أرشيف المقالات

مشاهدات وذكريات معلمة مريضة (2)

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2مشاهدات وذكريات معلمة مريضة (الجزء الثاني) نزهة وسط الزحام

يَستمتِعُ المُتنزِّهون بالخضرة والينابيع، وبالرفقة الطيبة، تزامنَ خروجي من المنزل مع عودة الموظفين من أعمالهم، حيث الزحامُ شديدٌ، والسيارات تنساب ببطءٍ شديد من على الجسر الذي سلكناه، وتزحف داخلَ النفق الذي توقَّفنا فيه مدة طويلة.   كانت في نظري كالينابيع التي تنسابُ مياهُها برفق، وعلى جانبَيْها أشجار زينة أضفَتْ على المكان جمالاً، وازدانَتْ أكثرَ برفقتي الطيِّبة ذهابًا مع أصغر أولادي - حفظه الله تعالى - والعودة كانت مع ولدي الأكبر - بارك الله فيه - الذي عاد من عمله إلى المَشفَى؛ ليُقلَّنا إلى المنزل.
أعانني الله عز وجل على الخروج من المنزل بعد أن أصبح الخروج نادرًا، فلله الحمد والشكر.   أذكر أنَّني عندما كنت طالبةً جامعيَّة قبل ثلاثة عقود ونصف كنت أشاهد الزحامَ يوميًّا أثناء الذهاب والإياب، وكنت أصومُ، وأدرس، وأقدِّمُ العون لأسرتي، وكذا الحال عندما كنت أعود لأبنائي من عملي، وهأنذا اليومَ بفضل الله عز وجل أعودُ للمنزل مُفْعمةً بالنشاط؛ كالعائد من نزهة ممتعة - وعلى غير المعتاد - بل وساعدت ابنتي في عمل حلوى رمضانيَّة، واستمتعت بالسهر مع أسرتي قليلاً.
في قسم التصوير: أثناء وجودي في قسم التصوير وقعَتْ عيني على لوحةٍ مثبتة على الحائط، كُتِب عليها حديثٌ نبوي شريف، أصابتْني الدهشةُ مما قرأتُ، أحسَسْتُ وكأني لا أعرفُ عن فضل الابتلاء وجزاء الصبر عليه شيئًا، فأنا ولله الحمد تعلَّمْتُ ودرست كثيرًا عن الابتلاء وجزاء الصبر عليه، أحمده سبحانه على قضائه وقدره، وما سعيي للعلاج إلا للحفاظ على النفس من الهلاك؛ فالمرض يُوهِنُ البدن، وهو (النفس) إحدى الضرورات التي يجب الحفاظ عليها.
المؤمنُ يَستقبِلُ نعمَ الله عليه بالحمد والشكر، ويتلقَّى الابتلاء بالصبر، واحتساب الأجر، وليس أدل على ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابتْه سراءُ شكَر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر؛ فكان خيرًا له))؛ رواه مسلم.   الابتلاء يعني: الاختبارَ، ولا يكون إلا للمؤمنين، بل للأكمل إيمانًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشدُّ الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل))؛ أخرجه الإمام أحمد.
نبي الله أيوب عليه السلام ابتلاه الله عز وجل بفَقْد ولده، وماله، وصحته؛ فكان غايةً في الصبر، ناجى ربَّه فاستجاب لدعائه، وكشف عنه الضرَّ؛ قال تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84].   حقيقة الابتلاء لا يدركُه إلا مَن ابتُلِي به؛ فالأصحَّاء لا يتخيَّلون قسوة بعض الأمراض، والأغنياء تَغيبُ عن أذهانهم معاناةُ الفقر، وكذلك لذَّةُ الصبر على الابتلاء لا يشعر بحلاوتها إلا مَن صبر واحتسب؛ فطوبَى لمن واجه الابتلاء بالصبر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، تفسير ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]؛ أي: إن لهم أجرًا بغير حصرٍ، بل أكثر مِن أن يُحصَرَ بعددٍ أو وزن.
