أرشيف المقالات

حكم هجاء المسلم والكافر وذم الهجاء

مدة قراءة المادة : 19 دقائق .
2حكم هجاء المسلم والكافر وذمُّ الهجاء   الهجاء لغة: خلافُ المدح، وهجاه هجْوًا وهِجَاءً؛ أي: شتمه بالشِّعر، وعدَّد فيه معايبَه، ويقال: هجا فلانٌ فلانًا؛ يعني: شتَمَه وسَبَّهُ وعابَه، والمرأة تهجو زوجها؛ أي: تذمُّه وتشكو صُحْبَتَهُ.   وفي الحديث: "اللهم إن فلانًا هجاني، فاهْجُهُ اللهم مكانَ ما هجاني"؛ أي: جازِهِ على هجائه إيَّايَ جزاءَ هجائِه، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40].   الهجاء اصطلاحًا: ما وُصِفَ به الإنسان من الأخلاق الذَّميمة شعرًا، وقال بعضهم: الهجاء: نَزْع الصفات الحميدة عن المهجوِّ ووَصْمُهُ بأَضدَادِها.   حكم الهجاء: عَدَّ ابن حجر الهيتمي رحمه الله أنَّ من الكبائر الشِّعْرَ المُشتَمِل على هَجْو المسلم، ولو بصدقٍ، وكذا إن اشتمل على فُحْشٍ أو كذبٍ فاحشٍ، وتُرَدُّ شهادةُ الهاجِي لفسقِه، وقد صرَّح بذلك بعضُ العلماء، فقال: إن هجا مسلمًا فسَقَ، أو ذِمِّيًّا فلا بأس، وقال آخر: إذا آذى في شِعْرِه بأن هجا المسلمين أو رجلاً مسلمًا، فسق به؛ لأنَّ إيذاء المسلم مُحَرَّم، ويستوي في ذلك قليل الهِجاء وكثيره؛ لأنَّ الشعر يُحْفَظُ ويَعْلَقُ بالأذهان ويعاودُ فيبقى على الأعصار والدُّهور، بخلاف النَّثْرِ، وكما يحْرُم الهجْوُ يحرُم إنشادُه أيضًا، ولكن ليس إِثم حاكِي الهَجْو كإثم مُنْشِدِه".
ا.هـ بتصرف واختصار؛ (الزواجر: ص662).   ذمُّ الهجاء: أخرج ابن ماجه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أعظم الناسِ عند الله فِرْيةً لَرجُلٌ هاجى رجلاً فهَجَا القبيلة بأسْرِهَا، ورجلٌ انتفى من أبيه وزَنَّى أُمَّهُ))؛ (قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن)، و(هو في الصحيح: 763)، (صحيح الجامع: 1569).   وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "جلس إحدى عشرة امرأةً، فتعاهدْن وتعاقدن أن لا يكتُمن من أخبار أزواجهنَّ شيئًا‏؛ قالت الأُولى: زوجي لحمُ جملٍ غَثٍّ[1]، على رأس جبلٍ وعرٍ، لا سهل[2] فيُرتقى[3]، ولا سمينٌ[4] فيُنتقلَ‏[5]،‏ قالت الثَّانيةُ: زوجي لا أبُثُّ خبره[6]، إنِّي أخافُ ألاَّ أذره[7]، إن أذكُره أذكُر عُجَره[8] وبُجَرَه‏[9]،‏ قالت الثَّالثةُ: زوجي العَشَنَّقُ[10]، إن أنطق أُطلَّق، وإن أسكُت أُعلَّق‏[11].‏ قالت الرَّابعةُ: زوجي كلَيْل تِهَامة[12]، لا حَرٌّ، ولا قُرٌّ، ولا مخافة، ولا سآمة[13]، قالت الخامسةُ: زوجي إن دخل فَهِد[14]، وإن خرج أَسِد[15]، ولا يَسألُ عمَّا عَهِد[16]، ‏قالت السادسةُ: زوجي إن أكل لفَّ[17]، وإن شرب اشتفَّ[18]، وإن اضطجع التفَّ[19]، ولا يُولِجُ الكفَّ ليَعْلم البثَّ[20].   قالت السَّابعةُ: زوجي غَيَاياءُ[21] - أو عَيَاياءُ[22] - طباقاءُ[23]، كُلُّ داءٍ له داءٌ، شجَّكِ[24] أو فلَّك[25] أو جمع كُلاًّ لكِ‏..." الحديث.   وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنَّ أعمى كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت له أُمُّ وَلَدٍ، وكان له منها ابنان، وكانت تكثرُ الوقيعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتسُبُّه، فيزجرها فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلمَّا كان ذات ليلةٍ ذكرْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فوقعَتْ فيه، فلم أصبِرْ أن قمتُ إلى المِغْوَلِ[26] فوضعتُهُ في بطنِها فاتكأتُ عليه فقتلتُهَا فأصبحَتْ قتيلاً، فذُكِرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الناسَ، وقال: ((أَنْشُدُ اللهَ رجلاً لي عليه حقٌّ فعل ما فعل إلاَّ قام))، فأقبل الأعمى يتَدَلْدَلُ، فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت أُمَّ ولدي، وكانت بي لطيفة رقيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنَّها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتُمُك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، فلما كانت البارحة ذكرْتُكَ فوقعَتْ فيكَ، فقمتُ إلى المِغْوَلِ فوضعتُهُ في بطنها فاتَّكَأتُ عليها حتى قتلتُها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا اشهَدُوا أنَّ دمَهَا هَدَرٌ)).   وأخرج الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحجرات: 4]، قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن حَمْدِي زَيْنٌ، وإن ذَمِّي شَيْنٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ذاكَ اللهُ)).   والمعنى أن هذا الرجل يمدح نفسَه ويُظهر عظمتَه، ويقول: إن مدحتُ رجلاً فهو محمودٌ ومزين، وإن ذممتُ رجلاً فهو مذموم ومعيب.   هجاء الكافر والفاسق: مرَّ بنا في تعريف الهِجاء أنه ما وُصِفَ به الإنسان من الأخلاق الذَّميمة شِعْرًا؛ وهو منهيٌّ عنه شرعًا، لكنه يجوز في حقِّ الكافر أو الفاسق.   فقد أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اهجُوا قريشًا؛ فإنَّه أشدُّ عليها من رشقٍ بالنَّبْلِ))، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: ((اهْجُهُم))، فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثمَّ أرسل إلى حسَّان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن تُرسِلوا إلى هذا الأسد الضَّاربِ بِذَنَبِه، ثم أَدْلَعَ لسانه فجعل يُحَرِّكُهُ، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفْرِيَنَّهُمْ بلساني فَرْي الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تعجل؛ فإنَّ أبا بكر أعْلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسبًا، حتى يُلَخِّصَ لك نسبي))، فأتاه حسَّانُ، ثمَّ رجع، فقال: يا رسول الله، قد لَخَّصَ لي نسبَك، والذي بعثك بالحق لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعرةُ من العجين، قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: ((إنَّ رُوحَ القُدُس لا يزالُ يُؤَيِّدُكَ ما نافحتَ عن الله ورسوله))، وقالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((هجَاهُم حسَّانُ فشَفى واشْتَفى)).   