أرشيف المقالات

مدام دي لوزي

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 بقلم أناتول فرانس من (علبة الصدف) - 1 - دخلت فمدت بولين دي لوزي إلى يدها.
ثم لزمنا الصمت حينا.
وكانت قد ألقت في شيء من الإهمال على أحد الكراسي طرحتها وقبعتها من الخوص. وفتحت على المعزف صلاة أورفيه.
ثم دنت من النافذة، ونظرت إلى الشمس تهبط في الأفق الدامي.
فقلت لها آخر الأمر، أتذكرين الكلمات التي نطقت بها منذ عامين يوما بيوم، في اسفل هذا التل، وعلى شاطئ هذا النهر الذي تديرين إليه عينيك الآن؟ أتذكرين أنك، وأنت تديرين حولك يدي المتنبئة، قد أريتني معدما أيام المحنة، أيام الجرائم والهول؟ لقد وقفت على شفتي إعلان حبي إليك وقلت: (عش، وجاهد في سبيل العدل والحرية!) سيدتي، لقد مضيت جريئا منذ دلتني على الطريق يدك التي أغمرها كما كنت أحب بالدموع والقبل.
لقد أطعتك، فكتبت، وخطبت.
أنفقت عامين أجاهد في غير هوادة أولئك الأغمار الجياع الذين ينشرون الاضطراب والبغض، والزعماء الذين يسحرون الشعب بهذه المظاهر العصبية يصورون بها حبا كاذبا، والجبناء الذين يضحون في سبيل الفوز القريب. فاضطرتني إلى الصمت بحركة من يدها وأشارت أن استمع! هنالك سمعنا في ثنايا الهواء العطر، هواء الحديقة حيث تصدح الطير، صيحات بالموت تأتي من بعيد: (إلى المشنقة أيها الأرستوقراطي! ليوضع رأسه على الرمح!). وكانت شاحبة، ساكنة قد وضعت إصبعا على فمها. قلت، إنما هو الطلب يجد في أثر أحد البائسين.
فهم يهاجمون الدور ويقبضون على الناس نهارا وليلا في باريس.
ولعلهم يدخلون هنا.
يجب أن أنصرف حتى لا أعرضك للشر.
فمع أني لا أكاد أعرف في هذا الحي، فأنا في هذه الأيام ضيف خطر. قالت: أقم! وللمرة الثانية مزقت الصيحات الهواء الهادئ في المساء.
وكان يخالطها وقع الخطى وطلق النار.
كانوا يدنون وكنا نسمع: (سدوا المنافذ، لا يفلت الوغد!) وكانت مدام دي لوزي ظاهرة الهدوء، يعظم حظها منه كلما قرب الخطر. قالت لنصعد إلى الطبقة الثانية؛ فقد نستطيع أن نرى من ثنايا النافذة ما يحدث خارج البيت. ولكنها لم تكد تفتح الباب، حتى رأت في الدهليز رجلا ممتقعا مختلط الهيئة، تصطك أسنانه، وتصطدم ركبتاه من الاضطراب.
وكان هذا الشبح يغمغم بصوت مختنق: أنقذوني خبئوني!.

