أرشيف المقالات

تفسير ربع: يسألونك عن الخمر والميسر (الربع الرابع عشر من سورة البقرة)

مدة قراءة المادة : 129 دقائق .
2تفسير ربع يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ (الربع الرابع عشر من سورة البقرة) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾
إعراب مفردات الآية[1]: (يسألونك عن الخمر) مثل يسألونك عن الشهر «[2]»، (الميسر) معطوف على الخمر بحرف العطف مجرور مثله (قل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (في) حرف جرّ و(هما) ضمير متّصل فيمحلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم (إثم) مبتدأ مؤخّر مرفوع (كبير) نعت لاثم مرفوع مثله (الواو) عاطفة (منافع) معطوف على إثم مرفوع مثله (للناس) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لمنافع (الواو) اعتراضيّة أو حاليّة (إثم) مبتدأ مرفوع و(هما) ضمير مضاف إليه (أكبر) خبر مرفوع (من نفع) جارّ ومجرور متعلّق بأكبر و(هما) مضاف إليه (الواو) عاطفة (يسألونك) سبق إعرابه «[3]»، (ماذا) اسم استفهام مبنيّ في محلّ نصب مفعول به «[4]» مقدّم (ينفقون) مضارع مرفوع..
والواو فاعل (قل) مثل الأول (العفو) مفعول به لفعل محذوف تقديره أنفقوا.
(الكاف) حرف جرّ وتشبيه (ذا) اسم إشارة في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف مفعول مطلق أي تبيّنا كذلك و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب (يبيّن) مضارع مرفوع (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يبيّن)، (الآيات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة (لعلّ) حرف مشبّه بالفعل للترجي و(كم) ضمير في محلّ نصب اسم لعلّ (تتفكرون) مضارع مرفوع..
والواو فاعل.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾- قال ابن كثير في تفسيرها ما مختصره: فقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: إنه كل ما خامر العقل.
وقوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إنفيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدّة المطربة التي فيها.ثم قال- رحمه الله-: وكذا بيعها والانتفاع بثمنها.
وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله.
ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾..اهـ[5].
• وأضاف ابن عثيمين في بيانها: وقد أنزل الله في الخمر أربع آيات: آية تبيحه - وهي قوله تعالى: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [النحل: 67] -؛ وآية تعرض بالتحريم - وهي هذه الآية -؛ وآية تمنعه في وقت دون آخر - وهي قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43] -؛ وآية تمنعه دائماً مطلقاً - وهي آية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة -؛ وهي قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...
[المائدة: 90] الآيات.
ثم قال- رحمه الله-:وقوله تعالى: ﴿ والميسر ﴾ المراد به القمار؛ وهو كل كسب عن طريق المخاطرة، والمغالبة؛ وضابطه: أن يكون فيه بين غانم، وغارم.
قوله تعالى: ﴿ قل ﴾ أي لمن سأل عن الخمر، والميسر؛ ﴿ فيهما ﴾ خبر مقدم؛ والضمير عائد على الخمر، والميسر؛ ﴿ إثم ﴾ أي عقوبة؛ أو كان سبباً للعقوبة، كما قال تعالى: ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ ويقال: «فلان آثم» أي مستحق للعقوبة.
وفي قوله تعالى: ﴿ كبير ﴾ قراءة: ﴿ كثير ﴾؛ والفرق بينهما أن الكبر تعود إلى الكيفية؛ والكثرة تعود إلى الكمية؛ والمعنى أن فيهما إثماً كثيراً بحسب ما يتعامل بهما الإنسان؛ والإنسان المبتلى بذلك لا يكاد يقلع عنه؛ وهذا يستلزم تعدد الفعل منه؛ وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم؛ أيضاً الإثم فيهما كبير - أي عظيم -؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والبدن، والاجتماع، والسلوك؛ وقد ذكر محمد رشيد رضا - رحمه الله - في هذا المكان أضراراً كثيرة جداً؛ من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿ إثم كبير ﴾، أو ﴿ إثم كثير ﴾؛ وهاتان القراءتان لا تتنافيان؛ لأنهما جمعتا وصفين مختلفين جهة؛ فيكون الإثم كثيراً باعتبار آحاده؛ كبيراً باعتبار كيفيته.اهـ [6].
• ﴿ وإثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ويَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ قال السعدي-رحمه الله-في تفسيرها: وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر، وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم، الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه، من غني وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله، ولو شق تمرة.
ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم.
ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا، أو تكليفا لنا بما يشق بل أمرنا بما فيه سعادتنا، وما يسهل علينا، وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.
ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي، وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ ﴾ أي: الدالات على الحق، المحصلات للعلم النافع والفرقان، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، وتعرفوا أن أوامره فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء فتعمروها.اهـ [7].
• ﴿ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تُخَالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[8]: (في الدنيا) جارّ ومجرور متعلّق بـ (تتفكرون) في الآية السابقة على حذف مضاف أي تتفكرون في أمر الدنيا (الآخرة) معطوف على الدنيا بالواو مجرور مثله (الواو) عاطفة (يسألونك) سبق إعرابه «[9]»، (عن اليتامى)، جارّ ومجرور متعلّق بـ (يسألون)، وعلامة الجرّ الكسرة المقدّرة على الألف (قل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (إصلاح) مبتدأ مرفوع (اللام) حرف جرّ و(هم) ضمير متّصل في محلّ جر متعلّق بمحذوف نعت لإصلاح أو بإصلاح (خير) خبر مرفوع (الواو) عاطفة (إن) حرف شرط جازم (تخالطوا) مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل و(هم) ضمير متّصل مفعول به (الفاء) رابطة لجواب الشرط (إخوان) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم و(كم) ضمير في محلّ جرّ مضاف إليه.
(الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يعلم) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (المفسد) مفعول به منصوب (من المصلح) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من المفسد أي متميّزا من المصلح «[10]» (الواو) عاطفة (لو) حرف امتناع لامتناع فيه معنى الشرط (شاء) فعل ماض (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (اللام) رابطة لجواب الشرط (أعنت) فعل ماض و(كم) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (إن) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب (عزيز) خبر إنّ مرفوع (حكيم) خبر ثان مرفوع.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تُخَالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ﴾ قال ابن عثيمين- رحمه الله ما مختصره: قوله تعالى: ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ متعلق بـ﴿ تتفكرون ﴾ أي في شؤونهما، وأحوالهما.
قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن اليتامى ﴾ معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة؛ سألوا أولاً عن الخمر، والميسر؛ ثم سألوا ماذا ينفقون؛ وجه الارتباط بين السؤالين واضح جداً؛ لأن في الخمر، والميسر إتلاف المال بدون فائدة؛ وفي الإنفاق بذل المال بفائدة؛ ثم قال تعالى: ﴿ ويسألونك عن اليتامى ﴾؛ ووجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله أن الله عزّ وجلّ لما أنزل قوله تعالى: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ [النساء: 10]، وقولَه تعالى: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ [الأنعام: 152] أشكل على الصحابة رضي الله عنهم، فصاروا يجعلون طعامهم على حدة، وطعام اليتامى على حدة؛ ثم ما جعلوه لليتامى إما أن يفسد، ولا يصلح للأكل؛ وإما أن يصلح للأكل، ولكن ليس على الوجه الأكمل؛ فتحرجوا من ذلك، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم بطعام اليتامى؛ فأجابهم الله عزّ وجلّ بجواب في غاية ما يكون من البلاغة، والاختصار، والوضوح؛ فقال تعالى: ﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾.اهـ[11].
• وأضاف السعدي- رحمه الله-: لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، خوفا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود إصلاح أموال اليتامى، بحفظها وصيانتها، والاتجار فيها، وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و "الوسائل لها أحكام المقاصد".
وفي هذه الآية، دليل على جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة، لطف من الله [تعالى] وإحسان، وتوسعة على المؤمنين.اهـ[12].
• ﴿ ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ -قال البغوي-رحمه الله-: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ ﴾ أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم، وقال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامي موبقا لكم، وأصل العنت الشدة والمشقة.
ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ والعزيز الذي يأمر بعزةٍ؛ سهُل على العباد أو شق عليهم ﴿ حَكِيم ﴾ فيما صنع من تدبيره وترك الإعنات.اهـ[13].
- وزاد أبو جعفر الطبري- رحمه الله-:يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله"عزيز" في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه فقصرتم في القيام به، ولا يقدرُ دافعٌ أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله،ولكنه بفضل رحمته منَّ عليكم بترك تكليفه إياكم ذلكوهو"حكيم" في ذلك لو فعله بكم وفي غيره من أحكامه وتدبيره، لا يدخل أفعاله خلل ولا نقصٌ ولا وَهْي ولا عيب،لأنه فِعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقبَ الأمور فيدخل تدبيره مذمّة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداءً.اهـ[14].