قال حسان رضي الله عنه: هجَوتَ مُحمدًا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ هجوتَ مُحمَّدًا برًّا تقيًّا رسول الله شيمتُه الوفاءُ فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي لعِرْض مُحمدٍ منكم وقاءُ ثكلتُ بُنيَّتي إن لم ترَوْها تُثيرُ النَّقع مِن كنفَيْ كَدَاء يُبارين الأعنَّة مُصعداتٍ على أكتافها الأَسَلُ الظِّماءُ تظلُّ جيادُنا مُتمطِّراتٍ تُلطِّمهنَّ بالخُمُر النِّساءُ فإنْ أعرضتمُ عنَّا اعتمرنا وكان الفتحُ وانكشف الغطاءُ وإلاَّ فاصبرُوا لضراب يومٍ يُعزُّ الله فيه من يشاءُ وقال الله: قد أرسلتُ عبدًا يقولُ الحقَّ ليس به خفاءُ وقال الله: قد يسَّرتُ جُندًا همُ الأنصارُ عُرضتُها اللِّقاءُ لنا في كُلِّ يومٍ من معدٍّ سبابٌ أو قِتالٌ أو هِجاءُ فمن يهجو رسولَ الله منكم ويمدحه وينصره سواءُ وجبريلٌ رسولُ الله فينا ورُوحُ القُدْس ليس له كِفَاءُ   وأخرج الإمام أحمد عن عمَّار بن ياسر رضي الله عنهما أنه قال: لمَّا هجانا المشركون، شكوْنَا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((قولوا لهم كما يقولون لكم))، قال: فلقد رأيتنا نُعَلِّمُه إِمَاءَ أهلِ المدينة".   "وقد أطلق كثير من العلماء جَواز هَجْو الكافر؛ مُستَدلِّين بأمرِه صلى الله عليه وسلم لحسَّان رضي الله عنه بهَجْو المشركين، وألحق الغزاليُّ وتبعه جمعٌ من العلماء بالكفار المُبتَدِعين؛ حيث يجوز هجوُهم ببدعتِهم، ولكن لمقصدٍ شرعيٍّ كالتحذير من هذه البدعة، ويجوز أيضًا هَجْو المُرتدِّ بخلاف الفاسق؛ فإنَّه لا يجوز هجاؤه، إلاَّ بما تجَاهَرَ به من فسقٍ فقط لجواز غيبته به، ولقصد زجره".
اهـ بتصرف واختصار؛ (الزواجر: ص665).   وبعد: فهذا آخر ما تيسَّر جمعُه في هذه الرسالة، نسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن يتقبَّلها منَّا بقبول حسَن، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينفع بها مؤلِّفها وقارئها، ومَن أعان على إخراجها ونشرها...، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.   هذا، وما كان فيها من صواب، فمِن الله وحده، وما كان من سهوٍ أو خطأ أو نِسيان، فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بَراء، وهذا شأن أيِّ عمل بشَري يعتريه الخطأ والصواب؛ فإن كان صوابًا فادعُ لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثمَّ خطأ فاستغفر لي. وإن تجد عيبًا فسدَّ الخللا ♦♦♦ فجلَّ من لا عيب فيه وعلا   فاللهمَّ اجعل عملي كلَّه صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه نصيبًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.   وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.   هذا، والله تعالى أعلى وأعلم...   سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


