة أقسام: أما الحلف بالله ففيه الكفارة بالاتفاق.وأما الحلف بالمخلوقات فلا كفارة فيه بالاتفاق[38].   وأما ما عقد من الأيمان بالله تعالى وهو هذه الأيمان فللمسلمين فيها " ثلاثة أقوال " وإن كان من الناس من ادعى الإجماع في بعضها: فهذا كما أن كثيرا من مسائل النزاع يدعي فيها الإجماع من لم يعلم النزاع ومقصوده أني لا أعلم نزاعا.
فمن علم النزاع وأثبته كان مثبتا عالما وهو مقدم على النافي الذي لا يعلمه باتفاق المسلمين[39].   وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى[40].   ولهذا لو نذر لغير الله فلا يجب الوفاء به باتفاق المسلمين[41].   فالقسم الثاني الحلف بالمخلوقات: كالحلف بالكعبة والملائكة والمشائخ والملوك والآباء والسيف وغير ذلك مما يحلف بها كثير من الناس، فهذه الأيمان لا حرمة لها، بل هي غير منعقدة ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين[42].   وإما أن لا تكون منعقدة محترمة كالحلف بالمخلوقات، مثل الكعبة والملائكة وغير ذلك، فهذا لا كفارة فيه بالاتفاق [43].   فصل وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشائخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه، وغير منعقد باتفاق الأئمة [44].   فمن حلف بشيخه أو بتربته أو بحياته أو بحقه على الله أو بالملوك أو بنعمة السلطان أو بالسيف أو بالكعبة أو أبيه أو تربة أبيه أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين[45].   وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك به.
فللعلماء فيه قولان: كما لهم في الحلف به قولان: وجمهور الأئمة كمالك؛ والشافعي؛ وأبي حنيفة: على أنه لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره[46].   ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين أنه تنعقد اليمين بأحد من الأنبياء إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإن عن أحمد روايتين في أنه تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف في سائر الأنبياء وهذا ضعيف.
وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح.
وكذلك الاستعاذة بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته[47].   وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان البندق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك.
والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك[48].   الحلف بعزة الله ولعمر الله: ثم قد ثبت في الصحيح: الحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه[49].   تحريم الاستغاثة بغير الله: ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله[50].   اليمين الغموس فإذا كانت اليمين غموسا وهو أن يحلف كاذباً عالماً بكذب نفسه فهذه اليمين يأثم بها باتفاق المسلمين[51].   اليمين المنعقدة المشروعة: (النوع الثاني) أيمان المسلمين فإن حلف باسم الله فهي أيمان منعقدة بالنص والإجماع[52].   فالأيمان ثلاثة أقسام أما الحلف بالله ففيه الكفارة بالاتفاق، وأما الحلف بالمخلوقات فلا كفارة فيه بالاتفاق[53].   وأما أنواع الأيمان الثلاثة (فالأول) أن يعقد اليمين بالله و(الثاني) أن يعقدها لله (والثالث) أن يعقدها بغير الله أو لغير الله فأما (الأول) فهو الحلف بالله فهذه يمين منعقدة مكفرة بالكتاب والسنة والإجماع[54].   صيغة التنجيز في الطلاق: هل هي يمين وهل فيه كفارة؟ أما " صيغة التنجيز " فهو إيقاع الطلاق مطلقا مرسلا من غير تقييد بصفة ولا يمين؛ كقوله: أنت طالق.
أو مطلقة.
أو: فلانة طالق.
أو: أنت الطلاق.
أو: طلقتك ونحو ذلك مما يكون بصيغة الفعل أو المصدر أو اسم الفاعل أو اسم المفعول: فهذا يقال له: طلاق منجز.
ويقال.
طلاق مرسل.
ويقال: طلاق مطلق.
أي غير معلق بصفة.
فهذا إيقاع للطلاق وليس هذا بيمين يخير فيه بين الحنث وعدمه؛ ولا كفارة في هذا باتفاق المسلمين[55].   والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة[56].   (صيغة التنجيز والإرسال) كقوله أنت طالق، أو مطلقة فهذا يقع به الطلاق باتفاق المسلمين[57].   الحلف بالطلاق: (الثاني) صيغة قسم كقوله الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا فهذا يمين باتفاق أهل اللغة واتفاق طوائف الفقهاء واتفاق العامة واتفاق أهل الأرض[58].   صيغة التعليق في الطلاق: " الثالث " صيغة تعليق كقوله: إن فعلت كذا فامرأتي طالق.