﴿ وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ولَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ولا تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ ولَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلَى الجَنَّةِ والْمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ إعراب مفردات الآية[15]: (الواو) استئنافية (لا) ناهية جازمة (تنكحوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل (المشركات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة (حتّى) عرف غاية وجرّ (يؤمنّ) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ نصب بـ (أن) مضمرة بعد حتّى..
والنون ضمير في محلّ رفع فاعل.
والمصدر المؤوّل (أن يؤمنّ) في محلّ جرّ بـ (حتّى) متعلّق بـ (تنكحوا).
(الواو) استئنافيّة (اللام) لام الابتداء تفيد التوكيد (أمة) مبتدأ مرفوع (مؤمنة) نعت لأمة مرفوع مثله (خير) خبر مرفوع (من مشركة) جارّ ومجرور متعلّق بخير (الواو) حاليّة (لو) حرف شرط غير جازم (أعجب) فعل ماض و(التاء) تاء التأنيث و(كم) ضمير مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (الواو) عاطفة (لا تنكحوا المشركين حتّى يؤمنوا) مثل إعراب نظيرتها المتقدّمة (الواو) استئنافيّة (لعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) مثلإعراب نظيرتها المتقدّمة (أولاء) اسم إشارة مبني على الكسر في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) حرف خطاب (يدعون) مضارع مرفوع..
والواو فاعل (إلى النار) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يدعون)، (الواو) عاطفة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يدعو) مضارع مرفوع وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الواو..
والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (إلى الجنّة) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يدعو)، (الواو) عاطفة (المغفرة) معطوف على الجنّة مجرور مثله (بإذن) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يدعو)، و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الواو) عاطفة (يبيّن) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (آيات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة و(الهاء) مضاف إليه (للناس) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يبيّن)، (لعلّ) حرف مشبّه بالفعل للترجي و(هم) ضمير متّصل في محلّ نصب اسم لعلّ (يتذكّرون) مضارع مرفوع..
والواو فاعل.
روائع البيان والتفسير: ﴿ وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ولأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ولَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ولا تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ ولَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ -قال الشنقيطي-رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ الآية، ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ [المائدة: 5] فإن قيل: الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله: ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ [البينة: 6]، وقوله: ﴿ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ [البينة: 1]، وقوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ [البقرة: 105]، والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب: أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [9 30، 31].اهـ[16].
• وقال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾؛ ﴿ تَنكحوا ﴾ بفتح التاء؛ أي لا تتزوجوا بهن حتى يؤمنَّ؛ و﴿ المشركات ﴾ جمع مشركة؛ والمشركة، أو المشرك، هو من جعل لله شريكاً فيما يختص به سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات؛ فمن اتخذ إلهاً يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون -؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقاً للكون، أو منفرداً بشيء في الكون، أو معيناً لله تعالى في خلق شيء من الكون فهو مشرك.
وقوله تعالى: ﴿ حتى يؤمن ﴾ أي يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحيد. قوله تعالى: ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ أي امرأة مؤمنة ﴿ خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾؛ هذه الجملة تعليل للنهي عن نكاح المشركات مؤكدة بلام الابتداء؛ وقوله تعالى: ﴿ خير من مشركة ﴾: أطلق الخيرية ليعم كل ما كان مطلوباً في المرأة؛ ﴿ ولو أعجبتكم ﴾ أي سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها، ومالها، وحسبها، وغير ذلك من دواعي الإعجاب.
فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: ﴿ خير من مشركة ﴾ مع أن المشركة لا خير فيها؟ فالجواب من أحد وجهين: الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق - وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه -، كما قال تعالى: ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلًا ﴾ [الفرقان: 24].
الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال، ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ ولو أعجبتكم ﴾؛ فبين سبحانه وتعالى أن ما قد يعتقده ناكح المشركة من خير فيها فإن نكاح المؤمنة خير منه.
قوله تعالى: ﴿ ولا تُنكحوا المشركين ﴾ بضم التاء؛ أي لا تزوجوهم؛ ﴿ حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ﴾ سبق بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ﴾.
ثم أضاف –رحمه الله في بيانه لفوائد الآية ما نصه: أنه يحرم على المؤمن نكاح المشركات؛ لقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾؛ ويستثنى من ذلك أهل الكتاب من اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿ اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ﴾ [المائدة: 5]، فإن هذه الآية: ﴿ اليوم أحل لكم الطيبات...
﴾ مخصِّصة لآية البقرة؛ و «أل» في قوله تعالى: ﴿ اليوم ﴾ للعهد الحضوري تفيد أن هذا الحكم ثبت في ذلك اليوم نفسه؛ والآية في سورة المائدة، ونزولها بعد نزول سورة البقرة؛ لكن مع كون ذلك مباحاً فإن الأولى أن لا يتزوج منهن؛ لأنها قد تؤثر على أولاده؛ وربما تؤثر عليه هو أيضاً: إذا أعجب بها لجمالها، أو ذكائها، أو علمها، أو خلقها، وسلبت عقله، فربما تجره إلى أن يكفر.اهـ [17].
• ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلَى الجَنَّةِ والْمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ اقال أبو جعفر الطبري- رحمه الله- في بيانها: يعني تعالى ذكره بقوله:"أولئك"، هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار؛ يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله.
يقول: ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالا ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنةيعني بذلك يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم.اهـ[18].
• وأضاف السعدي- رحمه الله- في بيانها: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ﴾ أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة، التي من آثارها، دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل الصالح.
﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ ﴾ أي: أحكامه وحكمها ﴿ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه، وعلم ما جهلوه، والامتثال لما ضيعوه.اهـ [19].
﴿ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ إعراب مفردات الآية[20]: (الواو) عاطفة (يسألونك عن المحيض) مثل يسألونك عن الشهر «[21]» (قل) فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (هو) ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (أذى) خبر مرفوع وعلامة الرفع الضمة المقدّرة على الألف (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر (اعتزلوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون..
والواو فاعل (النساء) مفعول به منصوب (في المحيض) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من النساء «[22]» (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة (تقربوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..والواو فاعل و(هنّ) ضمير متّصل مبنيّ في محلّ نصب مفعول به (حتّى) حرف غاية وجرّ (يطهرن) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ نصب بـ (أن) مضمرة بعد حتّى..
والنون ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل.
والمصدر المؤوّل (أن يطهرن) في محلّ جرّ بـ (حتّى)، متعلّق بـ (تقربوهنّ).
(الفاء) استئنافيّة (إذا) ظرف للزمن المستقبل في محلّ نصب متعلّق بمضمون الجواب أي فأتوهنّ (تطهّرن) فعل ماض مبنيّ على السكون في محلّ رفع..
و(النون) ضمير فاعل (الفاء) رابطة لجواب الشرط (ائتوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون..
والواو فاعل و(هنّ) ضمير مفعول به (من) حرف جرّ (حيث) اسم مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ متعلّق بـ (ائتوهنّ)، (أمر) فعل ماض و(كم) ضمير مفعول به (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (إنّ) حرف مشبّه بالفعل (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب (يحبّ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (التوّابين) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء (الواو) عاطفة (يحبّ المتطهرين) مثلنظيرها يحبّ التوّابين.
روائع البيان والتفسير: سبب نزول هذه الآية ما جاء في الصحيح المسند من أسباب النزول ما نصه: في صحيح مسلم- رحمه الله-: عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنزل الله تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فقال رسولالله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأرسل في آثارهما فعرفا أن لم يجد عليهما.اهـ[23].
• ﴿ ويَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ -قال أبو جعفر الطبري- رحمه الله- بتصرف يسير: يعني تعالى ذكره بقوله:"ويسألونك عن المحيض"، ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض..ثم قال: وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذُكر لنا - عن الحيض، لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت، ولا يؤاكلونهنَّ في إناء ولا يشاربونهن.
فعرَّفهم الله بهذه الآية، أنّ الذي عليهم في أيام حيض نسائهم: أن يجتنَّبوا جماعهن فقط، دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن.
ثم قال: وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهنّ في أدبارهن، فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيامحيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم - إذا تطهَّرن من حيضهن - في إتيانهن من حيث أمرَهم باعتزالهنَّ، وحرم إتيانهن في أدبارهنَّ بكل حال.اهـ[24].
• ﴿ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ • قال الشنقيطي-رحمه الله-: قوله تعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه، المعبر عنه بلفظة «حيث» ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين: إحداهما: هي قوله هنا: ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ [البقرة: 223]؛ لأن قوله: (فأتوا) أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله: (حرثكم)، يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.