[1] الغث: الهزيل النحيف الضعيف. [2] أي: الجبل ليس بسهل، والمعنى: أنَّ صعوده شاق لوعورته. [3] يُرتقى؛ أي: يُصعد عليه، (من صفة الجبل). [4] المراد: اللحم. [5] يُنتقل؛ أي: يتحول، (من صفة اللحم). - والمعنى: أن المرأة وصفت زوجها بقلَّة الخير وبعده، وشبَّهته باللحم الغثِّ الذي لا نقى فيه، أو هو الذي لا ينقله الناس إلى بيوتهم لزهدهم فيه، ومع ذلك هو على رأس جبلٍ صعب لا يوصل إليه إلاَّ بالتعب. وذكر الخطابي رحمه الله: أنَّها أشارت ببعد خيره إلى سوء خلقه، وترفُّعه بنفسه تيهًا، وأرادت أنَّه مع قلة خيره يتكبر على عشيرته وأهله. - والمعنى الإجمالي لقولها - والله أعلم -: أنَّها شبَّهَت زوجها بلحم الجمل الضعيف الهزيل، وهذا اللَّحم رغم أنه لحم جمل ضعيف هزيل فهو موضوع على قمَّة جبل وعر يصعب الصعود إليه، فالجبل ليس بسهل للارتقاء، واللَّحم ليس بسمين يستحقُّ مكابدة المشاق. - وتنزيل هذا على الزوج كالتالي: أنها تذمُّ زوجها، فتقول: إنَّ لحمه كلحم الإبل ليس كلحم الضأن الطيب، والمعنى: أنها لا تستمتع بزوجها ذلك الاستمتاع المطلوب؛ فهو رجل ضعيف، لحمه غير جيد، وكأنها تصف مضاجعته لها؛ تعني: أنني إذا استمتعتُ منه بشيء فكأني آكل لحم الجمل الهزيل، وهو مع هذه الحالة من الهزال والضعف خلقُه سيِّئ، فلا أحد يعرف كيف يتكلم معه ولا كيف يتخاطب معه، ولا يصل إليه لسوء خلقه، وحتى إذا وصلت إليه بعد مكابدة المشاق، فماذا عساي أن أحصل منه؟ إنني بعد هذا الجهد للوصول إليه لا أجد شيئًا يستحقُّ أن آخذه وأنتقل به وأستمتع به، والله أعلم. [6] أبث: معناها أنشر، لا أبث خبره: لا أظهره ولا أشيعه. [7] أذره: أتركه؛ والمعنى أترك خبره، وقال العلماء: إن (لا) زائدة. [8] العُجَر: انتفاخ العروق في الرقبة. [9] البجَر: انتفاخ العروق في السرَّة. - "عُجَره وبجره": العُجَر هي العروق والأعصاب التي تنتفخ وتظهر في الوجه والجسد عند الغضب أو عند الكبر، والبُجَر مثلها، إلاَّ أنها مختصة بالبطن، والمعنى: هناك عيوب ظاهرة وباطنة. ويروى أن عليًّا رضي الله عنه لمَّا رأى طلحة صريعًا قال: إلى الله أشكو عُجَري وبجري؛ يريد همومي وأحزاني. والمعنى الإجمالي - والله أعلم -: أنَّ المرأة تشير إلى أن زوجها ملِيء بالعيوب، فهي تقول: إنني إذا تكلَّمتُ فيه ونشرتُ أخبارَه، أخاف أن أستمرَّ في الحديث ولا أنتهي؛ لكثرة ما فيه من شرور وانفعالات، وماذا أتذكَّر من زوجي إن تذكَّرت منه شيئًا، فالذي أتذكَّره هو العُقَد الموجودة في وجهه، وانتفاخ أوداجه والنتوء الظاهرة في عروق البطن والجسد، هذا الذي أذكره منه. ومن العلماء من قال: إن معنى قولها: "إني أخاف ألا أذره"؛ أي: أخاف ألا أتحمَّل مفارقته؛ فإنَّه إذا بلغه أنني تكلَّمت فيه طلَّقني، فأخشى من مفارقته؛ لوجود أولادي وعلاقتي به، والأول أولى، والله أعلم. [10] العشنَّق: الطويل، أو طويل العنق، تريد أن له طولاً بلا نفع، ومنظرًا بلا مَخْبر. وقيل: هو الطويل المذموم الطول، وقيل: هو السيِّئ الخلُق، وقيل: هو النجيب الذي يملك أمرَ نفسه ولا تتحكم فيه النساء، وقيل: عكس ذلك: أنَّه الأهوج الذي لا يستقرُّ على حال. [11] أما قولها: "إن أنطِق أطلَّق، وإن أسكت أعلَّق"، فمعناه والله أعلم: إذا تكلمتُ عنده وراجعتُه في أمر طلَّقني، وإن