فهذه إن كان قصده به اليمين - وهو الذي يكره وقوع الطلاق مطلقا كما يكره.
الانتقال عن دينه - إذا قال إن فعلت كذا فأنا يهودي.
أو يقول اليهودي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: فهو يمين حكمه حكم الأول الذي هو بصيغة القسم باتفاق الفقهاء[59].   الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب: والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فانه يمين باتفاق الأئمة[60].   ومعلوم أن الحالف بالطلاق والعتاق لم يجعل ذلك تعليقا محضا: كالتعليق بطلوع الشمس ولا مقصوده وقوع الشرط والجزاء: كنذر التبرر وكالتعليق على العوض في مثل الخلع؛ وإنما مقصوده حض نفسه أو منع من حلف عليه ومنع نفسه أو من حلف عليه؛ كما يقصد ذلك الناذر: نذر اللجاج والغضب؛ ولهذا اتفق الفقهاء على تسمية ذلك يمينا[61].   وجوب الكفارة مع اليمين بالله: فاليمين باللّه مكفرة باتفاق العلماء[62].   الحلف بالطلاق والعتاق: قال أبو إسحاق الجوزجاني: الطلاق والعتق لا يحلان في هذا محل الأيمان ولو كان المجرى فيها مجرى الأيمان لوجب على الحالف بها إذا حنث كفارة وهذا مما لا يختلف الناس فيه أن لا كفارة فيها.
قلت: أخبر أبو إسحاق بما بلغه من العلم في ذلك؛ فإن أكثر مفتيي الناس في ذلك الزمان من أهل المدينة وأهل العراق أصحاب أبي حنيفة ومالك كانوا لا يفتون في نذر اللجاج والغضب إلا بوجوب الوفاء لا بالكفارة.
وإن أكثر التابعين مذهبهم فيها الكفارة؛ حتى إن الشافعي لما أفتى بمصر بالكفارة كان غريبا بين أصحابه المالكية وقال له السائل: يا أبا عبد الله هذا قولك؟ فقال: قول من هو خير مني عطاء بن أبي رباح.
فلما أفتى فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وسليمان بن داود وابن أبي شيبة وعلي بن المديني ونحوهم في الحلف بالنذر بالكفارة؛ وفرق من فرق بين ذلك وبين الطلاق والعتاق لما سنذكره صار الذي يعرف قول هؤلاء وقول أولئك لا يعلم خلافا في الطلاق والعتاق وإلا فسنذكر الخلاف إن شاء الله تعالى عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم[63].   الحلف بالمباح وكذا المستحب والمكروه: فالأفعال " ثلاثة " إما طاعة وإما معصية وإما مباح.
فإذا حلف ليفعلن مباحا أو ليتركنه فهاهنا الكفارة مشروعة بالإجماع.
وكذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك مستحب وهو المذكور في قوله تعالى: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ".
وأما إن كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك محرم فهاهنا لا يجوز الوفاء بالاتفاق[64].   الرجوع إلى نية الحالف: واتفقوا على أنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا احتملها لفظه ولم يخالف الظاهر أو خالفه وكان مظلوما[65].   الحلف باسم الله: وبأن الفقهاء أجمعوا على إن الحالف باسم اللّه كالحالف باللّه في بيان أنه تنعقد اليمين بكل واحد منهما[66].   صيغة القسم: وأما " صيغة القسم " فهو أن يقول: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا أو لا أفعل كذا.
فيحلف به على حض لنفسه أو لغيره أو منع لنفسه أو لغيره أو على تصديق خبر أو تكذيبه: فهذا يدخل في مسائل الطلاق والأيمان فإن هذا يمين باتفاق أهل اللغة؛ فإنها صيغة قسم وهو يمين أيضا في عرف الفقهاء لم يتنازعوا في أنها تسمى يمينا؛ ولكن تنازعوا في حكمها[67].   إذا قال أيمان المسلمين أو البيعة تلزمني: وأما ما عقده بالله أو لله فهو من أيمان المسلين فيدخل في ذلك.ولهذا لو قال: أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني ونوى دخول الطلاق والعتاق: دخل في ذلك كما ذكر ذلك الفقهاء، ولا أعلم فيه نزاعا[68].   لغو اليمين: وهؤلاء منهم من قال: " لغو اليمين " هو أن يحلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه بلا نزاع.
وأما إذا سبق لسانه في المستقبل: ففيه روايتان.
وهذه طريقة القاضي وابن عقيل في " الفصول "؛ واختار القاضي في " خلافه " أن قوله في المستقبل لا والله بلى والله ليس بلغو وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما.
ومنهم من قال: ما يسبق على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء وفيما إذا حلف على شيء فتبين بخلافه روايتان.
وهذه طريقة أبي محمد.
" والصواب " أن النزاع في الصورتين[69].   الفرق بين ما يقصد وما لا يقصد من الشروط في التعليق: فكما أنه فرق في النذور المعلقة بالشروط بين ما يقصد فيه ثبوتها وبين ما يقصد فيه نفيها؛ كذلك هذا.
فإن هذا جميعه من باب واحد وهي أحكام معلقة بشروط وإذا كان الشرع أو العقل والعرف تفرق في الأحكام المعلقة بالشروط اللغوية بين ما يقصد ثبوته وبين ما يقصد انتفاءه - كما اتفق على ذلك الصحابة وجمهور الفقهاء - لم يجز تسوية أحدهما بالآخر[70].  

[1] مجموع الفتاوى: 33/ 200. [2] مجموع الفتاوى: 35/ 285. [3] مجموع الفتاوى: 35/ 285. [4] مجموع الفتاوى: 19/ 210، وانظر: منهاج السنة: 5/ 90.. [5] مجموع الفتاوى: 8/ 489. [6] مجموع الفتاوى: 7/ 457. [7] منهاج السنة: 3/ 155. [8] منهاج السنة: 3/ 15/ 16. [9] منهاج السنة: 3/ 258. [10] منهاج السنة: 3/ 230. [11] منهاج السنة:3/ 188. [12] مجموع الفتاوى: 35/ 243. [13] مجموع الفتاوى: 33/ 68. [14] مجموع الفتاوى: 1/ 204. [15] مجموع الفتاوى: 1/ 290. [16] مجموع الفتاوى: 27/ 133. [17] مجموع الفتاوى: 3/ 398. [18] مجموع الفتاوى: 33/ 53. [19] مجموع الفتاوى: 33/ 137. [20] مجموع الفتاوى: 33/ 138. [21] مجموع الفتاوى: 33/ 201. [22] مجموع الفتاوى: 35/ 303. [23] مجموع الفتاوى: 33/ 217. [24] مجموع الفتاوى: 33/ 141. [25] مجموع الفتاوى: 33/ 56. [26] مجموع الفتاوى: 33/ 215. [27] مجموع الفتاوى: 33/ 210. [28] مجموع الفتاوى: 33/ 204. [29] مجموع الفتاوى: 34/ 139. [30] مجموع الفتاوى: 33/ 142. [31] مجموع الفتاوى: 33/ 48. [32] مجموعة الرسائل والمسائل 1-3/ 23. [33] مجموع الفتاوى: 33/ 68. [34] مجموع الفتاوى: 33/ 62. [35] مجموع الفتاوى: 33/ 68. [36] مجموع الفتاوى: 33/ 61. [37] مجموع الفتاوى: 33/ 59. [38] مجموع الفتاوى: 33/ 136. [39] مجموع الفتاوى: 33/ 136. [40] مجموع الفتاوى: 1/ 335. [41] مجموع الفتاوى: 1/ 81. [42] مجموع الفتاوى: 33/ 122. [43] مجموع الفتاوى: 33/ 142. [44] مجموع الفتاوى: 11/ 506. [45] مجموع الفتاوى: 11/ 506. [46] مجموع الفتاوى: 1/ 140. [47] مجموع الفتاوى: 1/ 335. [48] مجموع الفتاوى: 1/ 204. [49] مجموع الفتاوى: 1/ 112. [50] مجموع الفتاوى: 1/ 112. [51] مجموع الفتاوى: 33/ 128. [52] مجموع الفتاوى: 33/ 125. [53] مجموع الفتاوى: 33/ 136. [54] مجموع الفتاوى: 33/ 47. [55] مجموع الفتاوى: 33/ 44،45. [56] مجموع الفتاوى: 33/ 197. [57] مجموع الفتاوى: 33/ 140. [58] مجموع الفتاوى: 33/ 140. [59] مجموع الفتاوى: 33/ 141-140. [60] مجموع الفتاوى: 33/ 197. [61] مجموع الفتاوى: 33/ 232. [62] مجموع الفتاوى: 35/ 324. [63] مجموع الفتاوى: 35/ 260. [64] الفتاوى: 35/ 253. [65] مجموع الفتاوى: 32/ 86. [66] مجموع الفتاوى: 6/ 190. [67] مجموع الفتاوى: 33/ 45. [68] مجموع الفتاوى: 33/ 51. [69] مجموع الفتاوى: 33/ 212. [70] مجموع الفتاوى: 33/ 206.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