الثانية: قوله تعالى: ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ [البقرة: 187] لأن المراد بما كتب الله لكم الولد، على قول الجمهور وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس ومجاهد والحكم وعكرمة والحسن البصري والسدي، والربيع والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل.
فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية فالآن باشروهن ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ [البقرة: 187]، يعني الولد.
ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: ﴿ أنى شئتم ﴾ [البقرة: 223] يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء كانت المرأة مستلقية، أو باركة، أو على جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي، عن جابر - رضي الله عنه - قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.
فظهر من هذا أن جابرا - رضي الله عنه - يرى أن معنى الآية: فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم، ولو كان من ورائها.اهـ[25].
﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ إعراب مفردات الآية[26]: (نساء) مبتدأ مرفوع و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (حرث) خبر مرفوع على حذف مضاف أي ذوات حرث (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف نعت لحرث (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر (ائتوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون..
والواو فاعل (حرث) مفعول به منصوب و(كم) مضاف إليه (أنّى) ظرف مكان مبنيّ على السكون غير متضمّن معنى الشرط متعلق بـ (ائتوا «[27]»، شئتم) فعل ماض مبنيّ على السكون..
و(تم) ضمير فاعل (الواو) عاطفة (قدّموا) مثل ائتوا (لأنفس) جارّ ومجرور متعلّق بـ (قدّموا) و(كم) مضاف إليه (الواو) عاطفة (اتّقوا) مثل ائتوا (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (الواو) استئنافيّة (اعلموا) مثل ائتوا (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد و(كم) ضمير في محلّ نصب اسم أنّ (ملاقو) خبر أنّ مرفوع وعلامة الرفع الواو و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الواو) عاطفة (بشر) فعل أمر والفاعل ضميرمستترتقديرهأنت (المؤمنين) مفعول به منصوب وعلامة النصب الياء.
روائع البيان والتفسير: سبب نزول هذه الآية ما ذكره صاحب كتاب الصحيح المسند من أسباب النزول: قال ما نصه:
في البخاري رحمه الله "ج/ 9 - ص/ 257" عن ابن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾.اهـ[28]

  ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال العلامة ابن عثيمين- رحمه الله-: قوله تعالى: ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ يعني زوجاتكم موضع حرث لكم، كما تكون الأرض حرثاً للزارع يبث فيها الحب؛ فيخرج الحب، وينمو، ويُنتفع به؛ كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق، فينزرع في الرحم حتى ينمو، ويخرج بشراً سوياً..
قوله تعالى: ﴿ فأتوا حرثكم ﴾: الفاء للسببية، أو للتفريع؛ والمراد بـ «الحرث» هنا موضع الحرث - وهو الفرج -. قوله تعالى: ﴿ أنى شئتم ﴾ أي من حيث شئتم؛ فـ ﴿ أنى ﴾ ظرف مكان؛ والمعنى: ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم؛ من جهة القبل - يعني الأمام -؛ أو من جهة الخلف؛ أو على جنب؛ المهم أن يكون الإتيان في الحرث؛ وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول؛ وكذبوا في ذلك؛ وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾.اهـ[29].
• ﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ -فسرها ابن كثير فقال-رحمه الله-: قوله تعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ أي: من فعل الطاعات، مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات؛ ولهذا قال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعًا..اهـ[30].
• وزاد أبو جعفر الطبري- رحمه الله بياناً فقال ما مختصره: فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بالطاعة بقوله: ﴿ وقدِّموا لأنفسكم ﴾، من قوله: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾؟ قيل: إن ذلك لم يقصد به ما توهمتَه: وإنما عنى به: وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا:"يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خيرٍ فللوالدين والأقربين"، وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجيبوا عنه، مما ذكره الله تعالى ذكره في هذه الآيات.
ثم قال تعالى ذكره: قد بيّنا لكم ما فيه رَشَدكم وهدايتكم إلى ما يُرضي ربكم عنكم، فقدِّموا لأنفسكم الخيرَ الذي أمركم به، واتخذوا عنده به عهدًا، لتجدوه لديه إذا لقيتموه في معادكم = واتقوه في معاصيه أن تقربوها، وفي حدوده أن تُضِيعوها، واعلموا أنكم لا محالة ملاقوه في معادكم، فَمُجازٍ المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.
﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنهزجرهم..اهـ[31].
• وأضاف السعدي- رحمه الله-ما مختصره: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير، رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة.
وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.اهـ[32].
﴿ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[33]: (الواو) استئنافيّة (لا) ناهية جازمة (تجعلوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به (عرضة) مفعول به ثان منصوب (لأيمان) جارّ ومجرور متعلّق بعرضه (أن) حرف مصدريّ ونصب (تبرّوا) مضارع منصوب وعلامة النصب حذف النون..
والواو فاعل (الواو) عاطفة (تتقّوا) مثل تبرّوا «[34]»والمصدر المؤوّل (أن تبرّوا) في محلّ جرّ عطف بيان من (ايمان) أو بدل منه«[35]» وكذلك أن تتّقوا، وأن تصلحوا...(الواو) عاطفة (تصلحوا) مثل تبرّوا (بين) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (تصلحوا)، (الناس) مضاف إليه مجرور (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (سميع) خبر مرفوع (عليم) خبر ثان مرفوع.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ -قال السعدي في بيانها إجمالاً ما نصه:- المقصود من اليمين والقسم تعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين، يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة، أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: أنيفعلوا خيرا، أو يتقوا شرا، أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه، وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب، استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم، وجب الحنث، أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث.
ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، أنه "إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها "فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء، مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك.
ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ أي: لجميع الأصوات ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته، وأن أعمالكم ونياتكم، قد استقر علمها عنده.اهـ[36].
• وزاد أبو جعفر بياناً عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فقال -رحمه الله-: يعني تعالى ذكره بذلك:"والله سميع" لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال:"والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس"، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم"عليم" بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، ألخير تريدون أم غيره؟ لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن.
ثم قال-رحمه الله-:-وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ.
يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه.اهـ[37].
﴿ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[38]: (لا) نافية (يؤاخذ) مضارع مرفوع و (كم) ضمير في محلّ نصب مفعول به (الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (باللغو) جارّ ومجرور متعلّق ب (يؤاخذ)، (في أيمان) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من اللغو أو بالمصدر اللغو و (كم) مضاف إليه (الواو) عاطفة (لكن) حرف استدراك لا عمل له (يؤاخذكم) مثل الأول والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الباء) حرف جرّ (ما) اسم موصول في محلّ جرّ متعلّق ب (يؤاخذكم)، (كسب) فعل ماض (التاء) تاء التأنيث (قلوب) فاعل مرفوع و (كم) مضاف إليه (الواو) استئنافيّة (الله غفور حليم) مثل الله سميع عليم «[39]».
روائع البيان والتفسير: •﴿ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ فسرها ابن عثيمين إجمالاً فقال- رحمه الله-: قوله تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ﴾؛ «يؤاخذ» لها معنيان؛ أحدهما: المؤاخذة بالعقوبة؛ والثاني: المؤاخذة بإلزام الكفارة؛ و «اللغو» في اللغة الشيء الساقط؛ والمراد به هنا اليمين التي لا يقصدها الحالف، كقول: «لا واللَّهِ»؛ «بلى والله» في عرض حديثه؛ ويبين ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ [المائدة: 89] أي نويتم عقده؛ و «الأيمان» جمع يمين؛ وهو القسم؛ والقسم: تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة - هي الواو، والباء، والتاء -؛ مثل: «والله»، و«بالله»، و«تالله».
قوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾، يفسره قوله تعالى: ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ [المائدة: 89].
قوله تعالى: ﴿ والله غفور حليم ﴾؛ لما ذكر اللغو من اليمين، والمنعقد منهما ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ وسبق معنى «الغفور»؛ و «الحليم» هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها.اهـ[40].
﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[41]: (اللام) حرف جرّ (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم (يؤلون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون...
والواو فاعل (من نساء) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من ضمير يؤولون أي متباعدين من نسائهم و(هم) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (تربّص) مبتدأ مؤخّر مرفوع، (أربعة) مضاف إليه مجرور (أشهر) مضاف إليه مجرور (الفاء) عاطفة (إنّ) حرف شرط جازم (فاءوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ في محلّ جزم فعل الشرط..
والواو فاعل (الفاء) رابطة لجواب الشرط (إنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم إنّ منصوب (غفور) خبر إنّ مرفوع (رحيم) خبر ثان مرفوع.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ -قال البغوي- رحمه الله- في تفسيره: يؤلون أي يحلفون، والألية: اليمين والمراد من الآية: اليمين على ترك وطء المرأة، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب [42]:كان ذلك منضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله له أجلا في الإسلام.اهـ[43].
• وأضاف ابن عثيمين- رحمه الله-في تفسيرها ما نصه: قوله تعالى: ﴿ فإن فاءوا ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بعد أن آلوا منهن؛ ﴿ فإن الله غفور ﴾ أي يغفر لهم ما تجرؤوا عليه من الحلف على حرمان الزوجات من حقوقهن؛ لأن حلفهم على ألا يطؤوا لمدة أربعة أشهر اعتداء على حق المرأة؛ إذ إن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف؛ وليس من العشرة بالمعروف أن يحلف الإنسان ألا يطأ زوجته مدة أربعة أشهر؛ فإن فعل فقد عرض نفسه للعقوبة؛ لكنه إذا رجع غفر الله له؛ و﴿ غفور ﴾ أي ذو مغفرة، كما قال تعالى: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ [الرعد: 6]؛ والمغفرة هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، مأخوذة من «المغفر»؛ وهو ما يوضع على الرأس عند الحرب لاتقاء السهام؛ وفي المغفر تغطية، ووقاية؛ و﴿ رحيم ﴾ أي ذو رحمة، كما قال تعالى: ﴿ وربك الغني ذو الرحمة ﴾ [الأنعام: 133]؛ فهو مشتق من الرحمة المستلزمة للعطف، والحنوّ، والإحسان، ودفع النقم اهـ [44].
﴿ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[45]: (الواو) عاطفة (إن) حرف شرط جازم (عزموا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ في محلّ جزم فعل الشرط..
والواو فاعل (الطلاق) مفعول به منصوب «[46]»، الفاء) رابطة لجواب الشرط (إنّ اللّه سميع عليم) سبق إعراب نظيرها إنّ اللّه غفور رحيم في الآية السابقة.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قال السعدي في تفسيرها إجمالاً ما نصه:﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به.
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة.ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء، خاص بالزوجة، لقوله: ﴿ من نسائهم ﴾ وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة، يجبر إما على الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا.اهـ[47].
﴿ والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحاً ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[48]: (الواو) عاطفة (المطلّقات) مبتدأ مرفوع (يتربّصن) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ رفع..
و(النون) ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل (بأنفس) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يتربّصن)، (هنّ) ضمير متّصل في محلّ جرّ مضاف إليه (ثلاثة) ظرف زمان مفعول فيه متعلّق بـ (يتربّصن)، (قروء) مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة (لا) نافية (يحلّ) مضارع مرفوع (اللام) حرف جرّ و(هنّ) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يحلّ) (أن) حرف مصدريّ ونصب (يكتمن) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ نصب بـ (أن) و(النون) ضمير متصل في محلّ رفع فاعل.والمصدر المؤوّل (أن يكتمن) في محلّ رفع فاعل يحلّ.
(ما) اسم موصول «[49]» مبنيّ في محلّ نصب مفعول به (خلق) فعل ماض (اللّه) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (في أرحام) جارّ ومجرور متعلّقبـ (خلق)، (هنّ) ضمير مضاف إليه (إن) حرف شرط جازم (كن) فعل ماض ناقص مبنيّ على السكون في محلّ جزم فعل الشرط..
و(النون) نون النسوة فاعل (يؤمنّ) فعل مضارع مبنيّ في محلّ رفع..
و(النون) فاعل (باللّه) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يؤمن)، (الواو) عاطفة (اليوم) معطوف على لفظ الجلالة مجرور مثله (الآخر) نعت لليوم مجرور مثله (الواو) عاطفة (بعولة) مبتدأ مرفوع و(هنّ) ضمير مضاف إليه (أحقّ) خبر مرفوع (بردّ) جارّ ومجرور متعلّق بـ (أحقّ)، (هن) ضمير مضاف إليه (في) حرف جرّ (ذا) اسم إشارة مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بـ (أحقّ) «[50]»، و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب (إن) مثل الأول (أرادوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ في محلّ جزم...
والواو فاعل (إصلاحا) مفعول به منصوب (الواو) عاطفة (اللام) حرف جرّ و(هنّ) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر مقدّم (مثل) مبتدأ مؤخّر مرفوع «[51]»، (الذي) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ مضاف إليه (عليهنّ) مثل لهنّ متعلّق بصلة الموصول المحذوفة أي الذي يوجد عليهن (بالمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بنعت لمثل لأنه لا يتعرف بالإضافة لإيغاله في التنكير «[52]»، (الواو) عاطفة (للرجال) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، (عليهنّ) مثل لهنّ متعلّق بمحذوف حال من درجة (درجة) مبتدأ مؤخّر مرفوع.
(الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (عزيز) خبر مرفوع (حكيم) خبر ثان مرفوع.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ -قال الشنقيطي-رحمه الله- في تفسيرها بتصرف يسير: قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، ولكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله: ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ [الطلاق: 4] وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلا، بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ [الأحزاب: 49].
أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله: ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ﴾ [الطلاق: 4].
ثم قال- رحمه الله: وقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار أو الحيضات؟ وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر: مالك، والشافعي، وأم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، والفقهاء السبعة[53]، وأبان بن عثمان [54]، والزهري، وعامة فقهاء المدينة وهو رواية عن أحمد، وممن قال: بأن القروء الحيضات الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت [55]، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد.
اهـ[56].
• قلت: والاختلاف في المقصود بالقرء الحيض أو الطهر شائع بين أهل التفسير، ولنا في تفسير القرطبي مسك الختام؛ فقد جمع وأفاد في رفع هذا الإشكال.وأنقل هنا كلامه- رحمه الله -قال: "وقيل: القرء، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعي في قول: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا.
وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾.
أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات، والمطلقة متصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعا، فيصير الاسم مشتركا.
ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام: فعدتهن ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا، لأن اللغة لا تدل عليه، ولكن عرفنا بدليل آخر، أن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإدا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما.
قال إلكيا الطبري[57]: وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي، ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لايبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها.
والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فان الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحملوقوى الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقول الشاعر «[58]»: ومبرّإ من كل غبّر حيضة ♦♦♦ وفساد مرضعة وداء مغيل
يعنى أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها.
فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء.
وقالوا: قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت.
وقرأت أيضا إذا حملت.
واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى:﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال:"﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾" يعنى وقتا تعتد به، ثم قال تعالى: ﴿ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ﴾.
يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر:"مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
أخرجه مسلم وغيره.
وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء.
ولا خلاف أن من طلق فيحال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى.اهـ[59].
• ﴿ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ -قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله-ما مختصره: قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ﴾ أي يخفين ﴿ ما خلق الله في أرحامهن ﴾ أي من الحمل؛ فلا يحل لها أن تكتم الحمل؛ و﴿ أرحامهن ﴾ جمع رحم؛ وهو مقر الحمل؛ وسمي رحماً؛ لأنه ينضم على الجنين، ويحفظه؛ فهو كذوي الأرحام من انضمامهم على قريبهم، وحنوهم عليه، وعطفهم عليه.
قوله تعالى: ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ هذه الجملة فيها إغراء لالتزام الحكم السابق؛ وهي تشبه التحدي؛ يعني إن كن صادقات في الإيمان بالله، واليوم الآخر فلا يكتمن حملهن؛ والمراد بـ﴿ اليوم الآخر ﴾ يوم القيامة.اهـ[60].
• وزاد السعدي بياناً فقال:أما كتمان الحيض، بأن استعجلت وأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها، وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشر، كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض، لتطول العدة، فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه، بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحا، لكونها أجنبية عنه، فلهذا قال تعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ [ص 102 ].
فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر، وإلا فلو آمنّ بالله واليوم الآخر، وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم يصدر منهن شيء من ذلك.
وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة، عما تخبر به عن نفسها، من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها، كالحيض والحمل ونحوه اهـ[61].
• ﴿ وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحاً ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ - قال ابن كثير في تفسيرها ما مختصره: قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ﴾ أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير، وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكنْ حالَ نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما صار ذلك لما حُصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحقّ برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث تطليقات صار للناس مطلقة بائن وغير بائن.
اهـ[62].
-وأضاف السعدي - رحمه الله-ما مختصره: قال تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن ﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ﴾ أي: رغبة وألفة ومودة.
ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن، لقصد المضارة لها، وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان؛ الجمهور على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ذلك، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها، فجعلت له هذه المدة، ليتروى بها ويقطع نظره.
وهذا يدل على محبته تعالى للألفة بين الزوجين، وكراهته للفراق.
ثم قال-رحمه الله-:وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن، فليس البعل بأحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع، فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة.
ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف، وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص والعوائد.
وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة، والمعاشرة، والمسكن، وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق.
وأما مع الشرط، فعلى شرطهما، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا.
﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾.
ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه.
﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم، الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه.
ويخرج من عموم هذه الآية، الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن، فليس لهن عدة، والإماء، فعدتهن حيضتان، كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، وسياق الآيات يدل على أن المراد بها الحرة.
اهـ [63]   ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ إعراب مفردات الآية[64]: (الطلاق) مبتدأ مرفوع (مرّتان) خبر مرفوع وعلامة الرفع الألف (الفاء) عاطفة (إمساك) مبتدأ مرفوع، والخبر محذوف تقديره واجب عليكم وهو متقدّم على المبتدأ (بمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف نعت لإمساك أو بالمصدر إمساك (أو) حرف عطف (تسريح) معطوف على إمساك مرفوع مثله (بإحسان) جرّ ومجرور متعلّق بنعت لتسريح أو بالمصدر تسريح.
(الواو) عاطفة (لا) نافية (يحلّ) مضارع مرفوع (اللام) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (يحلّ)، (أن) حرف مصدريّ ونصب (تأخذوا) مضارع منصوب وعلامة النصب حذف النون والواو فاعل (من) حرف جرّ و(ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من شيئا «[65]» (آتيتم) فعل ماض مبنيّ على السكون..و(التاء) فاعل والميم حرف لجمع الذكور (الواو) حرف زائد لإشباع حركة الميم (هنّ) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به (شيئا) مفعول به عامله تأخذوا، والمفعول الثاني لفعل آتيتموهنّ محذوف تقديره آتيتموهنّ إيّاه.
والمصدر المؤوّل (أن تأخذوا) في محلّ رفع فاعل يحلّ.
(إلّا) أداة استثناء (أن) حرف مصدريّ ونصب (يخافا) مضارع منصوب وعلامة النصب حذف النون، و(الألف) فاعل.
والمصدر المؤوّل (أن يخافا) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف على حذف مضاف، والجارّ والمجرور بمفهومه الخاصّ المحدود مستثنى من أعمّ الأحوال قبل أداة الاستثناء «[66]»، (أن) مثل الأول (لا) نافية (يقيما) مثل يخافا (حدود) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
والمصدر المؤوّل (ألّا يقيما) في محلّ نصب مفعول به عامله يخافا.
(الفاء) استئنافيّة (إن) حرف شرط جازم (خفتم) فعل ماض مبنيّ على السكون في محلّ جزم فعل الشرط..
و(تم) ضمير فاعل (ألّا يقيما حدود اللّه) سبق إعرابهاوالمصدر المؤوّل (ألّا يقيما) في محلّ نصب مفعول به عامله خفتم.
(الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية للجنس (جناح) اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب (عليهما) مثل لكم متعلّق بمحذوف خبر لا (في) حرف جرّ (ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ جرّ متعلّق بالخبر المحذوف «[67]»، (افتدت) فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر علىالألف المحذوفة لالتقاء الساكنين.
و(التاء) تاء التأنيث (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (افتدت).
(تي) اسم إشارة مبنيّ على السكون الظاهر على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين في محلّ رفع مبتدأ و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب (حدود) خبر مرفوع (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر (لا) ناهية جازمة (تعتدوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل و(ها) ضمير مفعول به (الواو) عاطفة (من) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (يتعدّ) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف حرف العلّة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (حدود) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الفاء) رابطة لجواب الشرط (أولاء) اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ رفع مبتدأ و(الكاف) حرف خطاب (هم) ضمير فصل «[68]»، (الظالمون) خبر المبتدأ أولئك، مرفوع وعلامة الرفع الواو.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ ﴾ قال البغوي- رحمه الله- في تفسيره: قوله تعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ﴾ روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنزلت هذه الآية ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ﴾ يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.
قوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ قيل: أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية، والصحيح أن المراد منه: الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا راجعها بعد الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل مايعرف في الشرع، من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة.
قوله تعالى: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ وصريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، وإن لم يراجعها حتى انقضتعدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها، وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ما لم تنكح زوجا غيره، وأما العبد إذا كانت تحته امرأة، فطلقها طلقتين، فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر..اهـ[69].
• وأضاف ابن عثيمين في تفسير قوله تعالى (الطلاق مرتان) تنبيهات هامة قال- رحمه الله-: جواز الطلاق الثلاث المتفرق؛ لقوله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ إلى أن قال: ﴿ فإن طلقها ﴾ يعني الثالثة؛ فهنا لا شك أن الطلاق متفرق؛ لأنه تعالى قال: { الطلاق مرتان }؛ ثم أدخل الفداء بينهما وبين الطلاق الثالث؛ فدل هذا على أنه طلاق متفرق؛ وهذا جائز بالإجماع؛ أما إذا جمع الثلاث جميعاً في دفعة واحدة، مثل أن يقول: «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق طالقطالق» يريد الثلاث؛ أو «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»؛ فقد اختلف أهل العلم في جواز ذلك؛ فمنهم من قال بإباحته، ونفوذه - فتبين به المرأة بينونة كبرى -؛ ومنهم من قال بتحريمه، ونفوذه؛ ومنهم من قال بتحريمه، ويقع واحدة؛ ومنهم من قال بتحريمه، وأنه لا يقع لا واحدة، ولا أكثر؛ فإذاً الأقوال أربعة؛ والصحيح أنه حرام، وأنه لا يقع إلا واحدة؛ وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وعليه يدل الكتاب، والسنة؛ لأنه لا تقع البينونة إلا إذا طلقها بعد طلاق مرتين؛ والطلاق مرتين لا يكون إلا إذا كان بينهما رجعة، أو عقد؛ أما أن يرسل طلاقاً بعد طلاق فهذا ليس بشيء.اهـ [70].
• ﴿ ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ • قال ابن كثير- رحمه الله في بيانها ما مختصره: أي لا يحل لكم أن تُضَاجِروهن وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاأَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [النساء:19] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها.
فقد قال تعالى: ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ [النساء:4] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ الآية..اهـ[71].
• وأضاف أبو جعفر الطبري في تفسير المقصود من ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ في الآية فقال- رحمه الله-: فإن قال قائل: وأية حال الحال التي يخاف عليهما أن لا يقيما حدود الله، حتى يجوز للرجل أن يأخذ حينئذ منها ما آتاها؟ قيل: حال نشوزها وإظهارها له بِغضتَه، حتى يخاف عليها ترك طاعة الله فيما لزمها لزوجها من الحق، ويخاف على زوجها - بتقصيرها في أداء حقوقه التي ألزمها الله لهتركه أداء الواجب لها عليه.
فذلك حين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله فيطيعاه فيما ألزم كل واحد منهما لصاحبه، والحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخذ ما كان آتى زوجته إذ نشزت عليه، بغضا منها له.اهـ[72].
• وذكر ابن عثيمين بياناً شافياً لطبيعة الخلع والفداء في الآية وأن ذلك ليس بطلاق فقالفي تفسيره ما نصه: إن الخلع ليس بطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال تعالى: ﴿ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له ﴾ الآية؛ ولو كان الخلع طلاقاً لكان قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها ﴾ هي الطلقة الرابعة؛ وهذا خلاف إجماع المسلمين؛ لأن المرأة تبين بالطلاق الثلاث بإجماعهم؛ وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلع فسخ بأي لفظ كان - ولو بلفظ الطلاق -، وقال: إن هذا هو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿ فلا جناح عليهما فيما افتدت ﴾؛ ولم يذكر صيغة معينة؛ لأنه إنما يعتبر في العقود بمعانيها لا بألفاظها؛ فما دام هذا الطلاق الذي وقع من الزوج إنما وقع بفداء من المرأة افتدت نفسها به - فهذا لا يمكن أن نعده طلاقاً ولو وقع بلفظ الطلاق؛ وما ذكره رحمه الله فإنه منظور فيه إلى المعنى؛ وما قاله غيره - من أنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان طلاقاً - فقد نظر فيه إلى اللفظ؛ ولا ريب أن من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ؛ أما الألفاظ فهي قوالب للمعاني؛ وأنت إذا ألبست المرأة ثوب رجل لا تكون رجلاً؛ كما أنك إذا ألبست رجلاً ثوب امرأة لم يكن امرأة؛ فالألفاظ عبارة عن قوالب تدل على ما وراءها؛ فإذا صار المعنى هو التخلص من الزوج بهذا الفداء فكيف يحسب طلاقاً؟!.اهـ [73].
• ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ •فسر معناها ابن عثيمين فقال- رحمه الله-: قوله تعالى: ﴿ تلك حدود الله ﴾؛ المشار إليه ما سبق من الأحكام، والشرائع؛ و﴿ حدود الله ﴾ أي شرائعه.
قوله تعالى: ﴿ فلا تعتدوها ﴾ أي لا تتجاوزوها؛ وقالالعلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿ فلا تعتدوها ﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿ فلا تقربوها ﴾.