سكتُّ على حالي لم يلتفت إليَّ وتركني كالمعلَّقة التي لا زوج لها ولا هي أيِّم، فلا زوج عندها يُنتفع به، ولا هي أيِّم تبحث عن زوج لها، والله أعلم. [12] قولها: "كلَيْل تهامة": أمَّا تِهامة، فبلاد تهامة المعروفة، والليل في هذه البلاد معتدِل، والجو فيها طيِّب لطيف، فهي تصف زوجها بأنه ليِّن الجانب، هادئ الطَّبع، رجل لطيف. والقُرُّ هو البرد، يقال: قررتُ؛ أي: أصابني البرد. [13] مخافة: من الخوف، والسآمة: من قوله: سئم الرجل؛ أي: ملَّ وتعب، والمعنى: أنني أعيش مع زوجي آمنة مطمئنة مرتاحة البال، لستُ خائفةً ولا أملُّ من معيشته معي، وحالي عنده كحال أهل تِهامة وهم يستمتعون بلذَّة ليلهم المعتدل وجو بلادهم اللطيف؛ (ليس فيه خلق أخاف بسببه أو يسأمني أو أسأمه). [14] فَهِد بفتح الفاء وكسر الهاء وفتح الدال: من الفَهْد المعروف؛ أي: فيه من خصال الفهد. [15] أَسِد بفتح الألف وكسر السين وفتح الدال: من الأسد؛ أي: فيه من خصال الأسد. [16] هذا الوصف الذي وَصفت به المرأة زوجَها محتمل احتمالين: إمَّا المدح وإما الذم. - أما المدح، فله وجوه؛ أحدها: أنَّها تصف زوجَها بأنه فهد لكثرة وثوبِه عليها وجِمَاعه لها، فهي محبوبة عنده لا يصبر إذا رآها، أمَّا هو في الناس إذا خرج فشجاعٌ كالأسد، وقولها: لا يسأل عما عَهِد؛ أي: إنه يأتينا بأشياء من طعام وشراب ولباس ولا يسأل أين ذهبَت هذه ولا تلك. والوجه الثاني للمدح: أنه إذا دخل البيتَ كان كالفهد في غفلتِه عمَّا في البيت من خَلَل وعدم مؤاخذته لها على القصور الذي في بيتها، وإذا خرج في الناس فهو شجاع مِغوار كالأسد، "ولا يسأل عما عهد" ؛ أي: إنَّه يسامحها في المعاشرة على ما يبدو منها من تقصير. - أمَّا الذم، فهي تصف زوجَها بأنه إذا دخل كان كالفهد في عدم مداعبتِه لها قبل المواقعة، وأيضًا سيئ الخلق يبطش بها ويضرِبها ولا يَسأل عنها، فإذا خرج من عندها وهي مريضة ثمَّ رجع لا يَسأل عنها ولا عن أحوالها ولا عن أولاده، والله أعلم. [17] أي: مر على جميع ألوان الطعام التي على السفرة فأكل مها جميعًا. [18] اشتفَّ؛ أي: شرب الماء عن آخره، لم يُسئر؛ (أي لم يترك سؤرًا وبقية). [19] أي: التفَّ في اللحاف والفراش وحده بعيدًا عني. [20] لا يُدخل يده إلى جسدي ويرى ما أنا عليه من حال وأحزان، فهي تصف زوجَها بما يُذمُّ به الرجل، وهو كثرة الأكل والشرب وقلَّة الجماع، والله أعلم. [21] الغياياء: هو الأحمق. [22] والعياياء (من العي) الذي لا يستطيع جماع النساء. [23] طباقاء: بلغ الغاية في الحمق، "كل داءٍ له داء": أي: إن العيوب المتفرِّقة في الناس مجتمعة فيه. [24] شجَّكِ؛ أي: إذا كلَّمتِه شجَّك، والشجُّ هو الجرح في الرأس. [25] والفلول هي الجروح في الجسد، والمعنى: إذا راجعته في شيء ضربني على رأسي فكسرها أو على جسدي فأدماه أو جمعهما لي معًا؛ أي: جمع لي الضرب على الرأس (الذي هو الشجُّ) مع جراح الجسد (الفلول)، والله أعلم. [26] المِغْوَلُ: سيف قصير أو سكينة.



شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن