أرشيف المقالات

أطفال الطبيعة

مدة قراءة المادة : دقيقتان .
8 للأستاذ محمد عبد اللطيف السحرتي لم تكن إلا زقزقة العصافير تطوف بأثير نفسي، وأنا عائد إلى البلدة في طريقي الحبيب الذي تحتضنه أشجار الكافور الخضراء الفارعة - لم يكن أعذب لنفسي من زقزقة تلكم العاصفير التي مازجت أصواتها أحلامي، وأنعشت ألحانها إلهامي - في هذه الساعة السعيدة طابت أحلامي، ونَبُل حديثي مع نفسي، ولم يكن يهزني إلا مرأى الفلاحين المساكين، وهم يكدحون حول الوادي في صبر وقناعة وأحلام مضطربة.

ثم تعاودني أصوات العصافير فتحمي مادوم بنفسي من هزات الأسى، وتنقل إلى شعورها الفرح، وتبعث في سعادتها البريئة. يا إلهي، لكأنك خلقت العصافير للطبيعة أطفالاً كما خلقت للناس أطفالهم! وشتان بين أطفالها وأطفالنا! فأطفالها في طفولة خالدة، وأطفالنا بعد عمر قصير يكبرون، فتنداح براءتهم وتنمحي شفافة نفوسهم! هؤلاء الأطفال الخالدون يُنَبِّلونَ انفعالاتنا، ويطهرون نفوسنا من هموم الأعمال اليومية، ويخلقون لنا جواً روحياً ساجياً ينعم في بحبوحته الأدباء والشعراء، ويلقون علينا دروساً روحية ثمينة.
ولقد ألقت عليَّ عصفورة درساً خلقياً بليغاً، وأنا في حديقة (مونسو) البديعة بباريس، عندما كنت ألقي لها فتات الخبز، فكانت وهي تتناوله تنادي أخواتها لتشاطرها الغذاء، وهذا درس في الإيثار يلقيه علينا هؤلاء الأطفال الكرام ولكم أحب الأدباء هؤلاء الأطفال الأعزة.
ومن بين هؤلاء الأديب الفرنسي كوبيه في قطعته (موت العصافير) التي يُظهرُ فيها إشفاقه عليها ويبدي تخوفه من مفاجأة الموت لها في الشتاء، ويسائل في انفعال وهزة: (هل العصافير تختفي لتموت؟). والذي نعلم أن العصافير تختفي في مكان أمين وأنها في الجو الطليق تجد أماناً من الموت ولا تخشاه، وإنما هي تخشى الإنسان، وهي إذ تمرح في أمن وإيمان، وتحمل الغذاء في كل مكان، وتستقبل الشمس في الصباح وتودعها في الغروب، إنما تحمل للإنسان رسالة الفرح والبراءة والجمال، والحياة الطويلة، إن لم أقل الخالدة!

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