قوله تعالى: ﴿ ومن يتعد ﴾ أي يتجاوز ﴿ حدود الله ﴾ المراد بها هنا أوامره؛ والجملة: اسم الشرط، وفعل الشرط؛ وقوله تعالى: ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾: جواب الشرط؛ ولم يذكر مفعول ﴿ الظالمون ﴾ ليفيد العموم.اهـ [74].
﴿ فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ إعراب مفردات الآية [75]: (الفاء) استئنافيّة (إن) حرف شرط جازم (طلّق) فعل ماض مبنيّ على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط و(ها) ضمير في محلّ نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية (تحلّ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (اللام) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (تحلّ)، (من) حرف جرّ (بعد) اسم مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ متعلّق بـ (تحلّ)، (حتّى) حرف غاية وجرّ بمعنى إلّا (تنكح) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي (زوجا) مفعول به منصوب (غيره) نعت لزوج منصوب مثله، والهاء ضمير مبنيّ في محلّ جرّ مضاف إليه.
والمصدر المؤوّل (أن تنكح) في محلّ جرّ بـ (حتّى) متعلّق بـ (تحلّ).
(الفاء) عاطفة (إن طلّقها) مثل الأولى والفاعل يعود إلى الزوج الثاني (الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) نافية للجنس (جناح) اسم لا مبنيّ على الفتح في محلّ نصب (على) حرف جرّ و(هما) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف خبر لا (أن) حرف مصدريّ ونصب (يتراجعا) مضارع منصوب وعلامة النصب حذف النون..
و(الألف) ضمير فاعل.
والمصدر المؤوّل (أن يتراجعا) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف تقديره في، والجارّ والمجرور متعلّق بخبر لا المحذوف.
(إن) حرف شرط جازم (ظنّ) فعل ماض في محلّ جزم فعل الشرط و(الألف) ضمير فاعل (أن) مثل الأول (يقيما) مثل يتراجعا.
والمصدر المؤوّل (أن يقيما) في محلّ نصب مفعول به أول لـ (ظنّ)، والمفعول الثاني مقدّر أي إن ظنّا إقامة حدود اللّه حاصلة «[76]»، (حدود) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (الواو) عاطفة (تلك حدود اللّه) سبق إعرابها في الآية السابقة (يبيّن) مضارع مرفوع، والفاعل هو و(ها) ضمير مفعول به (لقوم) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يبيّن) (يعلمون) مضارع مرفوع..
والواو فاعل.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ فَإن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ قال السعدي - رحمه الله –ما مختصره: يقول تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ أي: الطلقة الثالثة ﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أي: نكاحا صحيحا ويطؤها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا، ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق.
ويشترطأن يكون نكاح الثاني، نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول، فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل.
ثم قال- رحمه الله-: فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها، ثم فارقها وانقضت عدتها ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ أي: على الزوج الأول والزوجة ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ أي: يجددا عقدا جديدا بينهما، لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي.
ولكن يشترط في التراجع أن يظنا ﴿ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ بأن يقوم كل منهما، بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع.
ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.
وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصا الولايات الصغار والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم.اهـ [77].
• ﴿ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ قال أبو جعفر الطبري –رحمه الله-: يعني تعالى ذكره بقوله:"وتلك حدود الله" هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات"حدود الله" معالم فصول حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته"يبينها" يفصلها، فيميز بينها، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم، فيعرفون أنها من عند الله، فيصدقون بها، ويعملون بما أودعهم الله من علمه، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقونبأنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من الله، وأنها تنزيل من حكيم حميد.
ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به.اهـ[78].
﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إعراب مفردات الآية[79]: (الواو) عاطفة (إذا) ظرف للزمن المستقبل يتضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بمضمون الجواب (طلّق) فعل ماض مبنيّ على السكون و(تم) ضمير في محلّ رفع فاعل (النساء) مفعول به منصوب (الفاء) عاطفة (بلغن) فعل ماض مبنيّ على السكون..
و(النون) ضمير فاعل (أجل) مفعول به منصوب و(هنّ) ضمير متّصل مضاف إليه، (الفاء) رابطة لجواب الشرط (أمسكوا) فعل أمر مبنيّ على حذف النون و(هنّ) ضمير مفعول به (بمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من فاعل أمسكوهنّ أي متلبسين بمعروف (أو) حرف عطف للتخيير (سرّحوا) مثل أمسكوا و(هنّ) مفعول به (بمعروف) مثل الأول متعلّق بمحذوف حال من فاعل سرّحوهنّ (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة (تمسكوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل، و(هنّ) مفعول به (ضرارا) مفعول لأجله منصوب «[80]»، (اللام) للتعليل (تعتدوا) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وعلامة النصب حذف النون و..
الواو فاعل.
والمصدر المؤوّل (أن تعتدوا...) في محلّ جرّ باللام متعلّق بـ (ضرارا).
(الواو) استئنافيّة (من) اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ (يفعل) مضارع مجزوم فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (ذا) اسم إشارة مبنيّ في محلّ نصب مفعول به و(اللام) للبعد و(الكاف) للخطاب (الفاء) رابطة لجواب الشرط (قد) حرف تحقيق (ظلم) فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (نفس) مفعول به منصوب و(الهاء) ضمير مضاف إليه (الواو) استئنافيّة (لا تتّخذوا) مثل لا تمسكوا (آيات) مفعول به منصوب وعلامة النصب الكسرة (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (هزوا) مفعول به ثان منصوب (الواو) عاطفة(اذكروا) مثل أمسكوا (نعمة) مفعول به منصوب (اللّه) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور (على) حرف جرّ و(كم) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من نعمة اللّه «[81]» (الواو) عاطفة (ما) اسم موصول في محلّ نصب معطوفة على نعمة «[82]»، (أنزل) فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو أي اللّه (عليكم) مثل الأول متعلّق بـ (أنزل)، (من الكتاب) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف حال من مفعول أنزل المقدّر أي ما أنزله عليكم من الكتاب (الواو) عاطفة (الحكمة) معطوف على الكتاب مجرور مثله (يعظ) مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو و(كم) ضمير مفعول به (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يعظ).
(الواو) استئنافيّة (اتّقوا) مثل أمسكوا (اللّه) لفظ الجلالة مفعول به منصوب (الواو) عاطفة (اعلموا) مثل أمسكوا (أنّ) حرف مشبّه بالفعل للتوكيد (اللّه) لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب (بكلّ) جارّ ومجرور متعلّق بعليم (شيء) مضاف إليه مجرور (عليم) خبر أنّ مرفوع.والمصدر المؤوّل من أنّ واسمها وخبرها سدّ مسدّ مفعولي اعلموا.
روائع البيان والتفسير: • ﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ قال ابن عثيمين - رحمه الله- في تفسيره: قوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء ﴾: الخطاب هنا لعامة الناس؛ أي إذا طلق الأزواج نساءهم؛ ﴿ فبلغن أجلهن ﴾: قال بعض العلماء: المراد قاربن بلوغ أجلهن؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة؛ ولا إمساك حينئذ؛ ولكن الصحيح أن المراد ببلوغ أجلهن حقيقة بلوغ الأجل؛ وذلك بطهرها من الحيضة الثالثة؛ ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ أيردوهن إلى عصمتكم - وهو مراجعة؛ ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ أي اتركوهن بدون مراجعة..اهـ[83].
• ﴿ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ﴾ قال البغوي- رحمه الله: ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أي أضر بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ قال الكلبي يعني قوله تعالى: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو الدرداء:هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول مثل ذلك، وينكح ويقول مثل ذلك.اهـ[84].
• وزاد ابن عثيمين بياناً شافياً عن معني قوله تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ فقال- رحمه الله- ما مختصره: تحريم اتخاذ آيات الله هزواً سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزواً أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عزّ وجلّ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عزّ وجلّ؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال عزّ وجلّ في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ [التوبة: 65، 66]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضاً كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ [المطففين: 29 - 32]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ [المطففين: 34]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار.اهـ [85].
• ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ قال السعدي في بيانها ما نصه: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ عموما باللسان ثناء وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بصرفها في طاعة الله، ﴿ وَمَا أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ أي: السنة اللذين بيّن لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها، وطرق الشر وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون.
وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ولهذا قال ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن المراد بالحكمة أسرار الشريعة، لأن الموعظة ببيان الحكموالحكمة، والترغيب، أو الترهيب، فالحكم به يزول الجهل، والحكمة مع الترغيب يوجب الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في جميع أموركم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فلهذا بيّن لكم هذه الأحكام بغاية الإحكام والإتقان التي هي جارية مع المصالح في كل زمان ومكان،فله الحمد والمنة.اهـ[86].
﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وأَطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ إعراب مفردات الآية[87]: ﴿ وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ ﴾ مرّ إعرابها مفردات وجملا «[88]»، و(الفاء) رابطة لجواب الشرط (لا) ناهية جازمة (تعضلوا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون..
والواو فاعل و(هنّ) ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به (أن) حرف مصدري ونصب (ينكحن) مضارع مبنيّ على السكون في محلّ نصب..
و(النون) فاعل (أزواج) مفعول به منصوب (هنّ) مضاف إليه.
والمصدر المؤوّل (أن ينكحن) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف تقديره من أن ينكحن، والجار والمجرور متعلّق بـ (تعضلوهنّ).
(إذا) ظرف للزمن المستقبل يتضمّن معنى الشرط في محلّ نصب متعلّق بالجواب (تراضوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ المقدّر على الألف المحذوفة..
والواو فاعل (بين) ظرف مكان منصوب متعلّق بـ (تراضوا) و(هم) ضمير في محلّ جرّ مضاف إليه (بالمعروف) جارّ ومجرور متعلّق بـ (تراضوا) «[89]»، (ذا) اسم إشارة في محلّ رفع مبتدأ و(اللام) للبعدو(الكاف) للخطاب (يوعظ) مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع (الباء) حرف جرّ و(الهاء) ضمير في محلّ جرّ متعلّق بـ (يوعظ)، (من) اسم موصول في محلّ رفع نائب فاعل (كان) فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على من (من) حرف جرّ و(كم) ضمير متّصل في محلّ جرّ متعلّق بمحذوف حال من فاعل (يؤمن) وهو مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من (باللّه) جارّ ومجرور متعلّق بـ (يؤمن)، (اليوم) معطوف بالواو على لفظ الجلالة مجرور مثله (الآخر) نعت لليوم مجرور مثله (ذلكم) مثل ذلك (أزكى) خبر مرفوع وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الألف (لكم) مثل منكم متعلّق بأزكى (أطهر) معطوف على أزكى بالواو مرفوع مثله (الواو) استئنافيّة (اللّه) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يعلم) مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (الواو) عاطفة (أنتم) ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ (لا) نافية (تعلمون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون..
والواو فاعل.
روائع البيان والتفسير: سبب نزول قوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ما جاء في الصحيح المسند من أسباب النزول للمحدث العلامة أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- قال ما نصه: في البخاري-رحمه الله-" ج/ 9 - ص / 258" عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾.اهـ[90].
• ﴿ وإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وأَطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ -قال السعدي- رحمه الله- في تفسيرها: هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها، من أب وغيره؛ أن يعضلها؛ أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه؛ وغضبا؛ واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول.
وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي: واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين.اهـ[91].
• وأضاف ابن كثير-رحمه الله-في بيان قوله: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ما نصه: أي هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ أي: يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرةوما فيها من الجزاء ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في رد المولياتإلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه ﴿ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون ولا فيما تذرون.اهـ[92].


[1] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 453 ) [2] في الآية (217) من هذه السورة. [3] في الآية (217) من هذه السورة. [4] هذا الإعراب يوافق قراءة النصب في الفظ (العفو) الآتي ..
وثمّة وجه آخر مرجوح هو أن يكون (ما) اسم استفهام مبتدأ و(ذا) اسم موصول خبر، والجملة الاسمية الاستفهاميّة تفسيريّة، والفعلية صلة الموصول. [5] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 579 ) [6] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 52 ) [7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1/ 98 ) [8]انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 456 ) [9] في الآية (215) من هذه السورة. [10] أو متعلّق ب (يعلم) بتضمينه معنى يميّز. [11] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 55 ) [12] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 99 ) [13] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 / 255 ) [14] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4 / 361 ) [15] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 458 ) [16] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي الناشر: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت - لبنان(1/ 91) [17] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5/ 61 ) [18] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4/ 371/ 4230 ) [19] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 99 ) [20] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 461 ) [21] في الآية (217) من هذه السورة. [22] أو متعلّق ب (اعتزلوا). [23] قال في الصحيح المسند من أسباب النزول المحدث العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعى–رحمه الله- بتحقيقه- ص(34)-أخرجه الترمذي ج4 ص74 وقال هذا حديث حسن صحيح وأبو داود ج1 ص107 والنسائي ج1 ص125 وص135 وابن ماجه رقم 644 وأحمد ج3 ص246 والطيالسي ج2 ص14. [24] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 4/ 373 / 4232 ) [25] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي الناشر: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت - لبنان(1 / 91 ) [26] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 464 ) [27] أنّى: قد يكون بمعنى كيف، أو بمعنى أين، أو بمعنى متى فيدلّ على الظرف الزمانيّ في الآية.
وأبو حيان لا يجردها من الشرط في الآية فهي متعلقة بمضمون الجواب المقدّر أي: أنّى شئتم فأتوا حرثكم. [28] قال في الصحيح المسند من أسباب النزول المحدث العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعى–رحمه الله- بتحقيقه- ص( 34)- الحديث أخرجه مسلم ج10 ص6 و7 وفيه زيادة (إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد) وأخرجه الترمذي ج4 ص75 وقال حديث حسن صحيح وأبو داود ج2 ص215 وابن ماجه رقم 1925 والحميدي في المسند ج2 ص532.
هذه الزيادة ضعيفة لأن الراوي لها النعمان بن راشد وهو ضعيف وقال الحافظ في الفتح وهذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهري لخلوها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر مع كثرتهم ا.
هـ وأقول معناها مستفاد من أدلة أخرى كما في الفتح.
وأخرجه الإمام أحمد في المسند عن أم سلمة نحوه وفيه فقال –أي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم- "لا إلا في صمام واحد" وأصله في الترمذي ج4 ص75 وقال حديث حسن صحيح.
ثم ظهر لي أن أثبت رواية الإمام أحمد إذ ظاهرها أنه سبب آخر ولفظه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما قدم المهاجرون المدينة على أنصار تزوجوا من نسائهم وكان المهاجرون يجبون وكانت الأنصار لا تجبي فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك فأبت عليه حتى تسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: فأتته فاستحيت أن تسأله فسألته أم سلمة فنزلت ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ وقال: "لا إلا في صمام واحد".
ولا مانع أن تكون الآية نزلت في هذا وهذا أو أنه سبب تعدد النزول.
وأما ما جاء عن ابن عمر أنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهن كما في البخاري الإشارة إليه وفي الفتح ج9 ص255 و256 فقد رده العلماء وعلى رأسهم حبر الأمة كما في الفتح وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله في تفسيره ج2 ص398 بعد ذكره الرد على ذلك وتبين بما بينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عباس من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقوله للمسلمين: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول.
وقد قال قبل ذلك: وأي محترث في الدبر فيقال ائته من وجهه.
وقال العلامة الشوكاني بعد ذكره بعض القائلين بالجواز وليس في أقوال هؤلاء حجة ألبتة.
ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم فإنهم لم يأتوا بدليل يدل على الجواز فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه كائنا من كان ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلا أتى امرأته في دبرها فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك ومن زعم ذلك فقد أخطأ بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله فإن الآيات النازلات على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا وتارة بتحريمه ا.
هـ.
كلام الشوكاني رحمه الله.
وأما الحافظ ابن كثير رحمه الله فبعد أن ذكر قول ابن عمر في سبب نزول الآية قال: وهذا محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى عن الفضل بن فضالة عن عبد الله بن سليمان الطويل عن كعب بن علقمة عن أبي النضر أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال كذبوا علي ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت لا.
قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد فآذاهن فكرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ وهذا إسناد صحيح ثم ساق جملة من الأحاديث الدالة على تحريم إتيان النساء في أدبارهن وبعدها قال: وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه يحرمه.
قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به وهذا إسناد صحيح ونص صريح منه بتحريم ذلك فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم. [29] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 67 ) [30] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 599 ) [31] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4/ 418 / 4350 ) [32] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 100 ) [33] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 466 ) [34] يجوز أن يكون الفعل على الإيجاب أي لا تكثروا الحلف باللّه وإن كنتم بارّين متّقين مصلحين، ويجوز أن يكون الفعل على النفي، أي لا تحلفوا باللّه ألا تبرّوا ولا تتّقوا ولا تصلحوا. [35] لأن البرّ والتقوى والإصلاح هي موضع الأيمان ومآلها.
أي الحلف على عدم القيام بالبر والتقوى.
ويجوز أن يكون المصدر المؤوّل في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف أي.
في أن تبرّوا ..