الابتلاءُ - مهما كان نوعه - فيه تكفيرٌ للذنوب والسيئات، ورفعٌ للدرجات، كما أنه يُقوِّي صلةَ العبد بربه؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا همٍّ، ولا حزنٍ، ولا أذًى، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكُها - إلا كفَّر الله بها من خطاياه))؛ رواه البخاري ومسلم.   أما (اللوحة) فكانت بمثابةِ تنبيهٍ للنفس من غفلة أصابتْها.   أين أنا من مرضى السرطان مثلاً، الذين يتعالجون بالكيماوي؟ وأين أنا من الذين فقدوا أبصارَهم، أو أطرافهم، أو أصيبوا بالشلل نتيجةَ الحروب؟   وأين أنا ممن شرَّدَتْهم الحروب والفتن؛ فأصبحوا بلا مأوًى، وبلا معيلٍ لهم من أقاربهم، بعد أن كانوا آمنين في أوطانهم؟
أحمدُ اللهَ دائمًا على ما أنا فيه؛ فأنا بين الأهل، وبرفقة الأبناء، والأمراض تأتيني متفرِّقة، أو بالتدريج.
أما ما كُتِب على اللوحة وأدهشني، فهو ما رُوِي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَودُّ أهلُ العافية يوم القيامة حينَ يُعطَى أهل البلاء الثواب لو أن جلودَهم كانت قُرِّضَتْ في الدنيا بالمقاريض))؛ رواه الترمذي، وحسنه الألباني.
سائق التاكسي: مسكُ الختام كان بركوبي مع ولدي التاكسي؛ فقد كان السائقُ يستمعُ إلى برنامج: "فتاوى رمضانية"، وفي منتصف الطريق انشغل بالردِّ على هاتفه؛ فلم أَعُدْ أسمع شيئًا، لكنه بعد أن أقفل هاتفه بقليل إذا به يضرب بقوة وعصبية على المذياع ويقول: (أعطِها أعطِها أختك) مستنكرًا ما سَمِع، ثم ردَّد كلمة أخرى (ليش من الزكاة؟!).
فأصغيتُ جيدًا للسؤال، وإذا بسائل يسأل عن حكم إعطاء الأخت المتزوجة من أموال الزكاة إن كانت فقيرةً؟ وما هي إلا لحظات حتى وصلنا المنزل، تمنَّيْتُ لو طال الوقت حتى أسمع الإجابة، ومناقشة الشيوخ له.
الاهتمام بالأخوات خُلقٌ طيِّب، يتربَّى عليه الأبناء بالقدوة: زيارة، هدية، إكرام وفادتها، والسؤال عن حالها - فالأخت لو لم تتزوَّجْ لا بد أنها ستكون في ذمَّة أخيها؛ ليرعاها - الشهامة، والمروءة، والرجولة، الغَيرة، والحرص الشديد على الأخت المتزوجة والفقيرة؛ عبَّر عنها السائقُ بكلمة (أعطِها)، لو كان والدي ما زال حيًّا لأثنى عليه وعلى شهامته، نعم الأخُ الذي يشعر بحاجة أخته للمال وهو يملكه فيُعطيها، (أتمنى أن يكون السائق صادقًا في غضبه، واصلاً لرَحِمه).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة))؛ رواه الترمذي، قال الفقهاء: يُسنُّ تفرقةُ زكاته في أقاربه الفقراء الذين لا تلزمُه مُؤنتُهم؛ كالإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمَّات، والأخوال، والخالات؛ فهم أولى من غيرهم.
أما السائل فربما كان شهمًا كريمًا، وعلى أخته منفقًا، لكنه يجهلُ الحكمَ الشرعيَّ، أو يشعر بالحرج من إعطاء أخته من مال الزكاة، أو لحاجة أخرى في نفسه لا يعلمها إلا الله عز وجل.
الشكر الجزيل لكل من كان سندًا لأخته، مهما بَعُدت المسافات، أو عونًا لقريبه في الملمَّات.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١