غلو في التكفير
مدة
قراءة المادة :
8 دقائق
.
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف حكى أحد المتأخرين أن شخصًا ارتكب مظلمةً، فقال المظلوم: هذا ظلم وحاشا السلطان من الأمر والرضى به، فقال الظالم: أنا خادم الدولة المنتمية إلى السلطان؛ فقد نسبتَ الظلم إلى السلطان، فهوّنتَ ما عظَّمَتِ الشريعةُ من أمر السلطان فكفرتَ.
فأخذوا «المظلومَ» وجاؤوا به إلى القاضي، وحكم عليه بالردة، ثم جدَّد إسلامه وفعل ما يترتب على ذلك (1) ! والحكاية السابقة لها نظائر في أزمان متلاحقة؛ وفي عصرنا هذا أوفر الحظ والنصيب من هذا الغلو؛ إذ غلب الجهل بدين الله تعالى، واندرس العلم الشرعي، واستحوذ القمع والاستبداد؛ فكان ذلك مناخًا ملائمًا ومرتعًا خصبًا لهذا التكفير الغالي.
وهذا الصنف يكفِّر بلوازم متكلَّفة، قد لا تكون لوازم أصلًا، فضلًا أن يلتزم بها من ـقال هذا الملزوم أو فعله.
وهناك أمر ثالث أن هؤلاء المولعين بالتكفير الغالي لا يلتفتون إلى ضوابط التكفير المتقررة عند أهل السنّة، ولا يعتدُّون بعوارض الأهلية من الجهل والخطأ والتأويل ونحوها. إن التكفير باللازم مطلقًا قد أورث في الأمة تناحرًا وتقاتلًا، ورحم الله الإمام الذهبي إذ يقول: (ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نكفِّر مسلمًا موحدًا بلازم قوله، وهو يفرُّ من ذلك اللازم، وينزِّه ويعظم الربّ) (2) . وقد سئل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: هل لازم المذهب مذهب، أم لا؟ فكان من جوابه ما يلي: (الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذبًا عليه، بل ذلك يدلّ على فساد قوله وتناقضه في المقال، ولو كان لازم المذهب مذهبًا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة) (1) . وساق السخاوي مقالة شيخه الحافظ ابن حجر؛ إذ يقول: (والذي يظهر أن الذي يُحكَم عليه بالكفر مَنْ كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله، وعُرِض عليه فالتزمه..
أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرًا ولو كان اللازم كفرًا) (2) . والتكفير بهذه الإلزامات المتكلفة قد لا ينتهي إلى حدٍّ ولا يقف عند شخص؛ فليس له خطام ولا زمام، وقد لا ينجو من التكفير إلا صاحب داء التكفير بتلك الإلزامات، ويعظم خطره إذا اقترن به تنزيله على الواقع، وتطبيقه على عموم المسلمين؛ فهؤلاء إذا كفّروا نظامًا معينًا ألحقوا به عساكر النظام بدعوى مساندة الطاغوت، ثم أتبعوهم بأرباب الوظائف المدنية، وربما حشروا العامة مع العساكر والمدنيين، بدعوى الرضى بالطاغوت، والراضي كالفاعل! هذا أنموذج صارخ لمظهر من مظاهر الغلو في هذا الزمان، وإن كان المتعيَّن علينا أن ندافع الانحراف كله سواء كان غلوًا أو إرجاءً، وأن نعالج هذه الأدواء بعلم وعدل، دون تهوين لداء، أو تهويل لآخر، وأن لا نستغرق في مدافعة الغلو في التكفير حتى نؤول إلى الإرجاء من حيث لا نشعر؛ فالبدعة لا تردّ بالبدعة، وإنما تردّ البدعة بالسنّة. وإذا كان القمع والظلم الواقعان من قِبَل حكومات تجاه أصحاب هذا النَّفَس الغالي لا يزيد الأمر إلا سوءًا، ولم يخلّف إلا مضاعفة في الغلو والإفراط، فكذا النظرة السطحية والمعالجة الشكلية والتهكم والتمسخر بأولئك القوم..
لم يعقبه إلا مزيد من التأثر والانتشار لهذا الفكر المنحرف، فلا بد من النقاش العلمي الرصين، والحوار العميق مع أصحاب هذا الفكر، ومناظرتهم مناظرة مناصحة لا مكايدة، كما فعل حبر هذه الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إذ ناظر الخوارج ورجع شطرُهم. ولما خرجت الخوارج سنة (100هـ) على عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بعث إليهم عمرُ مَنْ يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض؛ فلما فعلوا ذلك، بعث إليهم جيشًا فكسرهم الخوارجُ، ثم أرسل ابنَ عمه مسلمةَ بن عبد الملك إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج يقول له: ما أخرجك عليّ؟ فإن كنتَ خرجتَ غضبًا لله فأنا أحق بذلك منك، ولستَ أوْلى بذلك مني، وهلمَّ أناظرك، فإن رأيتَ حقًا اتبعتَه، وإن أبديتَ حقًا نظرنا فيه..
(3) . فتأمَّل ـ رعاك الله ـ مسلكَ العدل والإنصاف مع الخوارج، وسعي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى مناظرتهم برحمة وعلم، وسماع رأيهم، والجواب عنه. ومن المهم أن يُلتفَت إلى الجوانب النفسية في معالجة هذه النازلة؛ فالنفس البشرية فيها نوع من الكِبْر؛ فتحبّ أن تخرج من العبودية والاتِّباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ـ رحمه الله ـ: (ما ترك أحد شيئًا من السنّة إلا لكِبْرٍ في نفسه، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتِّباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) (4) . فلا بد من تربية الناشئة في محاضن إيمانية قائمة على تزكية النفوس وفق السنّة النبوية، والعناية بتهذيب النفوس عن أهوائها وحظوظها، من خلال التعبّد المشروع ومحاسبة النفس ومراقبتها؛ فالمسلك الخارجي لا ينفك عن ازدراء غيرهم، وتقلّب آرائهم، مما يستدعي الاشتغال بالجوانب الإيمانية القلبية. فرأس الخوارج (ذو الخويصرة) طعن في قسمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعمران بن حطان تزوّج امرأة من الخوارج ليردّها عن مذهبها، فصرفته إلى مذهبها. كما أن البطش والاستبداد وحرمان الحقوق لا يُنبت إلا نفوسًا متوترة، وعقولًا جانحة، مما يؤجج نيران هذه الفتنة.
وإذا كان اضطراب آراء الخوارج وتعددها سببًا في إخفاقهم؛ فإن الظلم الواقع من بعض خلفاء بني أمية من عوامل قبول المذهب الخارجي، لا سيما في بلاد المغرب العربي (5) . وإذا كان العدل مطلوبًا مع الكفار؛ فما بالك بأهل الإسلام بمن فيهم الخوارج؟! وكما أن أهل السنّة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، أفلا يكون ذلك باعثًا على الإشفاق عليهم ودعوتهم إلى دين الله ـ تعالى ـ والسنّة بعلم وبصيرة؟! (*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض. (1) انظر: العلم الشامخ، للمقبلي، ص 413. (2) الرد الوافر، لابن ناصر الدين الدمشقي، ص 48. (1) مجموع الفتاوى: 20/217.
(2) فتح المغيث: 2/334. (3) انظر: البداية والنهاية: 9/187.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، 2/612. (5) انظر: مقدمة كتاب الخوارج في بلاد المغرب، لمحمود إسماعيل.