متعلّق ب (عرضة). [36] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 100 ). [37] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4 / 427 / 4372 ). [38] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 468 ). [39] في الآية السابقة. [40] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 71 ). [41] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 469 ) [42] سعيد بن المسيب ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة، الإمام، العلم، أبو محمد القرشي، المخزومي، عالم أهل المدينة. رأى عمر، وسمع: عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم. وروى عن: أبي بن كعب مرسلا، وبلال كذلك، وسعد بن عبادة كذلك، وأبي ذر، وأبي الدرداء كذلك. وكان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه.
قال ابن سعد، وسعيد بن عفير، والزيادي، وغيرهم: مات سنة خمس وثمانين. وقال ابن يونس: قال الليث: مات في جمادى الآخرة، سنة ست وثمانين. قلت: الأول أصح، وقد كان مات قبله ابنه أصبغ بستة عشر يوما، فحزن عليه، ومرض، ومات بحلوان؛ مدينة صغيرة أنشأها على بريد فوق مصر. وعاش أخوه عبد الملك بعده، فلما جاءه نعيه، عقد بولاية العهد لابنيه: الوليد، ثم سليمان.- الترجمة مختصره من سير أعلام النبلاء للذهبي (4/ 251) [43] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 / 264 ). [44] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 73 ). [45] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 470 ). [46] فعل عزم يتعدى إلى المفعول بنفسه أو بوساطة حرف الجرّ على، يقال عزم الأمر وعلى الأمر، فلا ضرورة لإعراب الطلاق منصوبا على نزع الخافض كما جاء في حاشية الجمل. [47] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1/ 101 ). [48] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 471 ). [49] أي يكتمن خلق الولد ..
ويجوز أن يكون الخلق دم الحيض وحينئذ تكون (ما) نكرة موصوفة في محلّ نصب، والجملة بعدها صفة لها. [50] هذا إذا كانت الإشارة إلى العدّة، أي يستحقّ رجعتها ما دامت في العدّة ..ويجوز التعليق بردّ إذا كانت الإشارة إلى النكاح. [51] وهو نعت لمنعوت محذوف أي: ولهنّ معاشرة بالمعروف مثل الذي عليهنّ من الواجبات. [52] أو متعلّق بالاستقرار وهو الخبر المحذوف. [53] الفقهاء السبعة (فقهاء المدينة المنورة) و هم من التابعين ,وهم عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود المتوفى سنة:98هـ، وعروة بن الزبير المتوفى سنة:94هـ ,والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المتوفى سنة:107ه، وسعيد بن المسيب المتوفى سنة:94ه,وـأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المتوفى سنة:94هـ، وسليمان بن يسار المتوفى سنة:107هـ,وخارجة بن زيد بن ثابت توفى سنة:99هـ -رحمهم الله جميعاً-. [54] - أبان بن عثمان بن عفان الأموي القرشي(000 - 105 هـ = 000 - 723 م): أول من كتب في السيرة النبوية.
وهو ابن الخليفة عثمان.
مولده ووفاته في المدينة.
شارك في وقعة الجمل مع عائشة.
وتقدم عند خلفاء بني أمية فولي إمارة المدينة سنة 76 إلى 83 وكان من رواة الحديث الثقات، ومن فقهاء المدينة أهل الفتوى.
ودون ما سمع من أخبار السيرة النبوية والمغازي، وسلمها إلى سليمان بن عبد الملك في حجه سنة 82 فأتلفها سليمان.
وكانت فيه دعابة أورد صاحب الأغاني حكايات منها.
وأصيب بالفالج مع شئ من الصمم، فكان يؤتى به إلى المسجد، محمولا في محفة.- الأعلام للزركلي (1/ 27). [55] عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن قوفل، واسمه غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان. شهد العقبة الأولى والثانية، وكان نقيباً عل القواقل بني عوف بن الخزرج، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مزئد الغنوي، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خمسةٌ من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء. وكان عبادة يعلم أهل الصفة القرآن، ولما فتح المسلمون الشام أرسله عمر بن الخطاب.
وأرسل " معه " معاذ بن جبل وأبا الدرداء، ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم في الدين، روى عنه أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد، والمقدام بن عمرو بن معد يكرب، وأبو أمامة الباهلي، ورفاعة بن رافع، وأوس بن عبد الله الثقفي، وشرحبيل بن حسنة، وكلهم صحابى.
وروى عنه جماعة من التابعين. قال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت.انظر ترجمته في أسد الغابة لابن الاثير- بتصرف ( 2/ 74) [56] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي الناشر: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع بيروت - لبنان(1 / 97 ) [57] هو العلامة، شيخ الشافعية، ومدرس النظامية، أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الهراسي. رحل، فتفقه بإمام الحرمين، وبرع في المذهب وأصوله، وقدم بغداد، فولي النظامية سنة(493) وإلى أن مات. تخرج به الأئمة، وكان أحد الفصحاء، ومن ذوي الثروة والحشمة، له تصانيف حسنة . حدث عن:زيد بن صالح الآملي، وجماعة.روى عنه:سعد الخير، وعبد الله بن محمد بن غالب، وأبو طاهر السلفي. قال السلفي:سمعت الفقهاء يقولون:كان الجويني يقول في تلامذته إذا ناظروا:التحقيق للخوافي، والجريان للغزالي، والبيان للكيا. مات إلكيا:في المحرم، سنة أربع وخمس مائة، وله ثلاث وخمسون سنة وشهران، وكانوا يلقبونه شمس الإسلام . قال ابن الأثير:اتهمإلكيا مدرس النظامية بأنه باطني، فقبض عليه السلطان محمد، فشهدوا ببراءة الساحة، فأطلق .
قلت:وصنف كتابا في الرد على مفردات الإمام أحمد ، فلم ينصف فيه.-سير أعلام النبلاء للذهبي(19/ 352). [58] هو أبو كبير الهذلي (عن اللسان). [59] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي- الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة( 3/ 114-115 ). [60] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 75 ). [61] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 101 ). [62] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع(1 / 609 ). [63] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة( 1/ 101 ). [64] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 474 ). [65]-أو متعلّق ب (تأخذوا). [66] تقدير المعنى: لا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا في كلّ حال من الأحوال إلا في حال خوف الزوجين من عدم إقامة حدود اللّه، وحينئذ يصحّ الأخذ ويحلّ.
وأبو حيّان يجعله استثناء مفرغا وهو المفعول لأجله أي لا يحلّ لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب إلا خوفا من عدم إقامة حدود اللّه فذلك هو المبيح لكم الأخذ. [67] يجوز أن يكون (ما) نكرة موصوفة في محل جرّ، والجملة بعدها صفة لها. [68] يجوز أن يكون ضميرا منفصلا مبتدأ خبره الظالمون والجملة خبر أولئك. [69] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1 / 270 ). [70] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 88 ). [71] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع( 1/ 613 ). [72] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة ( 4 / 525 / 4806). [73] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 94 ). [74] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 84 ). [75]-انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 479 ). [76] يجوز أن يسدّ المصدر المؤوّل مسدّ مفعولي ظنّ. [77] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة (1/ 102 ). [78] جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري ،تحقيق أحمد محمد شاكر- الناشر: مؤسسة الرسالة (4 / 600 / 4908 ). [79] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 481 ) [80] قال الجمل في حاشيته على الجلالين: لا يجوز جعله علّة ثانية- أي لا يجوز تعليقه بالفعل- لأن المفعول لأجله لا يتعدّد إلا بالعطف وهو مفقود هنا. [81] أو متعلّق بالمصدر نعمة أي: أن أنعم اللّه عليكم. [82] يجوز أن يكون (ما) مبتدأ خبره جملة يعظكم. [83] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 95 ) [84] انظر معالم التنزيل للبغوي - الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع ( 1/ 275 ) [85] تفسير العلامة محمد العثيمين -مصدر الكتاب: موقع العلامة العثيمين (5 / 101 ) [86] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 103 ) [87] انظر الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق(2/ 285) [88] في لآية (231). [89] أو بمحذوف هو مفعول مطلق أي تراضيا بالمعروف، ويجوز تعليقه ب (ينكحن) على رأي أبي حيّان. [90] قال في الصحيح المسند من أسباب النزول المحدث العلامة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعي - رحمه الله - بتحقيقه - ص(37) - الحديث أيضا أخرجه البخاري ج11 ص91 وص408 والترمذي ج4 ص76. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأبو داود ج2 ص192 والطيالسي ج1 ص305، والدارقطني ج3 ص223 و224، والحاكم ج2 ص174.
وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه مسلم، وابن جرير ج2 ص448. [91] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- الناشر: مؤسسة الرسالة(1/ 103 ) [92] تفسير القرآن العظيم لابن كثير- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع(1/ 632 )



شارك الخبر

المرئيات-١