ها هم أولاء.
.
لقد اقتحموا بابي؛ وأغاروا على حديقتي.
.
هم يدنون.
. - 2 - عرفت مدام دي لوزي (بلونشونيه) الفيلسوف الذي يسكن الدار المجاورة، فسألته في صوت شديد الخفوت: هل بصرت بك طاهيتي؟ فهي يعقوبية! أجاب لم يرني أحد. قالت الحمد لله، أيها الجار! ثم قادته إلى غرفة نومها حيث تبعتهما.
ولم يكن بد من الحيلة، ولم يكن بد من أن تجد مخبأ تخفي فيه (بلونشونيه) أياما، أو ساعات على الأقل، حتى تخدع الطالبين وتتعبهم.
واتفقنا على أن أراقب المسالك إلى البيت حتى إذا آذنتهما أنسل الصديق البائس من باب الحديقة الصغير. ولم يكن في أثناء ذلك يستطيع أن يثبت على قدميه.
كان رجلا مصعوقا. وحاول أن يفهمنا أنهم يجدون في طلبه، هو عدو القسيسين والملوك، لأنه إئتمر بالدستور مع مسيو (دي كزوت) وأنضم في 10 أغسطس إلى المدافعين عن قصر التويلري.
ولم يكن هذا كله الا اتهاماً دنيئاً.
إنما الحق أن (لوبان) كان يتبعه بحقده وموجدته؛ كان لوبان جزاره، وكثيرا ما هم أن يضربه بالعصا ليأخذه بأن يحسن وزن اللحم، ولكنه الآن يرأس لجنة الحي الذي يقوم فيه حانوته. وبينا هو يغمغم بهذا الاسم مختنق الصوت، خيل إليه أنه يرى لوبان نفسه، فأخفى وجهه بيديه.
وكان لوبان يصعد حقا في السلم.
فأحكمت مدام دي لوزي رتاج الباب ودفعت الشيخ خلف ستار.
ودق الباب، وعرفت بولين صوت طاهيتها، التي كانت تصيح بها أن افتحي، وان لجنة البلدية بالباب ومعها الحرس الوطني، يريدون أن يفتشوا، يزعمون أن بلونشونيه في البيت، وأنا واثقة بأنهم مخطئون، فما كنت لتخفي وغدا كهذا، ولكنهم لا يريدون تصديقي. فصاحت مدام دي لوزي من وراء الباب حسن! فليصعدوا! أطلعيهم على البيت كله من أسفله إلى أعلاه. وسمع البائس بلونشونيه هذا الحوار فأغمي عليه خلف ستارة، ولم ترد عليه الحياة إلا بعد مشقة حين نضحت صدغيه بالماء.
فلما أفاق قالت الغادة للشيخ في صوت خافت: اعتمد على صديقي، واذكر أن النساء مكرة. ثم أقبلت في هدوء ودعة كما لو كانت تعاين بعض شؤون البيت إلى السرير، فجذبته من مكانه قليلا، وفضت الغطاء واستعانت بي فهيئنا بين وسائده الثلاث فراغا مما يلي الحائط. وبينا هي في ذلك إذا ضجيج عظيم للأحذية، والقباقيب، والكرانيف والأسواط الغلاظ يسمع في السلم.
فقضينا ثلاثتنا دقيقة ملؤها الروع، ولكن الضجيج صعد قليلاً قليلاً فوق رءوسنا.
فعرفنا أن الحرس قد بدءوا بقيادة الطاهية اليعقوبية يفتشون على البيت.
وكان السقف يضطرب، وكان يسمع للقوم نذير، وضحك غليظ، وضرب بالأرجل والحراب في الجدران.
فتنفسنا ولكن لم تكن في الوقت سعة.
واعنت بلونشونيه أن يدخل في الفراغ المهيأ بين الوسائد. وكانت مدام دي لوزي، تهز رأسها وهي تنظر إلينا.
فقد كان للسرير بعد هذا العبث شكل مريب.
فحاولت أن ترده إلى هيئته الأولى، ولكنها لم تفلح. قالت: لا بد من أن أنام فيه.
ثم نظرت في الساعة، فإذا هي السابعة مساء. فقدرت أن إسراعها إلى النوم في هذه الساعة سيبعث الريبة.
ولا سبيل إلى التفكير في تكلف المرض: فان الطاهية اليعقوبية خليقة أن تفضح هذا المكر. فلبثت على هذا النحو مفكرة لحظات، ثم إذا هي بهدوء وبساطة وحياء، ملؤه الجلال تخرج من ثيابها أمامي، ثم تدخل في سريرها وتأمرني أن أخلع نعلي وأتجرد من ثيابي وهي تقول: يجب أن تكون خليلي وان نفاجأ في هذه الحال.
فإذا أقبلوا لم تجد من الوقت ما تهيئ فيه زيك وتصلح من شكلك.
فتفتح لهم في لبسة المتفضل وقد أنتثر شعرك.
وكان كل شيء قد تم كما قدرنا حين هبط الحرس الوطني صاخبا ساخطا. وأخذ بلونشونيه البائس رعشة عنيفة كان السرير يضطرب لها اضطراباً. وكان تنفسه من القوة بحيث كان يجب أن يسمع من خارج الغرفة. قالت مدام دي لوزي: يا للخسران لقد كنت شديدة الرضى بهذه الحيلة.
وبعد فلا ينبغي أن نيأس فلعل الله أن يعيننا. واضطرب الباب لصدمة قوية. قالت: من الطارق؟ فأجيبت: هم ممثلوا الأمة. قالت: ألا تنتظرون حينا؟ قيل: افتحي وإلا كسرنا الباب. قالت: هلم فافتح يا صاحبي. وما هي إلا أن كانت المعجزة فانقطع اضطراب بلونشونيه وزحيره فجأة. - 3 - وكان أول الداخلين لوبان وقد اتخذ منطقته وتبعه اثنتا عشرة حربة. فأدار بصره بين مدام دي لوزي وبيني ثم قال: بخ، بخ! لقد استكشفنا عاشقين! معذرة أيتها الحسناء! ثم التفت إلى الحرس وهو يقول: إنما الأخلاق للثائرين.
ولكن هذه المصادفة رغم حكمته قد ملأته سرورا. فأقبل حتى جلس على السرير وأخذ بذقن الحسناء الأرستقراطية وهو يقول: نعم أن هذا الفم لم يخلق ليردد في الليل والنهار: أبانا الذي في السماء!. ولو قد فعل لعظمت الخسارة، ولكن الجمهورية قبل كل شيء.
إنما نبحث عن الخائن بلونشونيه.
هو هنا، لا اشك في ذلك.
لا بد لي منها.
لأتقدمنه لتضرب عنقه.
ولأكونن بذلك سعيداً. قالت: فتشوا عنه إذن. فنظروا تحت الأثاث وفي الخزائن، وادخلوا الحراب تحت السرير، وحبسوا الوسائد بالخناجر. وكان لوبان ينظر إليه بمؤخر عينه وهو يحك أذنه.
فأشفقت مدام دي لوزي أن يوجه إليه أسئلة محرجة، فقالت أنت تعرف البيت كما اعرفه يا صاحبي.
فخذ المفاتيح وطوف بمسيو لوبان بكل مكان.
وأنا اعلم أنك ستجد لذة وسرورا في إرشاد المخلصين للوطن. فقادتهم إلى الكهف حيث نثروا ما فيه من حطب وشربوا عددا ضخما من القناني.
ثم شق لوبان بكرنفته الدنان المترعة.
فلما خرج من الكهف الغارق في النبيذ أذن بالرحيل.
فصحبتهم حتى أغلقت من دونهم الباب، وأسرعت أعلن إلى مدام دي لوزي أن قد نجونا. فلما سمعت هذا النبأ عطفت رأسها إلى الفراغ بين السرير والحائط، ونادت: مسيو بلونشونيه! مسيو بلونشونيه. فأجابها رجع نفس ضئيل. هنالك صاحت الحمد لله! لقد روعتني فقد كنت أرى أنك قضيت!.
ثم التفتت إلى قائلة: مسكين أنت أيها الصديق لقد كنت تجد لذة عظيمة في أن تقول لي من حين أنك تحبني، لن تقولها لي بعد اليوم.

شارك الخبر

المرئيات-١